منبــــر: في العنف

بقلم: د. عز الدين الفرجاني أستاذ تعليم عالي
• توطئة:
ظاهرة أساسية رافقت البشر منذ بداية البدايات . لما وعى الإنسان بذاته ( وحتى قبل ذلك ) لجأ

إلى العنف كتعبير عن الذات وكوسيلة أولى استعملها كضرورة من أجل البقاء .
قصة قابيل وهبيل مثلا ليست بالأسطورة البسيطة . هذا الإنسان الذي ارتقى . أما ذاك البدائي فأكل الثمار وسخّر الحجارة من أجل اصطياد الحيوان لتأمين الغذاء ولمّا استقر في أول المجموعات , كان العنف المنظم ( والشواهد كثيرة) منذ الحضارة الأولى في الهلال الخصيب. وكانت بلاد ما بين النهرين ( أولى الحضارات) مسرحا لصراعات منظمة من أجل السلطة ومن أجل البقاء ومن أجل الانتماء وبالنهاية من أجل الأنا.
واستفحلت هذه الظاهرة خلال كل فترات تاريخ البشرية وفي كامل بقاع الأرض. فكانت الحروب وكان التقتيل والتنكيل الفردي والجماعي .
وإن ما نعيشه اليوم أشمل أشكال العنف إذ وضّفت من أجله كل الطاقات : علمية وتكنولوجية بالأساس و أنهار من المال وجيوش وأساطيل حتى أن التعبير الرمزي عن ذلك كان في تعميم هذه الظاهرة في الكون بأسره باستنباط «ريقن» (ومن وراءه ) لنظرية حرب النجوم . هذا من ناحية التاريخ .
• العنف
ما معنى كلمة عنف ؟ كيف تناولتها اللغات المختلفة ؟ عن ماذا يعبر من ناحية تطور الحضارات ، هذا الاشتقاق ؟ ما الضرورة الحتمية المادية التي جعلت الإنسان يفقد حرية الاختيار السلمي في سلوكه مع الآخر حتى يلجأ إلى الاعتداء على أخيه ؟ ولكن من ناحية نفسية : ماذا يحدث داخل دماغ الفرد حتي يتخذ قرار الاعتداء ؟ ومن ناحية أخرى : المعتدى عليه هل لديه حلول أخرى غير النزول إلى ساحة الوغى والسقوط في فخ الآخر ؟ ألا تبقى حلول أخرى؟
لماذا لجأ حنبعل إلى استنباط أحدث الوسائل والمعدات والذكاء للرد على العنف بالعنف ! وفي هذا المضمار . ما الذي جعل الرومان يمارسون الحرب ضد قرطاج بهذه الضراوة إذ وصل بهم الأمر في النهاية بعد تحطيم قرطاج إلى السعي وراء القضاء والإبادة لكل الظواهر والرموز والآثار و الانتاج المادي واللامادي لتلك الحضارة العظيمة.
ومن ناحية أشمل يمكن استعمال هذا التمشي الفكري والمنهجي في محاولة تشخيص كل الصراعات الكثيرة التي رافقت تطور الحضارات ثم اندثارها وأشكال انتصار القديم على الجديد .
هل الصراع حتمية ؟ تاريخيا واجتماعيا ونفسيا ؟
في المقابل , الحركات التي نادت منذ أمد بالسلم وبالحوار وبالأخوة وبالوفاق .
ماهو مآلها ؟
كيف كان موقف الأديان من العنف؟ ماهي الحلول التي اقترحتها؟هل يمثل الإيمان الحل ؟ أم إن الحلول تكمن في الفلسفة أشمل وأعمق ؟هل إن العلم قادر اليوم (بمبادئه المتشعبة والمتفرعة ) أن يفرض سلما حقيقية ؟
وهل من مشمولات العلم هذا ؟
سؤال يطرح سؤال . وجب الآن تفكيك الأمور بنية إعادة جمعها وتشخيص واحد يمكننا من البحث عن حلول من أجل السلم داخل نفس الفرد وبين الأفراد ( الأسرة مثلا) وبين التجمعات داخل المجتمع وبين البلدان وعامة بين البشر ومع محيطه الطبيعي .
إن أي تناول على الأقل من وجهة نظر اللغات التي أتقنها : عنف bopbba , violenza , violence يقدم هذه الظاهرة على أنها تتقاسم الأذى وإرادة الأذى .ولقد مارس نوعنا البشري منذ البدايات الأولى عنفا تجاه محيطه من الحيوان والنبات إذ صنع أدوات كانت في البدء بسيطة (الحجر) ثم تفنن في تصميمها ( المعادن ) ومن اللطم إلى الرمي هدفه من ذلك تأمين لقمة العيش وحماية الذات من الحيوانات التي تمثل خطرا على حياته . ومن يدري من المنطقي أن نعتبر أن إنسان البدايات مارس عنفا مع أخيه الإنسان ( قصة قبيل وهبيل ليست مغزولة) إما للحصول على المزيد من الخيرات و إما رغبة في السيطرة على الآخر وبعبارة يمكن اعتبار هذه الظاهرة قديمة قدم الإنسان .
إن الضرورة المادية التي جعلت الإنسان يمارس عنفا من أجل الوجود والبقاء تترجم على أن هذه القرارات ليست بالاختيارات الحرة وإنما فرضتها غريزة البقاء والتعلق بالحياة و هذا وازع طبيعي لدى كل الكائنات الحية .
لكن من المؤكد أن البشر مارسوا منذ البدايات العنف بين بعضهم وهذا يقرأ من الناحية النفسية فإن هذا الكائن المتقدم بين سائر الكائنات يمتاز فيما يمتاز بــ «وعي الأنا» وبقدرة على التفكير والتحليل والتشخيص وبرمجة التصرف . هذا الوعي بالأنا وهذه القدرة على التفكير أنتجت ضرورة سعيا إلى التوفير للذات مزيدا من المتاع وذلك ضمانا للمستقبل ورغبة في الغذاء و أيضا ( وهذا هام وأكيد) من أجل التفوق على الآخر ( وإن كان أقرب الأقرباء ) والفوز بالأولوية وإرضاخ الآخر لإرادته قصد نيل أكثر وأوسع من المتاع ومن الشعور بالقوة . فالقوة تقاس ماديا وتقاس أيضا بين البشر , لها ضوابطها ورموزها التي اكتشف أهميتها الإنسان شوطا بشوط مع تطور نمط عيشه.
وإذا أردنا أن نضع موقفا من كتاب « أنقلس» في أصول الملكية الخاصة والدولة، فإننا نرى أن التملك ناتج عما تعرضنا له من تحليل وبذلك يكون «الملك» ضربا من ضروب تحقيق الأنا الواقعية. وهذا إذا أقدم من الحضارات وأقدم من التجمعات وهو تصرف «طبيعي» تطور و نما مع وعي الإنسان بذاته وتطور ذكائه وقدراته على تأمين أكثر وأفضل للضروريات من غذاء وسكن وتنقل من الواضح خلافا الجوهري مع « أنقلس» هناك محطات هامة يمكن تدارسها تناولت بالدرس والتمحيص هذا الموضوع. ومن هذه المحطات من بني أطروحة سوسيو اقتصادية وسياسية . ومنهم من درس الظاهرة هذه من ناحية فردية نفسية ومنهم من حلل الفكر لجوءا إلى المراجع والمحطات الفلسفية. وفي كل الحالات , يحق طبعا تدارس الموضوع من وجهة نظر معينة ولكن يبقى مهما وأساسيا أن يكون للتشخيص، هذا تماشيا شموليا يتناول بالدرس أغلب النواحي في مظاهرها المتشبعة . وأهم من هذا الخروج بحلول واستشرافات حول هذا الرفيق السلبي الذي هو المسؤول الأول عن مآسي ومظالم فردية وجماعية نتج عنها فناء ملايين من البشر وحطمت نتيجتها روائع الابداع البشري وهدمت الحضارات ....
• ماركس ثم فرويد ثم فوكو
يقول ماركس « إن الفلاسفة لم يفعلوا أكثر من أن أولوا العالم في حين وجب تغييره» . وقد بنى فلسفة اقتصاده السياسي في نتائجه الغزير والدقيق والمعقد «رأس المال وخاصة القيمة المضافة». انطلاقا من ظاهرة جوهرية اعتبرها ماركس محركا أساسيا للتاريخ وهي الصراع وهو قد تناول أساسا صراع الطبقات .
لنقل أن الصراع بكل أشكاله هو نتيجة والبدء يبدأ بالأنا وإشباع الحاجيات ويتمظهر عموما في اللجوء على ممارسة العنف .والعنف هو تشخيص أعم من الصراع . والصراع الطبقي ليس إلا مظهرا اجتماعيا من المظاهر العريضة لممارسة العنف التاريخي والأبدي. فالعنف له جذور عميقة بدأت مع ظهور النوع البشري (الهوموسابيانز) ونستطيع أن نعلن جزما بدون أي تردد أن العنف هذا قد رافق وجود النوع سابيانز من اركتوس (Erectus ) وهابيليس ( Habilis ) ومن هنا نستطيع أن نعمم الظاهرة إلى أن العنف رافق وشخص كل أشكال الحياة منذ الخليط الكيميائي الأول ( 4,5 مليار سنة ). إذ حدث ذلك ويحدث ضرورة لضمان الحياة والبقاء. هذا استنتاج أساسي يتمثل جوهرة في أن العنف من طبيعة الأشياء ( حتى وإن لم ينتبه داروين لهذه الناحية فإنه يكون من الأهمية أن ندرس علاقة النمو والتطور (l’évolution ) انطلاقا من التفاعل المدمر وصولا إلى التفاعل الكيميائي الجنيني (l’interaction chimique originale ).
لنعد إلى ماركس في كلمة . أصاب ماركس في تشخيصه هذا على مستوى المجتمعات الرأسمالية الحديثة ولكنه ( لم تسمع له معرفة ذاك العصر ثم توجه
اهتماماته الشخصية ) لم يخرج من تشخيص جزئي للظاهرة . العواقب كانت وخيمة . فقد أسس ماركس لدين جديد طوباوي في التنظير لثورة عالمية يقودها المعدمون ويحققون في نهايتها أخوة البشر وسعادة البشر وحرية البشر !!! هكذا وحدث ما حدث وكان ما كان . وكلفت هذه النظرية مئات ملايين من الموتى والمعذبين ودماء وآلام . هكذا حقق أخونا في الإنسانية .كارس ماركس حلمه في « تغيير العالم « !!
• محطة فرويد
لقد أسس فرويد لعلم جديد وغير مسبوق : التحليل النفسي . مدرسة مازالت إلى اليوم في طريق البناء وقد أثبتت جدواها كمكملة لاستعمال الكيمياء في تعديل الدماغ وإصلاحه . بنى فرويد مدرسة على مبدأ الشهوة الناتج عن الطاقة الجنسية libido)) كمحرك أساسي وغير واعي لتصرف البشر . واستعمل في ذلك ثلاثة مكونات ( الأنا والذاك والأنا الأعلى) كأدوات يلجأ لها الدماغ من أجل صنع القرار ويرى طبيبنا أن الأنا يحسم الصراع بين العنصرين الأخرين : نزوة الشهوة ( الذاك ) و إرغامات المحيط (الأنا الأعلى ) ( le surnom ) من أجل الخروج بحل عملي .
لقد أفرط فرويد في تضخيم الشهوة ومحركها الطاقة الجنسية .ورأى الفرد حصريا من هذه الزاوية . هذا من ناحية النقد (الذي نستطيع التوسع فيه في فرصة أخرى) أما من ناحية الاتيان فإن فرويد مبدع ومبتكر وقد أحدث ثورة في ميدان علم النفس إذا أثبت أن الكلام قادر على مرافقة المنتوج الكيميائي المصنع (الدواء و حتى تعويضه والاستغناء عنه أحيانا للإتيان بنتائج باهرة في معالجة حالات معينة .
من ناحية أخرى يعيش الفرد في داخله صراعا عنيفا في أحيان كثيرة بين ما يصبو إليه من ناحية و ما يسمح به المحيط من ناحية أخرى ( من امكانيات مادية وحدود وموانع ثقافية ورمزية أيضا) . هذا الصراع تعبير لعنف . وهذا العنف ضرورة يجب الخروج منها بأقل الحلول سوءا ( ولا بأفضل الحلول) الممكنة عمليا من أجل ضمان البقاء . الأمور ليست بالبسيطة . فكما قلنا العنف في الطبيعة الجينية المكونة الأساسية للأشياء( مادية كانت أم رمزية ، واعية كانت أو لا واعية ) .
وبالإمكان إسقاط المنهج الفرويدي على التحليل السوسيولوجي داخل المجتمع بين المجتمعات الإنسانية وأعتقد أن البعض قد فهموا ما يفتحه هذا التمشي من إمكانيات في تشخيص التفاعلات وفهمها وفتح المجال أمام إيجاد مخارج وحلول لأصعب الوضعيات للصراعات بأشكالها الدينية ، العقائدية والعنصرية والطبقية ولكن هذا اللجوء يبقى إثراء ولا مدخلا منفردا وحيدا بحيث وجب مواصلة استعمال الآليات الأخرى في كل ميدان يمثل تناوله لكي لا نسقط في إيجادية وجهة نظر فرويد التي تمثل نقطة ضعف هامة والتي تحد كثيرا من قدراته على الاتيان بالحلول المناسبة .
الإشكالية المناسبة في الوقت والمكان المناسبين
• ميشال فوكو
محطة أخرى هامة وتمش يستحق الوقوف عنده . إذ شخّص هذا الأخير المجتمع الرأسمالي الحديث من نواحي شتى بتفكيك الظواهر وعزلها ثم جمعها للاتيان بنظرة جديدة في في تشخيص نواحي شتّى كالعلم و الجنس و الفن و الجنون و الخروج من المألوف الاجتماعي و السجن و المراقبة .
ميشال فوكو كما ذكرنا محطة ذات أهمية بارزة إذ كان المفكر النادر في زمن قل فيه المفكرون ولجأ الجميع إلى اللهث وراء السلطة بشتى أشكالها : المال أولا ثم السلطة السياسية وكذلك الشهرة والسلطات الأخرى التي توظف العلم وحتى التي توظف كرة القدم .
فوكو يرى أن البرجوازية لجأت لأشكال مقننة و مركزة علمية من ممارسة العنف ضد كل أشكال الانزلاقات ( les déviations ) التي قد تهدد هيمنتها على المجتمع وفرض سلطتها الكاملة عليه . فاستعملت وسخرت كل الطاقة من مال ومعرفة وبشر من أجل إرضاخ المجتمع لها ولخدمة مصالحها المادية فنضّم السجن علميا وفرضت داخله ضوابط مبنية على علم النفس وعلم الاجتماع من أجل تدجين السجين وإعادة نسجه حتى يصبح مطيعا وحتى يدخل القطيع ويعود إلى الصف . وهي فرضت مراقبة على كل مستويات التواجد حتى لا تسمح بأي شكل من أشكال الثورة والانقلاب ضد فلسفتها الخادمة لمصالحها الطبقية ( المبنية على امتلاك المال والسلطة السياسية ) . شخّص إذا فوكو العنف كأفضل تشخيص من الناحية السوسيولوجية .
إذا فشل ماركس في حلمه رغم نجاعته في التشخيص وتقدم بنا فرويد وفوكو في فهم العنف الفردي والاجتماعي . هذه المحطات الثلاث أنت بإنارة و إضافات جوهرية كمداخل لدراسات شتّى : التاريخ , السياسة , الفرد, المجتمع و الاقتصاد السياسي .
• الخاتمة
هل من حلول ؟ الحلول تبرز من خلال عمق التشخيص . إن هذا النص يحمل في طياته ( صراحة أحيانا وبين السطور أحيانا أخرى ) بوادر فتح للمجالات . إذ لا يمكن بأية حال أن نأتي توا بقوالب جاهزة لابد أن يفوتها الزمن والمكان في أجل ما .
تشخيص العنف وفهمه والمضيّ أمامه ( son dépassement ) . الطريق شاق و طويل أمام ولادة الإنسان الجديد . ذاك الإنسان الذي يصل إلى بناء توازن مستدام داخل ذاته ( الطمأنينة وراحة البال ) وفي تفاعله مع الآخر . بناء علم تواصل من نوع جديد يقرأ ويهضم به كل ما أتت به شتى العلوم للانتصار على هذه الظاهرة الجنينية .
وخلق فرد جديد ومجتمع جديد والتخلص إلى الأبد من أبشع أشكال التواجد للإنسان . الحرب !
هل يأتي يوم كهذا ؟ هل نحن طوباويّون ؟ العمل والبناء يمكنان دائما من تحويل جزء من أحلامنا إلى حقيقة . وإن بدء ذاك العمل على مستوى النظرية أو الانتاج الثقافي أو الانتاج الفني . الحلم ممكن !!!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا