منبــــر: في أن التعاقد مقدس ديني ومدني

بقلم: عبد الحميد الجلاصي

نفس الأزمات في البلاد او في الأحزاب يمكن أن تكون فرصة للمساءلة و التفكير والتقدم في مشهد يطغى عليه التسطيح وحرب التموقعات ومنهج التذاكي و الهروب إلى الأمام.

من هذه الزاوية نعتبر أن ما يحصل في النهضة هذه الأيام مناسبة للنقاش العقلاني الذي يندرج ضمن مخاضات بناء المجال السياسي بآلياته ووسائله وثقافته وأخلاقه وقوانينه وتقاليده.
من ناحية الشكل فإن لائحة المائةتعتبر خطوة مهمة في اعتماد وسائل العمل الحديثة في صناعة الراي العام وتمليك الاحزاب للمجتمع .

ومن حيث المضمون يوفر نصها ونص رد الاستاذ راشد الغنوشي مادة خصبة للحفر في الثقافة السياسية و مدى اقترابها من الديموقراطية والحداثة شرط تجنب مواصلة خطاب الهروب إلى الأمام بنفي ما هو معلوم من نسبة الرسالة إلى الاستاذ راشد او السقوط في تلك اللغة التبريرية المعتادة التي تستمد من قاموس حافل بعبارات «اخرج عن سياقه» ومثيلاتها وهو أسلوب يجدر التخلي عنه لانه يفاقم من خسارة الممارسة السياسية .

الحدث والنصان أثارا تفاعلا اعلاميا ملحوظا وحفزا عددا من الاكاديميين على التفاعل .والطريف أن المقالات التي اطلعنا عليها هي لثلاثة من أساتذة علم الاجتماع هم الأستاذة آمال موسى و الاستاذان المولدي الاحمر و المهدي مبروك .
هذه الورقة مساهمة في نقاش وطني ندعو إليه لامتحان مدى نجاح ادواتنا السياسية من احزاب وجمعيات بمختلف مرجعياتها واغراضها في امتحان الخروج من ثقافة السرية والجماعة الى ثقافة التنظيمات العلنية التعاقدية الديموقراطية الشفافة.
وتجدر الاشارة إلى أن الزاوية التي ننظر من خلالها للموضوع تختلف عن زاوية نظر المناضلين في الحركة.وساقتصر على اثارة عدد من النقاط المركزية .

• أولا:هل من المناسب ديموقراطيا إثارة نقاش حول موعد المؤتمر الحادي عشر ؟
بالطبع لا.
فالعهدات القيادية في الاحزاب،كما عهدات المؤسسات المنتخبة في الدول ،محددة في الزمان بحيث تمثل تعاقدا أخلاقيا وسياسيا وقانونيا بين تلك الهيئات والقاعدة الناحية.
وتكتسب الاحزاب والمنظمات خبرة في معرفة مدة المرحلة التحضيرية لتدرجها في خططها ولا يمكنها التعلل بالوطني على حساب الداخلي أن كليهما تعاقد مطلوب الايفاء به و الالتزامات الوطنية لا يمكن ان تنتهي.
يمكن التسامح في تجاوز المواعيد بمدد صغيرة مبررة او حتى التأجيل لاسباب قاهرة باعتماد آليات تضبطها القوانين.
ولا شيء من ذلك حصل.
وهذا يثيراشكالا ثقافيا وأخلاقيا حول مدى انغراس ثقافة التعاقد كما قد يثير إشكالا متعلقا بالشرعية بعد انتهاء الآجال.
التهرب من الاستخقاقات بتجاوز مواعيدها يقتل النقاش السياسي اذ يحرفه من مربع المشاريع والمضامين مما هو شأن مثل هذه المناسبات الكبرى الى الاستجداء للالتزام بالبديهيات مما يؤثر على صورة الاحزاب لدى الناخبين.

• ثانيا : هل من المناسب إثارة نقاش حول العهدة الثالثة ؟
بقطع النظر عن النقاش هل هي الثالثة ام العاشرة فإن نقاش هذا الموضوع يثير مجددا مسألة التعاقد.
كان من المعلوم في المؤتمر العاشر ان العهدة الجديدة هي العهدة الاخيرة للرئيس المنتخب و بالتالي كان من المفترض أن تعمل القيادة الجديدة طيلة عهدتها على الإعداد لانتقال يحدث في المؤتمر الموالي.
ومعلوم أن هذا الصنف من الانتقالات من القيادات التاريخية ذات الشرعيات المتعددة والمركبة الى قيادة الاتراب تتطلب تهيئة وتمهيدا ولا تترك للمنافسة المتوحشة في المؤتمرات التي تفضي عادة الى نتائج سلبية.
ومن هنا يكون السؤال الاخلاقي و السياسي هو لماذا لم يتم الاشتغال على هذا التكليف من المؤتمر السابق.وفي السياسة عدم الالتزام بالتكليفات له استتباعاته.
وخلال النقاش حول المسألة يرفع شعار المؤتمر سيد نفسه.
هل أن المؤتمر سيد نفسه؟بالطبع.
هل يمكنه أن يغير القوانين ؟بالطبع.

ولكن بشرط الانطلاق لا من ورقة بيضاء تتساوى فيها المقترحات و إنما من الالتزام بالموجود والعمل بمقتضاه لا إحداث الفراغ.
وطنيا قد تكون للسيد رئيس الجمهورية رؤيته لدستور غير دستور 2014 ،وذلك من حقه .ولكن نطالبه ان يلتزم بدستورنا حتى يتغير.
وتغيير القوانين اذا كان طلبه من صاحب مصلحة نصبح أمام إخلالين:عدم الايفاء بتكليف العاشر في ادارة الانتقال القيادي والسعي لتشريع فيه تضارب المصالح .
مرة اخرى :هل من الزام للتعاقدات ام هي حبر على ورق؟

• ثالثا: في الزعامة و الاستثناء.
بالطبع توجد زعامات في التاريخ .وبالطبع هي استثنائية من حيث الأداء. ولذلك فإن مقاربة علماء الاجتماع يمكن ان تركز على فعل الزعامة في التاريخ.
اما في السياسة في الدول و الاحزاب في الاوضاع الديموقراطية فإنها لا تكون دون إقرار جمهور الناخبين الذين لهم الحكم .
تشرشل كان زعيما ربح الحرب وخسر الانتخابات والزعيم ديغول رضخ لحكم الجماهير الذي طلبه هو .
في الديموقراطية لا شيء خارج التعاقد. والتعاقد بصيغه المعلومة.الجمهور هو الأصل والزعيم هو المنبثق منه وحسب وعيه.
الاستثناء في السياسة ،لا في حكم التاريخ،منزلق مخيف.
ولا تنقصنا الايحاءات والإحالات الدينية حيث يستند البعض إلى قصة موسى والعبد الصالح في سورة الكهف و علم الظاهر(موسى عليه السلام ) والعلم اللدني(العبد الصالح ).
قصة القرآن للتعليم لإبراز وجود الغيب لا للتشريع.
الحقيقة هي التي كشفها العبد الصالح ولكن نحن مطالبون بالظاهر المشترك.

• رابعا: في ان السياسة تعاقدات .
مازال فضاؤنا الحزبي يستهين بمعنى التعاقد المقدس، دينيا ومدنيا،فتتفصى الاحزاب من تعهداتها الانتخابية بمجرد انتهاء المحطة وتكرس صورة السياسي المخادع وسياسة الخديعة(بوليتيك) و تتفصى حتى من تعاقداتها الداخلية بما يصيب الحياة الحزبية في مقتل فيفقدها المصداقية و يجرها الى مربعات الصراع حول البديهيات بدل التدافع حول الافكار.
في الاوضاع الديموقراطية من يتذاكى يدفع الثمن.
لقد وجد الديموقراطيون في الحزب الاشتراكي الدستوري أنفسهم معزولين سنة 1974 فخسرت البلاد زعيما وحزبا ومناخات وزمنا.
لا يجب أن يعاد ذلك القوس.

بالطبع لا يحق لغير المناضلين في الأحزاب التدخل في تفاصيل ادارة العلاقات و الصراعات و لكن احترام المساطر الديموقراطية شأن عام لا يجب التساهل فيه.
ندرك أن الفاعلين الاقتصاديين يبحثون عن الاستقرار ،ومن حقهم ذلك ،و لكنه استقرار الديمومة. اما الترتيبات التكتيكية فلا يمكن ان تفضي إلى فراغ قادم .
لمن يهوى التاريخ لنا عبر كثيرة في تاريخ بلادنا بين 1971و 1974 ثم في السنوات الأخيرة بعد الثورة .ما يحصل اليوم من هشاشة وصعود للشعبوية نتيجة حسابات خاطئة بين 2014 و2019.
ليس من المفيد لأحد اعادة أخطاء التاريخ .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا