برج بابل: من تغوّل الدولة إلى تغوّل المجتمع

لازال إرث الدولة السلطانية يقود تصورنا لما نحن عليه الآن. ولا زلنا نعتبر أن الدولة هي المسؤولة عن علاقات العنف وعلاقات الهيمنة.

كل سهام النقد متجهة إليها وكأن الدولة بمؤسساتها المختلفة هي الوحيدة التي تنتج البنى التسلطية وتعيد إنتاجها. المجتمع في هذه الوضعية هو الضحية الأبدية لهذه الدولة السلطانية. وميادين الحياة الاجتماعية غير معنية بإنتاج نفس علاقات الهيمنة ونفس علاقات التسلط. إن نقد الدولة ونقد تغولها وهيمنتها على المجتمع يحجب في كل الأحيان ما ينتجه المجتمع من رموز التسلط، بل أن هذه الرموز هي التي تشكل ديناميكيته وفعله في الحياة اليومية. وكانت نتيجة ذلك أن صنعنا ثنائية الدولة والمجتمع لننتج منها خطابا يضع الدولة موضع الجلاد ويضع المجتمع موضع الضحية. 

تغوّلت الدولة السلطانية بأجهزتها الإدارية والسياسية طويلا وكان هدفها الكبير دوما إخضاع الجميع لهيمنتها الرمزية والمادية. وكانت الدولة و لا تزال دائمة الخوف من مجتمع متعدد التشكيلات، تخاف الدولة سلطة الزوايا وتخاف أيضا سلطة القبائل وسلطة الطوائف والنقابات. واستماتت الدولة السلطانية في قمع هذه التشكيلات وإضعافها إلى حدود كبيرة وفي أضعف الآحيان تحييدها، ومن أجل هذه المهمة الشائكة كان لا بدّ لهذه الدولة السلطانية أن يكون لها أذرع تحتمي بها وتمارس بها سطوتها على الجميع و شهدنا التداخل الفتاك بين الدولة و الحزب و الإدارة في نموذج تسلطي لم يتفكك بدرجات مختلفة إلا مع انهيار أنظمة عديدة منذ ما يسمى بالربيع العربي.

هل انتقلنا بذلك من تغوّل الدولة إلى تغوّل المجتمع؟
هناك ما يؤشر إلى أن الدولة لم تعد كما كانت في السابق المهيمنة كليا على الناس وعلى مؤسسات المجتمع. حدوث انتخابات نزيهة وحرة في تونس أعطى للمجتمع إمكانية تغيير من يحكمه سلميا. مجتمع مدني أكثر حضورا وأكثر حرية في تناول ما يراه مناسبا لتطوير قدرات المجتمع من النساء والشباب وغيرهم. ونشأت شرعيات جديدة كانت متخفية أو وُضعت تحت الرقابة طويلا وانفتح الفضاء العام على جدليات جديدة أو أخرى وقع تجديدها. واستطاع الناس كل من موقعه إبداء رأيه في المواضيع التي تشغله دون خوف، بل بكثير من الجرأة والشجاعة. وبدا للناس أن الدولة في أحلك وضع، ضعيفة، غير متسلطة كما عهدوها لسنوات طويلة. وظهر بذلك براديقم « هيبة الدولة» وهو طلب اجتماعي وقع التعبير عليه سياسيا وتشكلت أحزاب سياسية حول هذا البراديقم وخاضت عبره مسارا انتخابيا ونجحت في ذلك بدرجات متفاوتة. نجحت هذه الأحزاب انتخابيا ولكنها لم تنجح في تطوير هذا البراديقم وإحداث التوازن بين متطلبات المجتمع ومتطلبات الدولة.

ما هو حاضر في أذهان الناس الآن أن المجتمع هو الأقوى وأن الدولة لم تعد كما كانت في السابق بالعصا الغليظة تنظم حياتهم. يشاهد الناس تعطيل الإنتاج في المواقع التي لا يجب أن يتعطل فيها. كما يتابع الناس أيضا أن احتكار السلطة والسعي إلى ذلك والذي لم يعد ثقافة الدولة السلطانية فقط بل أصبح الاحتكار عنوانا داخل الأحزاب السياسية وعنوانا داخل النقابات والتنظيمات الاجتماعية ومنها تنظيمات المجتمع المدني وكذلك الجامعات. يُعاد أنتاج الهيمنة ويقع تفعيل علاقة الشيخ بالمريد على أنها العلاقة التي تمنح شرعية ممارسة الهيمنة. ومع هذا تصبح الاحتجاجات الاجتماعية منظومة كاملة الأوصاف يقع داخلها تبادل المنافع و شرعنة الروابط الزبونية و تبريرها. يتغوّل المجتمع عبر أفراده ويفرض توجهاته خارج القانون وخارج الدولة التي هي ضامنة لهذا القانون. هناك كره للدولة لازال جاثما في مخيلة الناس، الدولة التي حرمتهم من التنمية ومن الديموقراطية، الدولة التي لم تلتفت إليهم طيلة عقود من الزمن. هذه هي الدولة التي لا يحترمها المجتمع الآن ويريد أن يهينها كما أهانته سابقا.

بهذه الحالة نعيد إنتاج نفس الآزمة، فتغول المجتمع لا يعطي للمجتمع إمكانية التطور والإبداع. ما نحتاجه هو هذا التوازن بين ضرورات الدولة وضرورات المجتمع وفكرة المغالبة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الأزمات وهو ما نحن واقعون فيه. ولإحداث هذا التوازن علينا أن نبدع ونفكّر لمعرفة ماهي ضرورات الدولة وماهي ضرورات المجتمع في سياق من الانتقال الديموقراطي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا