« ذكيّر حتـــى ولــو كان افيــــــّر»

بقلم: روضة القدري
أستاذة - باحثة في علم الإجتماع في معهد الدوحة للدراسات العليا

كنسوية ، كمختلفة، كإنسانية أو حتى إنسانوية، كامرأة تقول لا، كامرأة تفكر وتستنكر ، كامرأة لاتقبل بديهيات القطيع،

أعترف بالهزيمة، بالفشل، بالخيبة ، أمام النظام الأبوي والذكوري....

أعترف بأن العامّة في عددها وتبلّدها و تحجّر ايماناتها، أقوى من الأفراد المختلفين، وان انتظموا في تيارات ومدارس فكرية ونقابية وضمن جمعيات وفرق عمل....

والفشل ليس في الدروس والنصوص والتمويلات والقوانين ....

إنّه فشل الدقائق اليومية، في تنظيم جدول زمني يجمع امرأة مختلفة برجل، في تنسيق ايقاع العواطف والمسؤوليات والمكان ...

فشل في ايجاد مكان متساوٍ حتى ضمن اسرتك، مع الذكور، وان أخطؤوا و قسوا وهجروا وانكروا...

لو فعلت المستحيل وقدمت مالك وجهدك وإحساسك ووقتك، لَظلَّ تقديس الذكر من أب أو أخ، قائما بذاته، في ذاته، دون أن يبرهن عن نفسه، ودون أن يتزحزح الذكر صنتيمترا ليُقنِعَ بأي شيء. قيمة كامنة تواجه المنطق ذاته... فمن تخاصمين وقتها: أمك، أباك،إخوتك ؟؟

وإن دخل رجل في حياتك، من مشاربه المختلفة، ستضطرين للتعقف والتلوّن ، وإلى تشكيل ذاتك ألف مرة كل يوم حتى ... حتى لا تخسري من ذاتك... ومن أحلامك.. حتى لا يتهمك بالنسوية وكره الرجال... حتى لا يضحك على سباحتك عكس التيار ... حتى لا يغضب من تصورك المساواتي للعلاقة، و الذي يقضم كالفأر من امتيازاته وحريته، الكامنة والشرعية

والمعطاة له دون أن يطلبها... من قبل الجميع ، أفرادا ومؤسسات،

هو ليس شريرا، ولا يقصد الإساءة، ولم يقصد عدم المشاركة... وأنا أصدّق فعلا هذا من قبل رجال كثيرين رائعين... يعيدون الاشتغال على أنفسهم باستمرار...

ولكن... المساواة المطلقة والتامة، والتي تقتضي أن تفعل ما لا يٌطلب منك، وأن لا تنتظر أن يطلب منك، وأن تتبنّى العلاقة والبيت والأبناء والإحساس والإلتزام، كمشروعك الخاص الذي تكافح من اجله، أمر اشبه بسراب الصيف الحارق ...

ستضطر المرأة تارةإلى التعامل مع الرجل كطفل، لتعلمه كيف يطبخ وكيف لا يترك المطبخ خرابا بعده، وكيف يحترم الترتيب في البيت .... وستنتقي العبارات والتوجيهات حتى لا يحسّ بأنها تأمره ... ثم ستكره ذاتها وتثور عليها: المشكلة منكِ، ومن سقف انتظاراتِك العالي، ومن تربيتك التي تجعلك مهتمّةبكلّ تفاصيل البيت ومن فيه... وستتبنى الخطأ وترجعه الى تربيتها التي تسعى إلى أن تثور عليها فلا تقدر...

وستحتاج لأن تفسر له معنى العبأ الذهني الذي يولده التفكير في ما نحتاجه للبيت، وللجسد، وللشعور..، وأن التفكير أكثر ارهاقا من القيام بالشيء في حد ذاته...
فإن كنت أكتب نصا، و أتذكر أن الحليب انتهى، وأنّ علي ان أحجز موعدا طبيا لفلان من العائلة... لأني إن لم أقم بهذا لن يقوم به أحد... فمن أين سيأتي التركيز على وظيفة أو أي شكل من أشكال الانتاج...

وإن كنت أتألم من تعبيرة ودّ لا تأتي، لأن الآخر يعتقد أن مجرد بقائه في العلاقة يكفي لتطمين إحساسي، فكيف أهدأ وأتقدم؟؟؟
وقد لا تخرجين من بعد ذلك سليمة، سيدتي الكريمة،... فقد تتهمين بأنك تأمرينه وتملين عليه كيف يفعل ماذا... وبأنك فقط لم تطلبي منه ما تلومينه عليه...

كيف نطلب من شخص أن يتبنى مشروعا ويفكر في تفاصيله ... وأن يتابعه.. وأن لا ينتظر أن نطلب منه... هل نستجدي التفكير؟
وبالتالي، حتى أسلوبك اللطيف الذي ستجتهدين في اتباعه حتى لا تجرحيه ولا تغضبيه...لن يفيدك دوما ...

وإن أمرت لن يفيدك... وإن غضبت لن يفيدك... وإن قررت أن تتبني المشروع برمته لوحدك... لن تخرجي من قرارك سالمة... ستتعبين وتسخطينوتذبلين... لأنك إذا فكرت كما أكتب أنا الآن... فأنت امرأة تفكر وتقاوم... والمرأة المقاومة لاتقنع بأنصاف الحلول أو بتجنب المواجهة.
ولن يصمت في المرأة السؤال: لماذا على أن أطيع وأتأقلم وأتبنى أسلوبا مخصوصا وألاطف وأداعب؟؟؟؟ لماذا يقع المجهود علي ؟؟

وفي المقابل ، تجد نظيرتها ، المرأة الذكورية (وهي الحصن المنيع للتراتبية والمراكز)، في الجهالة تنعم، وفي المسلمات تسبح في هدوء، وإن تعبت تسخط ولكن لا تقلب طاولة الادوار...
هو تعب جسدي فحسب...

ولكنها لا تتعب الجمجمة في انتظار الشريك الانساني... يهمها أن يكون من معها رجلا، يساعد قليلا فحسب... يقول كلاما جميلا لشكرها علىأكلها وثيابها دون أن يهيم بها فيفقد فحولته أمامها...
تنعم المرأة الذكورية بمساندة القطيع.. وتشابهها مع جارتها وأمها و أختها و النساء على الفضائيات العربية وغير العربية..
فالذكورية واللامساواة ليست عربية .. بل كونية...

نعم خسرت... جربت آلاف الرجال وتعبت... وشككت في نفسي وفي أسلوبي، غيرته وطوعته ولينته ... وعجزت...
وأعجز عن تتبع قطيع، استنكرته منذ نعومة أظافري، ليس بسب الأدب أو الشعر أو العلوم الطبيةأو السوسيولوجيا...

إيماني بالعدل والمساواة كان باكرا، أبكر من الفجر... ونالني من خلفه زجر وهجر ووحدة...
لا العودة الى القطيع ممكنة.. ولا المفاوضات فعل يتوقف ، بل يتجدد بآلامه مع كل قادم جديد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا