وجهة نظر: بعد سنة من صعود قيس سعيد فرصة لإصلاح المسار الانتقالي أم سراب ؟

بقلم: عبد اللطيف الهرماسي
حملت الظرفية السياسية لصائفة 2020 من التطورات السلبية وصور الأداء الرديء لكل من البرلمان

ومؤسستي رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة مما زاد في إحباط التونسيين وضاعف من خيبات الأمل التي تتالت منذ بداية العهدة السياسية الحالية، بدءا بالإخفاق في إيجاد حل مرضي لرئاسة مجلس نواب الشعب وتمكين مرتزقة السياسة من الوصول اليها، مرورا بالمحاولات المتكررة لتشكيل حكومة تستجيب لمقتضيات المرحلة البالغة الصعوبة، وصولا إلى المشهد المزري لحكومة الفخفاخ المفخخة والغرائب التي خرج بها رئيس جمهورية توسمنا فيه، كغالبية التونسيين، خيرا وأملنا أن يكون انتخابه فاتحة عهد جديد إثر عشر سنوات من المحنة. كنا عبرنا عن ذلك على أعمدة صحيفة «المغرب» (عدد 26 سبتمبر 2019) قبل الدورة الثانية للانتخابات معتبرين صعود قيس سعيد فرصة لإصلاح المسار الديمقراطي. ما يمكن قوله بعد انقضاء سنة هو أن هذا الأمل لم يشهد ولو بداية تحقق وأن أي بارقة أمل لإحيائه باتت مرهونة بتغيير أسلوب عمل رئيس الجمهورية ونمط تعامله سواء مع الشعب الذي أودعه ثقته أو مع النخب السياسية والفكرية الموجهة للرأي العام.
من المعلوم أن قيس سعيد جاء إلى الحكم حاملا معه موقفا نقديا صارما إزاء النظام البرلماني كما أسس له الدستور وكرسه القانون الانتخابي الحالي، بالإضافة إلى موقف مناهض للأحزاب السياسية والنخبة السياسية، كما صاغ خطابا شعبويا قوامه محاكمة المنظومة التي أدارت البلاد منذ الثورة والتبشير ببديل يفترض أن يعبر من خلاله الشعب عن إرادته بأشكال مختلفة عن السائد، وهو ما عبّر عنه في الصبغة المثيرة والملتبسة «الشعب يريد ويعرف ما يريد» . ومهما يكن بخصوص مدى واقعية هذه المواقف، وهي مسألة تحتاج إلى حوار معمّق وهادئ بينه وبين النخب التي يزدري بها، فلا شك أنها جاءت نتاجا لمآل تجربة الانتقال الديمقراطي كما تجد جانبا من مبرراتها في معاينات تمثل قاسما مشتركا بين عديد الأطراف التقدمية.
كان انتخاب قيس سعيد بأغلبية عريضة تعبيرا من الفئات الشعبية والوسطى عن حالة القطيعة بينها وبين منظومة حكمت البلاد بتشكيلات مختلفة من حيث الثقافة السياسية والايدولوجيا والروابط المصلحية وبعناوين متباينة، من الائتلاف الحزبي إلى الحكومات المستقلة المزعومة، ولكن بذات الممارسات الجامعة بين الوعود الخلابة والكاذبة وإعادة انتاج الزبائنية وبنفس الأداء الكارثي والنتائج المخيبّة سواء فيما يهم التدارك المطلوب لإخلالات التنمية وضعف النمو وأثره على طاقة التشغيل أو في ملف العدالة والفاعلية الجبائية أو في التعاطي مع كبار المهربين والمضاربين واستشراء الفساد في أجهزة الدولة. لقد جلب خطاب قيس سعيد كتلة شعبية كبيرة جعلته محط آمالها ورغم عدم معرفة أغلبها بعناصر مشروعه فقد توسمت فيه الخير ورأت فيه لسانا لحالها ومعبّرا عن تطلعاتها سواء في نقده لاستقالة الدولة عن دورها الإنمائي والاجتماعي أو في نقده لما يسميه البعض بالطبقة السياسية أو في تحفظاته على مبالغات النخبة الحداثوية في الدفاع عن الحريات الفردية.
بالنسبة لفئة المثقفين التقدميين والمتحرريين من أسر المنظومات الإيديولوجية المغلقة، وعلاوة على الاعتبارات المذكورة، فقد قدرت أن مجيء قيس سعيد يشكّل فرصة للقيام بتقييم جذري لأداء المنظومة السياسية التي تدير البلاد منذ 2011 والتفحص النقدي لمسلمات مقولة الانتقال الديمقراطي وتلافي أبرز وجوه الخلل فيها وهي تجاهل البعد التنموي والبعد الاجتماعي للانتقال الديمقراطي، علاوة على تجاهل خطورة أخطبوط الفساد من طرف القيادات والأحزاب التي صنعت حكومات 2011-2019 وتحوّلها من ثم إلى شريك في الفساد السياسي إلى جانب قوى المال المتنفذة والأحزاب التي صنعتها المليارات واحتلت الساحة بدلا من أحزاب النضال في أيام الجمر.
الواقع أن مفهوم الانتقال الديمقراطي الذي ساد لدى الدوائر التي حكمت لحد الآن هو مفهوم ليبرالي لا يهتم إلاّ بإرساء الحقوق والحريات العامة والفردية والمؤسسات المنبثقة عنها تاركا مسألة العدالة الاجتماعية وجهود الاستثمار والتنمية للمبادرة الخاصة. ما حصل بتونس خلال السنوات الماضية هو استنساخ آليات الديمقراطية الليبرالية الغربية في تربة اجتماعية وفي ظل تأثير ثقافة سياسية غير مهيأة لتكريس معايير الشفافية والكفاءة والمساواة أمام القانون، بل مستعدة في كل لحظة لتبرير الفساد والمحسوبية والانتهازية والتواكل والعبث بالملك العمومي. لا غرابة والحال هذه أن تتمخض الثورة عن تركيز ديمقراطية فاسدة، وهي كذلك حتى وإن كان التونسيون يمارسون في ظلها حريات واسعة.
لم يكن المجتمع التونسي – شعبا ونخبا- مهيأ ثقافيا وقيميا لتحمّل المسؤوليات المنجرّة عن الثورة وإسقاط النظام التجمعي ودكتاتورية بن علي . لذلك رأينا معظم النخب السياسية تتصرف كعصبيات راوحت بين التخندق في حروب إيديولوجية بين علمانيين وإسلاميين والائتلاف ضمن كتل مصالح وعلاقات زبائنية، وسخرت لذلك الإعلام والأحزاب والبرلمان والمؤسسات الثلاث النيابية والحكومية والرئاسية ومن هنا نفهم لماذا نكثت العهود وكذبت الوعود وتعذرت الإصلاحات العميقة والشجاعة التي يتطلبها الوضع، كما نفهم لمَ ازدادت الأوضاع تعكّرا على كل الأصعدة، وخاصة تدهور مستوى عيش الغالبية الساحقة، وانهيار الخدمات والمرافق العمومية وحالة البيئة، وتنامي ظواهر البطالة والتهميش والانحراف والجريمة. ولهذه الاعتبارات نعتبر أن محنة ماقبل الثورة قد تركت المجال لمحنة مابعد الثورة.
في مثل هذه الأوضاع كان من المفترض أن تجتمع إرادة الأطراف التقدمية والقريبة من الشعب للنظر في سبل إصلاح المسار وإنقاذ المركب التونسي الذي لم يفده في شيء تركيز المؤسسات الدائمة ولم تفعل لأجله شيئا لا حكومة الصيد المشلولة ولا حكومة الشاهد رغم وعودها المعسولة ومحاولاتها الخجولة. كان الأمر يتطلب منذ انتخابات خريف 2019 انخراط كل من رئيس الجمهورية والأطراف السياسية التي تشترك معه في نقد المنظومة الحاكمة أو تلك المستعدة لمراجعة سياساتها وتجربتها في حوار يقرّب بين وجهات النظر ويحدّد مساحة التقاء أو قواسم مشتركة يعمل الطرفان الرئاسي والبرلماني على تجسيدها في مبادرات ومشاريع قوانين يسندانها كما يدعمها المجتمع السياسي والمدني. وبديهي أن هذا الأمر كان يتطلب وجود استعدادات والإقدام على تنازلات والسعي إلى توافقات يمليها الإحساس بالمسؤولية، وهو ما لم يحصل.
هكذا عادت الحياة السياسية إلى مربّع التوترات والمهاترات وآل أمر المؤسسات المجسدة للسلطة إلى حالة من الفوضى انطلقت من المجلس النيابي ثم شملت رئاسة الحكومة على عهد الفخفاخ ومؤسسة رئاسة الجمهورية. ومن دون إسقاط المسؤولية الثقيلة لباقي الأطراف السياسية من أحزاب وكتل برلمانية، نذكر بأن هذه التطوّرات السلبية كشفت عن نزعة متنامية لدى رئيس الدولة لتحجيم دور مجلس النواب ودور رئاسة الحكومة، كما شهدت من جانبه توتيرا للحياة السياسية وللمزاج الشعبي معا عبر اتهام أطراف غير مسماة بالتآمر على البلاد والدولة، مع ما رافق ذلك من إقحام للمؤسسة العسكرية في نزاعات الشرعية والصلاحيات، الأمر الذي يتنافى مع الحياد السياسي للجيش التونسي. كذلك لم يسع قيس سعيد إلى التحاور مع الأطراف السياسية ولم ينصت إلى ما يمكن أن تقوله الأحزاب وأهل الرأي معطيا الانطباع بأنه لا يتواصل إلاّ مع حلقة ضيقة من المقرّبين من طلبته وزملائه في كلية الحقوق. وفي الجملة ثمّة توجه يشي بنزعة للإنفراد بالرأي والقرار وينبئ بوجود إرادة أو نزوع لإرساء نظام رئاسي وربما رئاسوي لا يسمح به الدستور الحالي ويتطلب في كل الأحوال حوارا وطنيا واسعا بخصوص مبررات التعديل واتجاهاته.
هذه بعض الجوانب، وان كانت أساسية، من الأزمة الشاملة التي تمر بها تونس، أزمة تعمّقت أكثر فأكثر ولا أمل للخروج منها إلاّ بتعاضد جهود مختلف الفرقاء السياسيين والاجتماعيين وقادة الرأي: بالإقلاع عن عقلية التربص والمغالبة وتسجيل النقاط والدفع باتجاه حوار وطني جديد ينكبّ على واقع تونس المريضة بالتشخيص الدقيق وتحديد سبل العلاج.
وفي هذا الإطار فإن بوسع رئاسة قيس سعيد، إذا توفرت النية الصادقة وتمت مراجعة أسلوب التعامل مع شؤون الدولة ومكوّنات الساحة السياسية أن تعود مجددا فرصة لتصويب المسار الذي آل إليه الانتقال الديمقراطي ولإنقاذ البلاد، اقتصاديا ومجتمعيا ومؤسسات سياسية، وحتى لا تكون سرابا خادعا عنصرا آخر ينضاف الى محنة تونس.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا