الكورونا وضياع حلم التكنوقراط

بقلم أيمن البوغانمي:
باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية
منذ 2011، بدا التكنقراط في تونس الملجأ الذي يلوذ إليه الخطاب السياسي كلما هبت العواصف، عله يعصمه غوائل اختيارات الشعب وانحرافات المنتخبين.

كيف لا، والكفاءة تحيل على الجدارة وتوحي بالنجاعة وتوهم بغياب الحسابات الصغيرة. أما المنافسة السياسية، فتخفي في طيّاتها شناعة المصالح الضيقة والرهانات الرخيصة والرغبة في السلطة.
• التكنقراط في مواجهة الأزمة
لا أحد يناقش أهمية الكفاءة. ولكن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم عليها وحدها. فمن معانيها الحكم بالحوار، والفعل مع التفسير، والتفاعل بالتواصل، والسلطة بالكلام، والقوة بالإقناع. وهاهي تونس تكتشف في لحظة الأزمة أن ما يسمى خصالا، من قبيل الاستقلالية وعدم التسيس والتحزب ونظافة اليد المغلولة، تتحول أحيانا إلى كارثة حقيقية، وذلك خاصة في اللحظة التي يحتاج فيها البلد إلى القيادة العملية.
تشهد تونس منذ تولي حكومة المشيشي فشلا اتصاليا في التعاطي مع أزمة الكوفيد لا يكاد يعادله إلا هزال القدرات العملياتية لمن يفترض أنهم قادة المعركة على الميدان. ولعل القلم يحار بأي الأمثلة نبدأ. أنكرّم رئيس الحكومة الذي لم يخاطب الشعب حول الجائحة لما يفوق الشهر؟ ربما كان صاحب عذر. لعلها جراحه يلعقها بعد ما كبده الرئيس الذي كان قد عينه من صفعات.
ولكن على هول تلك الجراح، إنه شهر كامل؛ شهر دخلت فيه تونس فعليا عين الإعصار الكوروني. وحين تكلّم في ليلة السبت كي يعلن ما فاضت به قريحته وفريقه من قرارات، جاء خطابه تقنيا باردا إلى درجة تلامس خواء لا يقدر عليه إلا بيروقراطي أفنى العمر في غيابات المكاتب.
هل نقدّم عليه وزير الصحة الذي يفترض أن يقود المعركة عملياتيا على الميدان، فإذا خطبه توحي لسامعه بأنه يكاد يجهش بالبكاء. هل يدخل هذا في خانة التعبير عن تراجيديا الموقف؟ إذا كان كذلك، فلمَ كان فقر الخطاب، ولبس الرسائل، وتذبذب القرارات؟
أنذكر وزير التجارة؟ هل ثمة أصلا وزير تجارة؟ على فرض وجوده، ألا يعلم وطاقمه أنهم معنيون بالجائحة؟ لعلهم يجهزون نفسهم تجنبا لما وقع فيه زملاؤهم من أخطاء اتصالية. والسياسي الذي لا يريد أن يخطئ، يكتفي بالصمت.
لا يملك أحد الحق في التشكيك في القيمة العلمية أو التقنية لأعضاء الحكومة الحالية. ولكن أصبح من الواضح للعيان أنهم، جميعهم بلا استثناء تقريبا، لا يملكون خصال القيادة. كيف اجتمع هؤلاء؟ سلوا عن ذلك كبيرهم الذي عينهم من قرطاج.
يبدو أن كبار المسؤولين اليوم في تونس لا يعلمون حتى قيمة القيادة. وأمارة ذلك أنهم لم يحيطوا أنفسهم بمن يمتلكها. وإذا ثبت أنهم يرون المسائل كلها من زاوية تقنية، فتلك الطامة العظمى التي بدأت إرهاصاتها فعلا. بدأت في لحظة تاريخية يحتاج فيها أكثر ما يحتاج لإقناع الناس بالخطر مكافحة للاستهتار، ولطمأنة التونسيين على المستقبل تجنبا للهلع، ولتعبئة الجهود كلها تقليلا للخسائر.
• عاصفة واحدة ومراكب مختلفة
هذه المعادلة ليست مستحيلة. ما جعلها تبدو كذلك هو الضعف الشديد الذي يعتري الخطاب الرسمي التونسي من أعلى هرم السلطة إلى أدنى الوزارات.
مثال ذلك أن تركيز الخطاب الرسمي على سلامة المواطنين عديم النجاعة إذ يكتفي بالإحالة على ما تمثله الكورونا من تهديد صحي. فمن الواضح أن أثر هذا التهديد على الأفراد قد تراجع بمرور الوقت ولكثرة الترديد. ورغم أن كورونا لا زالت تثير المخاوف عند الكثيرين، فإن الأغلبية الساحقة من الناس ترى أنه ثمة ما هو أخطر من الكورونا، وتتصرف وفق هذه القناعة.
أمام هذا الموقف، لا بد من تطوير الخطاب. ومن العناصر الممكنة في هذا الصدد زيادة التركيز على الأثر الجماعي لانتشار الوباء. ومن ذلك مثلا التذكير بالخطورة الأخلاقية لنقل العدوى للآخرين.
يحسب أكثرنا أنهم مستعدون للمرض. ولعل في كل واحد منا ترامب صغير يقول: «لا يحصل هذا إلا للآخرين. وحتى إذا حصل لي، فأني أقوى من أن يصرعني فيروس صيني حقير».
تختلف الأمور بالتأكيد حين تتعلق بإمكانية أن يتحمل الفرد المسؤولية الأخلاقية عن إصابة الآخرين. وعليه، لماذا لا يذكّر الخطاب الرسمي مثلا بأن العاصفة التي نعيشها لا تعود على الناس بنفس الأثر؟ أغاب عن أذهان هؤلاء التكنقراط أن يقولوا مثلا: إن العاصفة واحدة، ولكن كل منا يواجهها في مركب مختلف؟ هناك من هو في باخرة لا تكاد الأمواج تدغدغها. ولكن هناك من هو في زورق تتقاذفه الرياح.
• معركة حامية وجنود يلقون أسلحتهم
لماذا يصر قادة المعركة على التخلي عن أسلحتهم، وأفضل وسائل الإقناع لديهم؟ لماذا كلما خاطبنا مسؤول أكّد لنا أن الحجر الصحي مستحيل سياسيا، وغير ناجع علميا؟
لنفترض أن هذا الكلام صحيح، أليس من المهم أن يفكر القائل في ما يتضمنه التزامه هذا من تبعات؟ ألا يفهم هؤلاء أن خوف جزء لا يستهان به من التونسيين اليوم من الحجر الصحي، أو حتى من مجرد منع الكراسي في المقاهي، أكبر من خوفهم من الكوفيد؟ إذا كان هذا هو الحال، أليس الأحرى أن يبقي رئيس الحكومة ووزير الصحة وغيرهما على هذه الورقة كوسيلة إضافية للإقناع؟ أم أن ترسانتهم الخطابية لا تحتاج لمثل هذه المراوغات البائسة؟ لعلها كرامتهم التكنقراطية التي تأبى هذا التفكير السياسوي البغيض.
ثم ماذا لو اضطر البلد فعلا للحجر الصحي؟ هل يمكن لتونس أن تتجنب هذا الخيار إذا أقدمت عليه بلدان كفرنسا وألمانيا وإيطاليا في المستقبل؟ هل اعتقد المسؤولون في تونس أننا كالسويد نملك فعلا من الثقة بالنفس ما يمكّننا من التميّز في تعاطينا مع الجائحة؟
نعلم أنه لو أن فرنسا أقدمت على الحجر الصحي، لتبعتها تونس في ذلك لا ما حالة. ماذا سيكون الموقف عندها؟ ألا يتابع المسؤولون التونسيون تفاصيل الحياة السياسية في البلدان الأخرى؟ أم أنهم يكتفون بتقريع أسماعنا حول ما يحصل وما لا يحصل في البلدان التي تحترم نفسها؟ ألا يعلم رئيس الحكومة ووزير صحته مثلا أن كبار المسؤولين في فرنسا و غيرها دائما ما يحذّرون من أن عدم الالتزام بالوقاية سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه؟ والمقصود طبعا هو الحجر الصحي الذي لا مجال لتجنبه إذا وصل الأمر إلى انهيار المنظومة الصحية.
ماذا لو حدث ذلك، بأي وجه وبأي ثقة سيواجه يومها هؤلاء التكنقراط المحترمون الشعب التونسي؟ وكيف ستسعفهم لغتهم الباردة بالحجج التي يحتاجونها لإقناع الناس؟ أسئلة لا نملك اليوم الجواب عليها. وإذا كان الفرار من المعارك أمرا قابلا للفهم، فإن الإقدام عليها مع إلقاء سلاحها في البحر ضربا من العبث، لا يقدر حتى أكبر التكنقراط على صبر أغواره. وهم كما قال كولوش، أحد أبرز الكوميديين الفرنسيين، مجموعة من الناس تسألهم، فيجيبونك؛ ولكنك بعد الجواب، تكتشف أنك لم تعد تفهم السؤال الذي سألت.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا