تونس ومسار تعميم حق الخروج عن القانون

بقلم أيمن البوغانمي
لقد تحولت قضية الكامور إلى حالة تلخص ما تشهده الدولة التونسية من ضعف وهوان. صحيح أن هناك حالات كثيرة أخرى مشابهة

في كل أنحاء البلد. ولكن التطاول الذي أظهره «أبطال» ما يسمى بتنسيقية الكامور في تعاطيهم مع مؤسسات الدولة ومصادر الإنتاج الاستراتيجية يدفع للتساؤل عن قابلية تونس لأن تدار بعقلانية، حتى وإن كانت محدودة، أو بحكمة، حتى إذا شابها شيء من الاضطراب.
تمتد الأيادي لمضخّات النفط التونسي، فتغلقها على مرأى ومسمع من السلطات. يتكلم «قائد همام»، فلا ينضبط إلى منطق، ولا يحتكم إلى عقل. هي فقط حجة التهميش أصبحت تبيح انتهاك العرف والشرع.
تقاوم الحكومة ما شاء لها القدر أن تقاوم. ثم لا يلبث أن يتوجه فريق حكومي ليتفاوض عن الدولة مع من خالف القانون وأخذته العزة بذلك. يبرر الكثيرون الموقف بعدم التزام الحكومة بتعهداتها السابقة. وكأنهم نسوا أن التعهدات السابقة إنما انتزعت بنفس الطريقة، أي بالابتزاز.
وبغض النظر عن النتائج التي سيفضي إليها التفاوض حول هذه القضية بالتحديد، تجد تونس اليوم نفسها ممزقة بين مبادئ دولة القانون من جهة، ومبادئ الدولة الاجتماعية من جهة أخرى. صحيح أنه ليس ثمة تناقض بين هذه وتلك من حيث المبدإ. ولكن التناقض يمكن أن يظهر بسهولة. ذلك أن قيمة دولة القانون تقوم على كونية المبادئ التي لا بد من تنزيلها على الجميع بغض النظر عن كل الاعتبارات. أما جوهر الدولة الاجتماعية، فيكمن في ضرورة الاعتراف بوجود تفاوت في المبادئ واختلاف في ظروف تنزيلها حسب المواطنين وحسب السياق. وهو ما يعني أن أي مبالغة في التماس الأعذار من الجهة الثانية قد يفسح المجال أمام تهديد كونية المبادئ، ومن أبرزها المساواة أمام القانون. وعليه يكون السؤال: هل بالغت تونس في الانحياز لما تفرضه الدولة الاجتماعية من مراعاة للسياقات؟
لقد تبنت النخب التونسية فكرة الدولة الاجتماعية، بل ومالت كل الميل في تبنيها. لا يعني هذا أنها لا تذكر دولة القانون. بالعكس: إنها تكاد تسبح بحمدها وتقدسها. ولكنها صلاة لا خشوع فيها. ومن لم ينهه ابتهاله في المجال العام باسم القانون، فلا خير فيه.
إن الثورات صنفان: ثورة تطالب بإلغاء امتيازات قائمة تعتبرها مجحفة، وأخرى تدعو إلى تعميمها انطلاقا من مبدإ العدالة في الإجحاف. أي أن الأولى تنتصر لدولة القانون، في حين تقترب الثانية من الدولة الاجتماعية.
لا يعني هذا الفصل أنه من الممكن عمليا أن تكون الثورة ذات تعامل واحد مع قضية الامتيازات. ففي كل ثورة مطالبة بإلغاء امتيازات سابقة. ولكن فيها أيضا رغبة دفينة في الاستفادة من الحفاظ عليها، بل وفي تعميقها، بشرط بسيط هو تغيير المتمتعين بها.
هذا ما حصل بالتحديد في تونس حيث انتفت عمليا شروط دولة القانون. ذلك أن فكرة الدولة الاجتماعية قد غلبت على العقول بحيث أصبح من المستحيل في المستقبل المنظور تطبيق القانون إلا على من يختار الالتزام بالقانون.
عادة ما يعتقد الناس أن المشكلة تكون عويصة حين لا ينفذ القانون على الأقوياء. ولا شك أن تفشي إفلات الأقوياء من العقاب أمر خطير. ولكن أخطر منه أن تعجز الدولة عن تفعيل القانون حتى على الصغار. لماذا؟ ليست المسألة أخلاقية حتى يقطب البعض وجوههم شزرا. المسألة براغماتية. إذ أن إفلات الأقوياء من العقاب، على ما فيه من مضار، لا يفسح المجال أمام الجميع للتطاول. فلا بد أن يتوفر شرط القوة. وقلّ أن يتوفر. أما إذا وصل الهوان إلى حد العجز عن تطبيق القانون على الضعفاء، بل إلى حد بيان هذا العجز بما لا يدعو للشك بحيث تأتي المكاسب الاجتماعية عوضا عن العقاب المستحق، فإن النتيجة تكون تشجيع الجميع على تحدي الدولة. وليس تحدي الكل كإفلات البعض.

لقد وصل بنا الميل إلى التماس الأعذار أقصاه. وحق لنا اليوم أن نقول: هنيئا لكل من يتجرأ على القانون، وكل التعازي لمن يصرّ على التزام به. هنيئا لكل ضعيف يقدر على أن يستتر بضعفه من أجل المطالبة بامتيازات، قد أصبح من بينها اليوم الحق في مخالفة القانون.
هذه ليست بالديمقراطية. إنها في الحقيقة دكتاتورية الأجسام الوسطى التي لا تحتاج اليوم لأي قوة معتبرة لتحدي الدولة. كل الذي تحتاجه هو أن تجد سبيلا لتعطيل إنتاج استراتيجي أو للإضرار بمصالح معتبرة. كل الذي تحتاجه أن تجعل دولة القانون مخيرة بين اللجوء إلى العنف الشرعي أو تكبد خسائر جسيمة لا قبل للاقتصاد التونسي بدفع ضريبتها.

كل جماعة تنجح في إيصال الدولة التونسية إلى هذا المفترق، تستطيع اليوم أن تتحدى الدولة، بل وأن تكرهها على تحمل ما لا تستطيع من فاتورة اقتصادية واجتماعية. فالدولة التونسية مغلولة الأيدي. إذ لا أحد فيها يتجرأ على الإقدام على استخدام القوة الشرعية.
السؤال: هل يمكن للسلطة أن تستمر من دون قوة شرعية؟ والجواب: قطعا لا. فالسلطة تتكون أصلا من عنصرين: شرعية قوية تدعمها قوة شرعية. ولا تكون إحداهما إلا بالأخرى.
إن حصول الأجسام الوسطى سواء أكانت ممثلة في الأحزاب أو في الجمعيات أو في النقابات أو في التنسيقيات على امتياز الحق في مخالفة القانون لن يضر فقط بدولة القانون. ذلك أنه سيدمّر بالتأكيد مفهوم الدولة الاجتماعية أيضا. وإذا لم تتوقف الحلقة المفرغة، قد ينتهي الأمر إلى تفكيك الدولة فعليا.
ليس المقصود هنا ما جرت عليه ألسنة المتكلمين في المجال العام من حديث عن تفكك الدولة للتعبير عن ضعفها وارتباكها سياسيا. المقصود تفككها فعلا، بمعنى تحول تونس إلى مجالات شبه إقطاعية يتنازع فيها كل طرف ما يقدر عليه من امتيازات أو موارد. في سياق كهذا، ستكون القوة وحدها من يحسم المعارك. ومن لا يحب القوة الشرعية على اعتبار أنها تذكر بممارسات الاستبداد، فإنه يمهّد الطريق أمام القوّة العمياء التي تقوم فقط على القدرة الذاتية لأصحابها. عندها فقط قد يتذكّر كل من ابتّز الدولة التونسية، وقد يستحضر كل من خضع للابتزاز أن القوة الشرعية إنما جعلت لكي تحفظ دولة القانون أن تتناهشها الامتيازات.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا