تحالف الصهيونية لبناء شرق أوسط «إسرائيلي»

توفيق المديني
يُعَدُّ القرار الذي اتخذته كل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين بتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني نصرًا استراتيجيًا إقليميًا طالما تطلع اليه رئيس الوزراء

الصهيوني بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب وذلك من أجل بناء شرق أوسط جديد على قاعدة «صفقة القرن»، تكون فيه «إسرائيل» القوة القائدة له، ويعبر عن مفهوم سياسي واقتصادي وعسكري ذي صلة ينسجم مع التطورات التي مرَّت على إقليم الشرق الأوسط منذ بداية ما يسمي بـ«الربيع العربي «في سنة 2011 والذي أعاد المنطقة العربية لعصر ما قبل الدولة الوطنية والقومية العربية.

وتعيش المنطقة العربية في زمن فجور الهرولة إلى فراش التطبيع مع الكيان الصهيوني زحفًا على البطون، لتشكيل « الشرق الأوسط الاستراتيجي»، الذي يجمع التحالف بين الصهيونية العربية والصهيونية اليهودية، لخدمة أهداف الإمبريالية الأمريكية، التي باتت ترى أنه في إقليم الشرق الأوسط نشأت حالة من إعادة الاستقطاب بين محورين، محور واحد هو معسكر المقاومة (إيران، سوريا، حزب الله، وحركتي حماس و الجهاد ) مقابل المعسكر الحليف لأمريكا الرجعي (إسرائيل وبعض دول الخليج)،ومن جهة أخرى المجال الجغرافي السياسي الغني والمزدهر لجنوب شرق المنطقة، ومقابله المجال الفقير والمظلوم لشمال – شرق المنطقة.

التطبيع إعلان عن استبدال الهيمنة الأمريكية بأخرى صهيونية
تسعى بعض الدول الى تطبيع كامل ،وتوقيع «اتفاقيات إبراهيم» معه ،إلى تحقيق أهداف الإستراتيجية الأمريكية-الصهيونية تجاه القضية الفلسطينية، المتمثلة في تصفية القضية الفلسطينية وفرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني، من خلال خطة الرئيس الأميركي المسمّاة «صفقة القرن» التي تتبنى رؤية اليمين الصهيوني الفاشي بزعامة نتنياهو لحل القضية الفلسطينية بجميع مكوناتها، خصوصا منها شرعنة الاستيطان وقوننته في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة.

فالتطبيع بين الدول الخليجية والكيان الصهيوني، وعقد اتفاقيات سلام معه، قبل التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، ينزع أحد أهم عناصر القوة من الفلسطينيين، ويعزلهم عن عُمقهم العربي، ويسهّل على الكيان الصهيوني تهميش قضيتهم، والتفرُّد بهم، وكسر إرادتهم، وفرض الاستسلام عليهم.
وتنطلق هذه الدول الخليجية من سياسة ذرائعية، ترى في إيران العدو الرئيس في الإقليم المهدد للاستقرار بسبب دعمها لمحور المقاومة و لسياسة الممانعة، وهذا ما عبرت عنه صحيفة البايس الإسبانية في تقريرها الصادر يوم 16سبامبر 2020، حين قالت إنَّ الاحتلال الصهيوني «بدأ في ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة من الشرق الأوسط، فقد عزز التهديد المشترك الذي تمثله إيران في المنطقة التقارب بين القوة العسكرية والتكنولوجية لـ«إسرائيل» والقوة الاقتصادية لدول الخليج».

وفي هذا الواقع الجديد تعتبر النظم الخليجية المرتبطة بالإمبريالية الأمريكية أنَّ ضمان استقرار الفئات والعائلات الحاكمة لا يكون إلا من خلال التحالف الاستراتيجي مع إسرئيل عبر إقامة علاقات ديبلوماسية كاملة معها، بوصف هذا التحالف أهم بكثير من القيم الوطنية والقومية العربية والهوية العربية الإسلامية، والدفاع عن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية وعاصمتها القدس الشريف.

لايختلف اثنان أنَّ اتفاقية التطبيع بين البلدين الخليجيين(الإمارات و البحرين )والكيان الصهيوني، التي تم التوقيع عليها في البيت الأبيض يوم الثلاثاء 15سبتمبر 2020، إضافة لتخفيض أعداد القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، تخدم مصلحة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفها من أكبر إنجازاته «الرمزية» في مجال السياسة الخارجية، والتي يعمل على توظيفها انتخابياً، في الداخل الأمريكي، في ضوء تقدم منافسه الديمقراطي جوبايدن، وفشل ترامب في التعامل مع تداعيات جائحة كورونا على بلاده، صحياً واقتصادياً. فقد سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الاستفادة من تطبيع كل من الإمارات والبحرين مع الاحتلال الصهيوني ، قبل 50 يوما من الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي قد تؤدي إلى إعادة انتخاب دونالد ترامب.

التطبيع يجعل من إسرائيل قوة إقليمية عظمى
الشرق الأوسط الجديد الذي تريد إدارة ترامب بناءه على قاعدة «صفقة القرن»، يقوم على استئصال النظم العربية والقوى والأفكار المعادية للسياسات الأمريكية والصهيونية والتمكين للنظم والقوى والأفكار المؤيدة لهذه السياسات. ولا شك أنَّ الشرق الأوسط الجديد ينفذ ويقوم على السيطرة والتسلط العسكري والسياسي والاقتصادي للكيان الصهيوني، وأنَّ ضمان هذا الهدف الاستراتيجي يستوجب توفير التمهيدات التالية:

1 -تحويل الكيان الصهيوني إلى أكبر قوة عسكرية متفوقة على الدول العربية كلها في المنطقة مع تمتعها حصرياً بالأسلحة النووية.

2 - إضعاف وتحطيم قوة الدول والقوى المنافسة كافة القادرة على إيجاد التوازن أمام هذا الكيان،ولا سيما سوريا وإيران كدولتين إقليميتين معارضتين لهذا الكيان.

3 - فرض تسوية استسلامية أُحَادِية ومجحفة على سورية لكي تتنازل عن مرتفعات الجولان الاستراتيجية.

4 - تطبيع العلاقات بين الكيان الصهيوني وكل الدول العربية والاعتراف الرسمي به دون منح الشعب الفلسطيني المظلوم حقوقه،ولاسيما إقامة دولته الوطنية المستقلة.

5 - السيطرة الاقتصادية الكاملة على منطقة الشرق الأوسط في إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد لشمعون بيريز. فـ«إسرائيل» تريد أن تشحن اتفاقيات السلام منظومة العلاقات الإسرائيلية مع العالم العربي بمضمون جديد (اقتصادي، تكنولوجي) يختلف تماما عما كان يميز علاقات إسرائيل مع دول السلام القديمة، مثل مصر والأردن، وتخلق فرصة هائلة لإضافة بعد آخر للعلاقات، سيساهم أكثر فأكثر في الاستقرار الإقليمي.

و إذا كان مشروع شمعون بيرس الذي طرحه في كتابه حمل اسم « الشرق الأوسط الجديد» عقب توقيع اتفاق أوسلوعام 1993، واتخذ من الاقتصاد مدخلاً للترويج « لنظام إقليمي أمني وسياسي واقتصادي يشكل الامتداد الإقليمي « للنظام الدولي الجديد بزعامة الولايات المتحدة، ويكون فيه الكيان الصهيوني قطب الرحى فيه بما يتوفر لها من غطاء سياسي، ومن دعم مالي واقتصادي وتكنولوجي، فإنَّ إقامة « تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي» تأتي ضمن ثوابت الإستراتيجية الأمريكية التي تخوض معركة التغلغل والسيطرة على العالم العربي بأساليب مختلفة،أولها ضمان أمن وتفوق الكيان الصهيوني نوعياً بفضل المساعدات السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية التي قدمتها وتقدمها الحكومات الأمريكية المتعاقبة، وثانيها ضمان التدفق الحر لنفط الشرق الأوسط بأسعار معقولة، تأتي أيضاً ضمن الميثاق الوطني التاريخي لمطامع وتطلعات الحركة الصهيونية العالمية في العالم العربي.

إن بناء السوق الشرق الأوسطية، برضى ودعم أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، يمثل شحنات إضافية جديدة للكيان الصهيوني في زيادة تنمية قوته وقدراته، وقوام هذه السوق الشرق أوسطية هي توزيع النفوذ والهيمنة بين التكتلات الاقتصادية العملاقة (أميركا – اليابان -، والاتحاد الأوروبي) ومع الاحتفاظ بالمركزالأول للولايات المتحدة الأمريكية بحكم ما تستأثر به من تفوق مطلق في القوة العسكرية والهيمنة السياسية والاقتصادية على المنطقة العربية وبين الكيان الصهيوني الذي أصبح يحتل المركزالأول المتفوق على الصعيد الإقليمي، باعتباره كياناً قائماً على ازدواجية بين كونه قاعدة استراتيجية متقدمة تعمل لحساب الإمبريالية الأمريكية ذات المصلحة بالتحالف الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني،وبين كونه كياناً استيطانياً عنصرياً قائماً بذاته على أساس التوسع والعدوان،وتفتيت كيان الأمة العربية، وإثارة كل أشكال التناقضات الكامنة فيها، وخلق كيانات للطوائف والمجموعات الإثنية، وإعادة تشكيل خريطة العالم العربي حسب أطماعه ونواياه الخاصة التي تتوخى في النهاية بناء قوة ذاتية قادرة،هو ذاته النموذج الذي يقوم عليه التخطيط الصهيوني الاقتصادي للعاجل والآجل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا