التعليم عن بعد: كيف تطوّر ؟ والى أين ؟ (الجزء الأول)

غالبا ما تقترن عبارة «التعليم عن بعد» Enseignement à distance بشبكة الإنترنت بما تتيحه من منصات رقمية متطورة يؤمّها يوميا ملايين التلاميذ والطلبة والمهنيين

من مختلف أصقاع العالم، فى حين أن مجالها الحيوي أرحب من ذلك بكثير، فهى تعود إلى ثلاثة قرون خلت تم خلالها استخدام أنماط فسيفسائية من «التعليم عن بعد»، أولها الدراسة بالمراسلة Enseignement par correspondance ثم التعليم عبر التلفاز والراديو أو ما يعبر عنه «بالتلتعلّم» (الترجمة الحرفية للعبارة الفرنسية Télé-enseignement)، وفى المستقبل القريب سيدخل «الذكاء الاصطناعى» ومشتقاته الجنيسة على الخط ليقلب معادلة التعليم برمتها رأسا على عقب - بالمناسبة سيكون موضوع الجزء الثانى من المقال- .
ولئن كانت عبارة « عن بعد» تٌحيلنا الى المسافة الفاصلة بين مصدر العملية التربوية (المؤسسة المدرسية او الجامعية ) والمستفيد منها (التلميذ أو الطالب بالأساس) فانه لا يمكن اختزال أنماطها المتعددة حصرا فى «التعليم عبر الشبكة» الذى يعدّ حديث العهد مقارنة ببقية التقنيات المعتمدة فى «التعليم عن بعد».

1- الجيل الأول من «التعليم عن بعد»: المراسلة Enseignement par correspondance
يعود الفضل الكبير لبدايات ظهور منظومة «التعليم عن بعد» إلى مرفق البريد حيث شهدت سنة 1728 اول دروس خاصة بالمراسلة عبر البريد بولاية «بوسطن» الأمريكية، تلتها العديد من المحطات التاريخية الأخرى المتفرقة هنا وهناك استغرقت زهاء القرنين قبل أن تعرف مقاربة «التعليم عن بعد» طفرة نوعية غير مسبوقة غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث أمست جزءا لا يتجزأ من المنظومة التربوية والجامعية فى العالم التى يٌعتدّ ببرامجها وبشهائدها المٌسندة.. وبهدف الاستفادة من هذا المنظومة التربوية المستحدثة انذاك ومزيد ترشيدها تم للغرض إحداث مؤسسات حكومية تعنى «بالتعليم عن بعد» بالية «المراسلة» فى بريطانيا وفرنسا وبلجيكا الخ.
خلافا لما يٌعتقد، لم تتأخر بلادنا عن الالتحاق بقطار «التعليم عن بعد» الذى انطلق بشكل محدود في أواخر أربعينات القرن الماضى داخل أوساط العسكريين التونسيين والفرنسيين العاملين تحت لواء الجيش الفرنسي باعتبار أن التكوين بالمراسلة تٌعدّ فى ذلك الوقت الية الزامية للتدرّج فى الرتب العسكرية...
الا أن بداية اكتشاف التونسى «للتعليم عن بعد» عن كثب تحقق فعليا بداية سبعينات القرن الماضى أين تمت معاينة ترسيم عدد كبير من التلاميذ والطلبة والمهنيين فى احدى المؤسسات الرائدة فى التكوين الالكترونى بالمراسلة فى العالم والتى تعرف باسم Eurelec، فبمجرد دفع معاليم التسجيل عبر مقتطعات بريدية دولية Coupons postaux internationaux فى أحد مكاتب البريد يتسنى لك الحصول على طرد بريدى كبير مصحوبا باستمارة التسجيل والدرس الأول من البرنامج ملحقا باختبار وعدد من المعدات التقنية لإجراء التمارين التطبيقية اللازمة ، تليها طرود أخرى الى حين نيلك لشهادة مؤهل تقنى او غيرها فى الاختصاص...
ثم جاءت مرحلة الثمانينات لتشهد منظومة «التعليم بالمراسلة» ببلادنا منعطفا حقيقيا من حيث مؤشر الاقبال تزامن مع انتصاب مجموعة دولية متخصصة فى مجال «التعليم عن بعد» يطلق عليها بمجموعة Educatel التى فتحت فيما بعد مكتبا قارا لها فى أحد الأنهج الشهيرة بالعاصمة...

2- الجيل الثانى من «التعليم عن بعد» : التلتعليم Télé-enseignement
مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية شهد العالم استخدام وسائط اتصالية جديدة فى «التعليم عن بعد» كالراديو والتلفاز وبدرجة اقل جهاز «المينتال» دون أن تكون بديلا عن الية «المراسلة» التى استمرت فى تزعّم منظومة «التعليم عن بعد» لعقود أخرى...
فى سنة 1948 انطلق العمل بالتعليم عبر موجات الأثير لتلاميذ الاقسام الاعدادية انطلاقا من المحطة الإذاعية NBC الشهيرة، بعدها ببضع سنوات بادرت جامعة «هوستن» الامريكية بتقديم دروس متلفزة لطلبتها لتشهد منظومة «التلتعلّم» ذروتها فى سبعينات وثمانينات القرن الماضى.
فمنذ انتشار جهاز التلفاز داخل البيوت طرأ تغيير جوهرى فى النمط العلائقى داخل العائلة.. فمن ثقافة التواصل الشفوي والمكتوب بدأت ثقافة الصورة تكتسح المجال التواصلي للعائلة وتنفذ تدريجيا الى دواخل المنظومة التربوية المغلقة، مما دفع بالعديد من الدول إلى تنظيم دروس تلفزية موجهة الى تلاميذ التعليم الاعدادى والثانوى، بما فيها بلادنا التى لم تٌستثن من هذا المسار التربوى العام المستحدث إلا أنه من غير المفهوم أن يتم اسقاط هذه التجربة مجددا اليوم ونحن فى افق سنة 2025 !

3- الجيل الثالث من «التعليم عن بعد»: التعليم عبر الشبكة Enseignement en ligne
منذ استنباط خدمة الواب le service Web سنة 1989 على يد البريطانى Tim Berners-Lee اكتشف العالم ومن خلفه الوسط التربوى فضاء جديد جذابا لممارسة طقوس «التعليم عن بعد» داخل الشبكة، فتم تصميم عدد من المنصات الرقمية المخصّصة للغرض سنة 1999 على غرار BlackBord, e-College, SmartThinking ، الا ان نقطة التحوّل الفارقة بين منصات الأمس واليوم تزامنت مع ظهور الجيل الثانى من الواب Web.2 الذى أفرز براديغم مختلف من المنصات الرقمية المفتوحة للعموم تتميز بالتفاعل بين المٌكوّن Tuteur والمٌتكوّن Apprenant تشتغل تحت مسمى MOOC «دروس مكثفة مفتوحة على الشبكة» ، عنوانها المعلن «العمل على دمقرطة المعرفة لدى العموم بشكل مكثف ومبسّط».

الوضع فى بلادنا لا يختلف كثيرا عما يجرى فى العالم.. فمدارس المراسلة المنتصبة بتونس منذ عقود اتخذت من المنصات الرقمية بديلا بيداغوجيا ولوجستيا عن مقاربة «التدريس بالمراسلة»، وعرف نسق تصميم المنصات الرقمية تلوى الأخرى قفزة نوعية تزامنت مع الموجة «الكوفيدية» الأولى التى ضربت العالم، كما تم تسجيل انخراط العديد من الجامعات التونسية فى مسار تصميم MOOC على النطاق الدولى...

(يتبع)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا