التعليم عن بعد: كيف تطوّر ؟ وإلى أين ؟ -الجزء الثانى والأخير-

بعد أن تمّ رصد التطور التّاريخى «للتعليم عن بعد» في الجزء الأول من المقال، أضحت إشكالية استشراف مستقبله من أعقد المشاغل التي تؤرّق

الباحثين في مجال «علوم التربية» في سياق «كورونى» موبوء عجّل بدخول «الذكاء الاصطناعى» على الخط التربوى بشكل ينذر بالخطر...
ما مستقبل «التعليم عن بعد» و«منظومة التعليم» عموما في ظل ثورة رقمية مخيفة لا تعترف بالحدود؟ ما الذى سيتغير داخل المثلث التربوى الشهير: المدرّس/التلميذ/المعرفة ؟ ماذا تبقى للعملية التربوية من معنى مع بداية اقتحام «الذكاء الاصطناعى» للأبواب الخلفية للمدرسة؟ نقاط استفهام مفصلية مٌفخّخة سنحاول قدر الإمكان التعاطى معها بحذر شديد عبر اعتماد مقاربة الاستشراف بتقنية السيناريو la prospective par les scénarios.
1- في المنظور القريب : سيناريو المزج بين التعليم الحضورى / التعليم عبر الشبكة Télé-présentiel
في مرحلة تاريخية «كوفيدية» بامتياز مرشحة للاستمرار لسنوات أخرى، فإن «التعليم عبر الشبكة» enseignement en ligne سيظلّ طريق الخلاص الذى لا بديل عنه للعديد من الدول لتأمين استمرار مرفقها التربوى، وستطفو على السطح أجناس مستحدثة من «الدروس المكثفة والمفتوحة عن بعد «les MOOC ستشهد بالتأكيد في المدى القصير رواج منقطع النظير قد يؤشر الى بداية نهاية «التعليم» Enseignement بمفرداته الكلاسيكية لفائدة عملية «التعلّم» Apprentissage الشاملة لجميع المستويات والأعمار دون استثناء.
لكن بحكم مخاطر وقوع التلاميذ في حالة من «التوحّد الرقمى» المستخلصة من تجربة «التعليم عن بعد» أثناء فترة «الحجر الصحّى العام» وحتمية استمرار المرفق التربوى في الاضطلاع بدوره الرّيادى في التنشئة الاجتماعية بشكل مباشر دون وسائط رقمية، فإن عددا من النظم التربوية تتجه أكثر فأكثر نحو المزج بين «التعليم الحضورى» و»التعليم عبر الشبكة» Télé-présentiel بأسلوب مبدع يأخذ بعين الاعتبار الفجوات اللوجستية والرقمية بين منطقة جغرافية وأخرى بعيدا عن مقاربات النسخ والاسقاط التي ألفناها تحت عناوين برّاقة منها «الاستئناس بالتجارب المقارنة» !
بالمناسبة، ألم يكن من المتاح أن نفتتح سنة دراسية وجامعية بهذا الشكل المزدوج ؟ خاصة وان المنصات متوفرة، والقاعدة اللوجستية متوفرة في الحد الأدنى، ومشغلو الانترنت عبّروا عن استعدادهم أثناء الموجة الأولى من «الكوفيد» على توفير مجانية الارتباط بالشبكة ؟ ا
أكيد ان المراوحة بين «التعليم عبر الشبكة» و«التعليم الحضوري» سيشكلان حاضرا ومستقبلا منظومة «التعليم عن بعد» لسنوات أخرى، وستكون بمثابة صمّام أمان لأى «بروتوكول صحّى» فعّال خصوصى بالمنظومة التربوية يوازن بين دور المدرسة في التنشئة الاجتماعية المباشرة لأطفالنا وأهمية استخدام المحامل والوسائط التكنولوجية الحديثة في تطوير العملية التربوية...
من المتوقع ان مثل هذا التحوّل المرتقب ستصطحبه تغييرات في العمق في مستوى «معمارية المدرسة» واعادة تشكيل «مشهدية الأقسام» Ergonomie des classes .. فالمدرسة على طريقة «جيل فيرى» Jules Ferry – مؤسس المدرسة الحديثة – ولّت و انتهت ولم تعد مشهدية القسم الراهنة تشدّ اهتمام تلاميذ الألفية الجديدة مما دفع بالعديد من المختصين في مجال التوضيب المدرسي spécialistes en ergonomie scolaire الى استنباط فضاءات مدرسية مفتوحة وذكية...
2- في المنظور المتوسط والبعيد : سيناريو توقع النهاية الدراماتيكية للمدرسة بواسطة «الذكاء الاصطناعى»
يٌعرّف الذكاء الاصطناعي «بأنه الذكاء الذي تبديه الآلات والبرامج بما يحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها، مثل القدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة، كما أنه اسم لحقل أكاديمي يعنى بكيفية صنع حواسيب وبرامج قادرة على اتخاذ سلوك ذكي» .. ثورة صامتة عمرها يناهز السبع عقود.. استفادت في السنوات الأخيرة من التطور المذهل للتطبيقات الخوارزمية وعلوم الأعصاب Neurologie وتٌعدّ « تقنية التعلّم العميق Deep learning أبرز مظاهره، وهي ترتكز على تطوير شبكات عصبية صناعية تحاكي في طريقة عملها أسلوب الدماغ البشري، أي أنها قادرة على التجريب والتعلّم وتطوير نفسها ذاتيا دون تدخل الإنسان».. تٌصنّف من المشاريع البحثية المستقبلية الكبرى التي يراهن عليها عمالقة الواب بالخصوص «غوغل» و»فايسبوك».. اخترقت مجالات عدة من الحياة منها المجال التربوى عبر تطوير تقنية «التعلّم العميق» وغيرها من آليات التدرب الذاتى الذكى.. في الأفق المتوسط يمكنها تعويض المعلم أو الاستاذ بالكامل وإحالة هذا الصنف من النشاط إلى متحف المهن المندثرة .. ومن المنتظر أن نشهد خلال العقدين القادمين تصدّر «الذكاء الاصطناعى» مقدمة المشهد التربوى في العالم.
المحير في الامر أن تطور «الذكاء الاصطناعى» لا يعترف بالحدود ولا بالحواجز الايتيقية، لكن المثير للفزع حقا بالنسبة للاجيال المقبلة ان يتحقق سيناريو تصميم آلات ذكية مفكّرة une intelligence artificielle consciente عندها ستنقلب المعادلة التربوية والمجتمعية رأسا على عقب، وقد يشهد العالم، في نهاية هذا القرن، نشأة مدارس روبوتية يؤمّها «تلاميذ» من جنس الآلات الذكية لمزيد التعلّم فيما بينها فيما سيكون أحفادنا خارج اللعبة تماما...
مختصر القول، من يعتقد للحظة باستحالة تحقق هذا السيناريو بتعلّة أنه من قبيل «الخيال العلمى» فان عليه أن يعى جيدا قبل فوات الأوان أن «الذكاء الاصطناعى» و»الخيال العلمى» أمسى في عصر الرقمنة المتوحشة وجهان لعملة واحدة !
انتهى

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا