برج بابل: رجال الكامور والــــدولـــــــة الحــــــائرة

تبدو حكاية الكامور من أعوص المسائل التي تواجهها الدولة في تثبيت قدرتها على إدارة التوازنات. والكامور بغض النظر عن وجاهة الحراك

من عدمه يؤسس لعلاقة غير معهودة بالدولة لأنه يتحداها في رمزية أن يكون لها إشراف على المنابع سواء أكانت منابع ماء أو منابع بترول أو أي مجال آخر تلعب فيه الدولة دور الموزّع. ولكن بعيدا عن إغلاق المنابع تطرح حكاية الكامور العلاقة الشائكة بين دولة تُفرط في تنفيذ مركزيتها و تدعيمها وبين جهات وأقاليم تريد أن تتحرّر من قيد هذه المركزية وتريد أن تظهر بمظهر القادر على فهم شؤونها وبالتالي القدرة على تسييرها.

تفاجأت الدولة عندما برز لها أهل واحات «جمنة» وهم يديرون واحة وضعوها تحت إشرافهم منذ 2011. واعتبرت المسألة كجزء من الاقتصاد التضامني الذي يعطي لأهل الواحة أحقية الاستفادة من منتوجها. وفي المقابل لم ترض الدولة عن هذا التصرف وحاولت عديد المرات إرجاع الواحة إلى سيطرتها وبالتالي كراءها لمن يدفع أكثر في بتات معروف مسبقا من سيحصل عليها وهو ما كان عليه الوضع قبل 2011. تجربة « جمنة» كانت و لا تزال تجربة فريدة عنوانها أن الدولة ليست هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن التنمية، وأن نجاح التجارب التنموية يمكن أن يحصل خارج إدارتها. ولكن الفارق واضح شكلا و مضمونا بين تجربة واحة «جمنة» والبترول في الكامور.

السؤال الذي طُرح آنذاك ولازال يُطرح الآن عندما يتعلق الأمر بالكامور هو مكانة الدولة من هذه الوضعية غير المألوفة. وكأن الدولة قد فقدت بذلك قدرتها الكلية على الإمساك بمناطق النزاع. في السابق كانت الدولة ودون تردد تتجه نحو الحل الأمني مرفوقا بضغوطات حزبية وتُستعمل كل الموارد من أجل السيطرة على النشاز الاجتماعي. ولكن ذلك - الآن - لم يعد ممكنا بالقدر الكافي والمعهود. إذ لم تعد الإدارة حاضرة للقيام بما كانت تقوم به في السابق ولا الأحزاب السياسية قادرة على فعل أي شيء بحكم رصيد الثقة الضعيف الذي تتمتع به في الجهات، وهذا ما يجعل الدولة في غياب الحلول مترددة، حائرة، وحيدة، وفي كل الأحوال صامتة أمام ما يحدث سواء أكان ذلك في الكامور أو في الحوض المنجمي. جماعات الضغط والمصالح التي كانت ملحقة بالدولة وتحت سيطرتها لم تعد كذلك الآن.

كانت الدولة تتفاوض و لا تزال مع منظمات مهيكلة لها معها خطوط تماس عديدة. وكان التفاوض يتمّ بأساليب وقواعد متفق عليها في الأغلب وحول مواضيع كلاسيكة إما شُغلية أو حقوقية أو غيرها. قد تحدث بعض الإرباكات والتشنجات والمصادمات ولكن في كل الأحوال هناك اعتقاد أن الدولة لا يمكن أن تفقد هيبتها وحضورها. ولكن الأمر تغير بعد الثورة بظهور أشكال احتجاجية كان من الصعب على الدولة التعامل معها بالحلّ الأمني فقط. لم تكن للدولة ثقافة التفاوض مع كيانات جديدة بمطالب جديدة وبرؤية مخالفة لما هو متعود عليه مع التنظيمات المهيكلة.

ومع هذا لم تراكم الدولة تجربة واضحة المعالم في التفاوض مع فاعلين جُدد وأبقت المسائل مفتوحة دون حلّ وبحكم تعاقب الحكومات ظلت الوضعية على ماهي عليه. وحتى الاستفادة من بعض الوسطاء الاجتماعيين لم تنتج ثقافة تفاوض يُعتمدُ عليها في مثل هذه السيناريوهات ونحن في تجربة انتقال ديموقراطي. حيرة الدولة إذن هي حيرة من وجد نفسه أمام وضعيات شائكة ولا تريد وضع الحلّ الأمني كأوّل الحلول. عليها إذن تطوير قدراتها في التفاوض مع الموازي، مع الخارج عن الأطر التقليدية للتفاوض. وهذا في حدّ ذاته مستجدّ، إذ يمكن أن يدفع الدولة من خلال هذا التمشي إلى أن تتفاوض مع المهربين مستقبلا أو مع غيرهم.

أصبحت الكامور ثقافة سياسية وأصبح الكاموريون صفة من يجعل الدولة تتفاوض معه وله في ذلك كل القدرة على القبول أو الرفض أو المناورة. لم نعهد هذه الوضعية من قبل، هناك من يؤلمه الأمر ويُعلن نهاية الدولة ويعبّر عن أسفه لما آلت إليه أمورها. وهناك من يعتبر ذلك دافعا للدولة كي تغيّر هي الأخرى نظرتها للأشياء وأن تتنازل عن سلوكها المتعالي وأن تعطي للمحلّي الاحترام الذي يليق به. إنّ ما يقع في الكامور نموذج لدولة حائرة لأنها تواجه اختبار العلاقة الشائكة بين المركزي والمحلّي وهي علاقة ما فتئت تُربك العلاقة بين المتعاقدين السياسيين والاجتماعيين. وبعيدا عن الأوصاف والنعوت المهلّلة أو الرافضة لما يحدث في الكامور فإنه من المهمّ اعتبار ذلك مؤشرا على أن الدولة ستواجه في الأعوام القادمة إشكالية عويصة هي تلك العلاقة بين ما هو مركزي و ما هو محلّي و كيفية تشكلها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا