برج بابل ظهيرة الأحد في ملاعب كرة القدم: الرّاية الجهوية دون غيرها من الرّايات

خمسُ مدن تونسية في حالة ترقب عسير ظهيرة الأحد الماضي، دوري كرة القدم في تونس يشرف على النهاية والتشويق في أعلى قمة، والناس ملهوفون إلى معرفة مصير نواديهم.

حزن تراجيدي مكث على قلوب مواطني مدينتين، فيما احتشد الناس في المدن الأخرى فرحا بالبقاء ضمن الكبار. قبل ذلك بأيام قليلة جرت أحداث اعتبرها المتضررون من النتائج تحويلا لوجهة المسابقة. ويُقضّي المسؤول عن التحكيم في إحدى القنوات التلفزية ما يقارب من ثلاث ساعات وهو يتابع خروج الكرة إلى التماس من عدمها. يطلب تكبير الصورة ويدفع بالمخرج إلى تغيير الزوايا للاطمئنان إلى قراره النهائي. يعيد المشاهدة عشرات المرات وتصبح الكرة في حجم جهاز تلفاز ويصبح خط التماس وكأنه أحد الخطوط العسكرية التي غيرت مشهد الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك لم يقع الحسم. حكم المافيولا هو حكم الحكام، يُبدي رأيه بعد أن تهدأ النفوس قليلا، ولكن بقراراته يعيد اللعبة إلى مربعها الأول، ولذلك فهو لا يسلم من وضعه ضمن إحدى دوائر المؤامرة وهي كثيرة في كرة القدم. الزملاء في الحافلة صوروا خروج الكرة من عدمه بتقنيات يعود عمرها إلى أقل من قرن بقليل، لكم تخيلّ المشهد في سورياليته.

في الظاهر قرارات حكم المافيولا قرارات تحكيمية، ولكننا ندرك أنها قرارات سياسية كذلك، وعدم الحسم في النزاع تحت ذريعة المشاهدة التلفزية لا يدخل إلا ضمن دائرة تهدئة الأجواء، فالقرار التحكيمي الذي يصدر ساعات بعد حدوث المباراة هو قرار منظّم ومرتّب ويتجه نحو مساءلة درجة الغضب والتمرد عند مناصري هذا النادي أو ذاك أو عند هذه المدينة أو تلك. المسافة بين الحدث في الملعب والحدث على شاشة التلفاز مسافة شاقة يتحملها مختص المافيولا، تأتيه مقترحات للحسم في الخلاف ويكون سعيدا عندما لا يُغضب قراره أحد الطرفين.

كرة القدم هي أكثر النصوص إثارة للتأويل، ويمكن أن يتواصل التأويل سنوات، ويرسّم نفسه في ذاكرة اللعبة. نتذكر جميعا نهائي ويمبلدون سنة 1966 وهو نهائي كأس العالم عندما احتسب الحكم هدفا لفائدة انقلترا في مواجهة ألمانيا في وقت حاسم. كسبت أنقلترا يومها كأس العالم الوحيد ولكنها لم تكسب جدارة الحصول عليها. الهدف مشكوك في أمره، والحكم كان سخيا في إهداء الملكة الحاضرة في منصة الشرف ما يمكن أن يكون تاجا ملكيا ثانيا. وقتها لم تكن التقنيات التلفزية تسمح بالبتّ في المسألة، والآن وقد أمكننا معرفة ما حصل بقيت أنقلترا دون كأس عالمية ثانية تحصد لعنة الهدف الغامض فيما حصلت ألمانيا بعدها على ثلاث تتويجات عالمية.

خطاب كرة القدم هذه الأيام هو خطاب تحفيزي بلا منازع، في جمهورية ثالثة يدفع المسؤولون على النوادي بأموال لفائدة اللاعبين في شكل منحة ملكيّة إذا كسبوا المباراة وضمنوا بقاءهم في الدوري الممتاز. وفي إحدى المباريات الحاسمة يرفع النادي لافتة مكتوب عليها « أولاد البايات، أشقاء مدى الحياة» كشكل من أشكال الترحيب بالفريق المنافس الذي يشترك معه في تفاصيل تاريخية ولكن لا يشترك معه في الموقع من الترتيب في المسابقة. قد تكون اللافتة المرفوعة قديمة، ولكن إعادة إحيائها في هذا السياق يكشف أن كرة القدم من أكثر الأنشطة البشرية استثمارا للرموز مهما كانت تناقضاتها.

سيقضي المولعون بكرة القدم كامل أيام الأسبوع وهم يشكلون نصوصا لا تنتهي عن مجريات الجولة الأخيرة. سيذهب بهم التأويل إلى كل الاتجاهات، هو ميدان معاركهم بعد نهاية كل مباراة، وستنشط الذاكرة لتقريب وضعيات مماثلة بعيدة جدا عن بعضها في الزمن وفي السياق. وستتمّ المقارنات بين أجيال وأخرى من لاعبي النادي. الحديث في عوالم كرة القدم لا ينتهي بانتهاء مباراة أو مسابقة، عود على بدء واستمرار لا حدود له للتأويل.
تلك هي كرة القدم، تلك هي اللعبة الأكثر إثارة في عالمنا اليوم...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا