منبــــر: «فَشِلْنَــــــا» (بشرى بلحاج حميدة)

بقلم: نادر الحمامي
هذه الجملة التامّة نحويّا التي وضعتها عنوانا لما أكتب وتقرؤونها ناقصة من عدّة أوجه حين وردت على لسان المناضلة الحقوقيّة السيّدة بشرى بلحاج حميدة

أثناء حوار معها في إذاعة موزاييك يوم الأربعاء الماضي. لقد جاء قولها «فشلنا» في شكل من الإقرار المرّ ربّما في لحظة من التأثّر والانفعال أوّلا، والوقوف على الرداءة والبذاءة المنتشرتين في كلّ المستويات تقريبًا ثانيا. وعلى الرغم ممّا قالته أثناء حوارها بقيت تلك الجملة تلحّ عليّ وتعاودني، خاصّة وأنّ بشرى بلحاج حميدة أحبّ من أحبّ وكره من كره تبقى رمزا من رموز الدفاع عن الحقوق والحريّات العامّة والفرديّة ممّا جعلها عرضة للتهجّمات الّتي لم تكن وليدة السنوات الأخيرة بل إنّها كانت قبل ذلك، ولكنّها احتدّت بعد 2011 وتضاعفت بعد رئاسة لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة. ولا أظنّ أنّها كانت تنتظر غير ذلك في ظلّ المحافظة الطاغية اجتماعيّا وسياسيّا وتنامي قوى الردّة والرجعيّة، وتعاظم الشعبويّة المقيتة من هنا وهناك مع لجوء الكثير من القوى السياسيّة إلى إعطاء الشعب ما يريد وإسماعه ما يرغب في سماعه، وعدم الاستنكاف من أيّ تعدّ على كلّ المبادئ الأخلاقيّة والقيميّة.

لا يمكنني أن أخفي أنّي شعرت لأوّل وهلة بنوع من الإحباط الغريب حين سمعت قولها: «فشلنا». ماذا يعني ذلك؟ أهو استسلام وتخلّ عن كلّ ما دافعت عنه أجيال من أجل تركيز دعائم الديمقراطيّة الحقّ بكلّ ما تتضمّنه من قيم العدالة الاجتماعيّة والمساواة وحقوق الإنسان والمواطنة؟ أم هو إحساس فرديّ بضرب من «العجز» أمام كلّ مظاهر الرجعيّة ونكران الحقوق تحت رايات الهويّات المغلقة القاتلة؟ أم تراه إقرارا بفشل النخب الحداثيّة في مسيرة السعي إلى تركيز ما تؤمن به من مبادئ؟ أم هو في النهاية ردّة فعل عاطفيّة انفعاليّة إزاء أراجيف وترّهات لا تستحق لا الذكر ولا الكتابة؟

ولكن حين فكّرت بنوع من العقل البارد تبيّن لي أنّ ما قالته بشرى بلحاج حميدة صحيح تماما ومن أوجه كثيرة: نعم «فشلنا»، لمَ لا؟ ولكنّ الفشل ليس ذلك الفشل الذي يثني عن السير نحو الأهداف نفسها، إنّه إقرار بالفشل يضع نقطة بداية مهمّة في تشخيص علل مسيرة التحديث برمّتها، أليس التشخيص من صميم العلاج؟ أصبحت أعتقد أنّ المشروع التحديثي فشل إلى حدّ الآن لأنّه لم يجرؤ على الإقرار بالفشل، مثل هذا الإقرار يتطلّب شجاعة كبيرة في تقديري، لم تكتسبها أغلب النخب التقدّميّة ربّما عنادًا أو خوفًا أو حتّى بضروب من «الدغمائيّة» التي تمنع من المراجعة الجديّة والسير في سبلٍ لا تؤدّي إلى أيّ شيء، وقد يكون ذلك أحيانًا مع العلم به، ولكن قد تستعصي العودة واستئناف الطريق الوعر فيبقى السالك يطارد

خيط دخان.

ربّما أعادت إليّ تلك الجملة: «فشلنا» بعض أمل لأنّها تدلّ في وجوه منها على وعي بضرورة الاستئناف على غير المنهج الأوّل مع المحافظة على الأهداف. قد تكون مدافعا عن أنبل القيم ولكن لا تستطيع أن تقنع بها أحدا إذا لم تكن الطريقة مناسبة.

نعم هناك عوامل كثيرة أدّت إلى الشعور بنوع من الفشل أهمّها ما يُلاحظ من ردود أفعال سلبيّة في المستويات السياسيّة والاجتماعيّة وغيرها، ولكن الأهمّ من كلّ ذلك أن تقوم النخب الحداثيّة والتقدّميّة بعمليّة نقد ذاتيّ مؤلمة وعميقة وعلى أصعدة كثيرة ترتبط بمضمون الخطاب واستراتيجيّته، إذ هناك عوامل أخرى تتجاوز تلك النخب وخاصّة في المستوى المادّي إذ لا يخفى اليوم ما يمكن ملاحظته من حجم التمويلات الكبيرة الّتي «تنعم» بها قوى المحافظة شرقا وغربًا، يُضاف إلى ذلك التهميش السياسي للمسألة التربويّة بالخصوص، ويُضاف أيضا الانسياق الإعلامي وراء متطلّبات السوق والإشهار دون تخصيص حدّ أدنى من المشاريع والبرامج الإعلاميّة الّتي تخاطب الجمهور الواسع بغاية جعل القضايا الأساسيّة الكبرى محلّ نقاش في الفضاء العمومي ودون أن تكون تلك القضايا محلّ متاجرة فضائحيّة أو استهلاك وقتيّ مبتذل وهذا ما نلاحظه معاينةً بكلّ أسف.

ولكن وعلى الرغم من كلّ ذلك فإنّ للنخب التقدّميّة مسؤوليّة أيضا في ما يحدث وما هو واقع، وهي مسؤوليّة ذات أوجه عديدة قد يضيق المقام بذكرها جميعا أو تفصيل القول فيها كما ينبغي أن يكون وحسبنا الإشارة هنا إلى بعضها.

لا أدري فعلاً إن كانت الخطابات المنادية بالحريّة والمساواة والقيم الكونيّة عموما تعي طبيعة الجمهور الّذي يتمّ التعامل معه وبنيته الذهنيّة الّتي وقعت تحت وطأة تحوّلات متسارعة وبالخصوص منذ أوائل التسعينات إلى اليوم، إذ أنّه مبدئيّا يكون ذلك الجيل الّذي جاوز اليوم سنّ الأربعين ولم يبلغ الخمسين هو الجيل الّذي بإمكانه التأثير في الجيل الّذي لحقه وبدأ وعيه بالعالم وعلاقاته يتشكّل في بداية القرن الحالي، وعلى الرغم من تقارب الجيلين زمنيّا إلاّ أنّ الفوارق جوهريّة في تشكّل نظرتهما. بالنسبة إلى الجيل الأوّل فقد فتح عينيه على الفضائيّات العربيّة المشرقيّة بالخصوص الّتي كانت المصدر الأوّل والأساسي في تكوينه الذهني في المستوى الثقافي والسياسي والديني بالتزامن مع أحداث جسام تلت سقوط حائط

برلين وما انجرّ عن ذلك، ومن ضمنها حرب الخليج الأولى الّتي تسمّر المراهقون وقتها أمام الفضائيّات المتصارعة وفق التحالفات السياسيّة ليستقوا منها أخبار «المعركة»، وليتابعوا البرامج الإخباريّة و»الحواريّة» وقد كانت أشبه بساحات مناظرات لا متكافئة بحكم أنّ من يديرها طرف في الصراع. هذا الجيل نظر إلى العالم من تلك النافذة البرّاقة الّتي تستعمل تقنيّات عالية الجودة لتبثّ خطابات هوويّة وتزرع عقليّة المؤامرة وتوسّع الهوّة بين «الأنا الضحيّة» و»الآخر العدوّ»: عدوّ العرب وعدوّ المسلمين الخائف من «صحوة عربيّة إسلاميّة» تعيد أمجاد التاريخ والحضارة. كان هذا عاملا من ضمن عوامل أخرى جعلت ذلك الجيل ينظر إلى قيم الحداثة القيميّة، وهي غربيّة المنشأ، نظرة الريبة والاحتراز التي تصل إلى

درجة المعاداة بربطها بالاستعمار والامبرياليّة والصهيونيّة العالميّة والصليبيّة الجديدة، ونزع كلّ قيمة إنسانيّة عنها، ممّا ولّد نزعة التقوقع والرفض لقيم إنسانيّة على أساس تصنيف مؤامراتيّ على الهويّة. وبالتوازي مع ذلك ظهرت القنوات الدينيّة وسطع نجم الدعاة الجدد وطوّروا بشكل كبير أساليب ظهورهم الإعلامي واستراتيجيات خطابهم مستفيدين من الأموال ومن الوسائط الحديثة ومن التقنية المتطوّرة ومن الأوضاع السياسيّة المواتية لرواج بضاعتهم مع تخطيط محكم يشمل الجمهور المستهدف. وفي تقديري فإنّ الخطاب التقدّمي الحداثي كان قاصرًا عن مجاراة تلك التحوّلات وعجز عن فهم ضرورة تغيير أساليب الخطاب ووسائطه فبقي نخبويّا في أغلب الأحيان أو بين جدران الجامعات أو في منظّمات وجمعيّات محدودة الانتشار والتأثير، مع نزاعات داخليّة «صديقة» تدعو أحيانا إلى الاستغراب، وارتباط بالأشخاص دون مشاريع متكاملة ومستمرّة بقطع النظر عن الشخص.

عشريّة التسعينات كانت حاسمة في ما نعيشه اليوم، وهذا في نظري صحيح، ولكن القادم سيكون أسوأ بكثير وقد مرّت عشرون سنة من الألفيّة الثالثة ولم يُستدرك ما ينبغي استدراكه إذ التعامل اليوم مع جيل آخر «جيل الديجيتال» الّذي تكوّن في قسم كبير منه على الجيل السابق له، وهو معطوب أصلا، ولكنّه يبني تصوّراته على ما هو أنفذ وأقوى وأكثر انتشارا من الفضائيّات أقصد الإنترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي بالخصوص، جيل لا يقرأ تماما، ولا يتابع الحوارات والنقاشات التلفزيّة، بل يستهلك بسرعة ونهم كبيرين ما يأتيه على هاتفه الجوّال أو لوحته الرقميّة دون قدرة كبيرة على التمييز النقدي أو اطّلاع على الخلفيّات، فيستسيغ بحكم ضعف التكوين الخطاب السهل والمريح والمطمئن من زاوية نظره هو، إذ لا أسهل من الاطمئنان إلى خطاب يفسّر وضعنا المتردّي بالمؤامرة والتغريب عبر خلق الأعداء في الداخل والخارج، ويجعل الخلاص في الذود عن «البيضة» بالتمسّك بما يروّج على أنّه من «ثوابت الهويّة الدينيّة والحضاريّة والثقافيّة».

لئن طغى التشخيص على ما قلت إلى حدّ الآن إلاّ أنّه قد يشير إلى بعض ما يمكن التفكير فيه لنتجاوز ذلك الإقرار: «فشلنا» فلا يفهم أنّه إقرار مطلق بالفشل فهذا لا يمكن أن يصدر عن مثل بشرى بلحاج حميدة ولا عمّن يشاطرها مبادئ الدفاع عن الحريّات والمساواة. وفي كلّ الأحوال فإنّ «فَشِلْنَا» هذه لا ينبغي اعتبارها صرخة في وادي لا تترك سوى صدى عابرٍ، بل صرخة مدويّة تستمرّ وتبقى وتبلغ آذان كلّ المدافعين عن الحريّة وحقوق الإنسان لنكران ذواتهم، وقد برهنوا في عديد المواقف أنّهم قادرون على ذلك، ومساندة قوى شبابيّة كثيرة في تونس قادرة على الفعل بأدوات العصر الّتي يمتلكونها ويحسنون توظيفها. إنّ تغيير استراتيجيّات الخطاب أصبح ملحّا بالأخذ بعين الاعتبار الجمهور المتقبّل، ولكن ليس من

جهة المضمون بل من جهة الوسائل والوسائط. إنّ ومضة سريعة وبكلمات واضحة ومباشرة وبتقنية عالية الجودة أكبر تأثيرا اليوم من الخطابات المطوّلة والتحاليل العميقة والندوات الثقيلة. ومن جهة أخرى فإنّ ما ينبغي الانتباه إليه دائما أنّ الاستراتيجيات المعتمدة على الترميق والتأصيل والحرص على مواءمة القيم الحديثة مع الخصوصيّات والموروث، سواء براغماتيّا أو عن اقتناع أثبت الواقع بعد عقود طويلة أنّها استراتيجيّات غير مجدية، بل أدّت إلى نقيض المرغوب تحقيقه تمامًا، وأدّت إلى مآزق حقيقيّة لأنّها في النهاية محاولة لمقاومة الرجعيّة والماضويّة، داخل الأطر الذهنيّة الّتي تحبّذها، وهذا لا يعني مطلقًا استفزاز الضمير العام بل الحرص على الانسجام الخِطابي أوّلا، ومراعاة الأسس والمبادئ الّتي يرى الحداثيّون وجوب تأسيس العلاقات عليها داخل المجتمع ثانيا وهي مبادئ المواطنة دون مرجعيّات أخرى ننتمي إليها بشكل أو بآخر، ولكنّها فقدت صلاحيّاتها.
لتكن «فشلنا» لحظة وعي حقيقيّة ومؤسِّسة نبني عليها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا