«شعلة»: العربي عزوز بقلم: طارق الكحلاوي

بقلم: طارق الكحلاوي

ليلة الاربعاء 9 سبتمبر توفي محمد العربي عزوز. ودفن في ذات اليوم في مقبرة الجلاز. شخصية نُسجت حولها في بعض كواليس السياسة الأساطير

وتعرضت على مستوى الراي العام الى تهميش مفرط رغم اهميتها في تشكيل جزء مهم من مشهد اليسار في تونس. ساحاول تكثيف سيرته بدون ادعاء النطق باسمه، حيث ساسعى كما رغبت دائما ولو بنجاح محدود جدا، ان نستمع اليه عوض ان نسمع عنه.

الغداء الأخير
فتحت مريم الباب، دخلت غرفة الجلوس مع العائلة. رغم الوهن الظاهر قادتني بسمته الطفولية المعتادة اليه، مثلما كانت عندما كنا نزوره مع الوالد منذ الصغر. كأني لمست النهايات. بقينا لاكثر من ساعتين نتحاور في كل شيء، يتوسط الحديث الغداء الاخير. كان يقاوم وطأة المرض بمرح العادة ويلقي النكات ويشير الى مشروعه الاهم: الحديقة الجديدة التي تطل عليها غرفة الجلوس، وانواع النباتات والزهور التي يخطط لزراعتها. لو اردنا تلخيص سي العربي في كلمة ربما تكون «الارض».

كان هذه المرة بشكل خاص نوستالجيا تجاه الماضي البعيد. ايام اليتم في الصغر، إيمانه بتجربة التعاضد، وانخراطه العملي في بداية الستينات مع والدي وآخرين في اللجان الحزبية المناصرة للتجربة، ثم دروس فشلها. انغمس بعدها في السبعينات، «احب تلك الفترة»، قال. تجربة «بناء التنظيم» الماركسي-اللينيني والسجن. فالخروج من السجن والعودة لحزب الدستور وعلاقته بحدث 7 نوفمبر. يؤكد انه غادر اخر الثمانينات، انزوى الى عمله وابتعد عن العمل السياسي المباشر.

سألني عن مشاريع الكتب التي سبق ان حدثته عنها. قال لي بحزم المعلم انه ينتظر المسودات الاولى للاطلاع عليها خاصة حول التاصيل التاريخي لـ«اقتصاد الريع» و»الشعبوية»، وعلاقة ذلك بالنقاش القديم حول «طبيعة المجتمع». الموضوع المعتاد للاختلاف بيننا هو تقييم الاسلام السياسي. مقاربته مباشرة: تيار يتعارض في الجذور مع شروط النهضة القومية ودخول «العرب ابواب التاريخ» (عنوان أحد كتبه). يرى كل تجارب الاسلام السياسي تنويعات مما يسميه «البدوقراطية». اسجل اختلافي: الاسلام السياسي ليس كتلة فكرية واحدة، ويعبر عن مصالح اجتماعية تصل إلى حد التناقض، وان علاقته بالمسالة الوطنية ومواجهة الاحتلال ليست واحدة. يحتد النقاش، فنعود بابتسامات متبادلة الى القواعد المشتركة.
وهذه المرة كان يريد من اللقاء امرا مختلفا. كان يريد ترك وصية، وهو ما أسر به للكثير من رفاقه السابقين. تكوين «ودادية اصدقاء الشعلة». الهدف الاول مساعدة «الرفاق» بتوفير اسناد ايام الشيخوخة والمرض. الثاني وهو الامر الاساسي الذي ركز عليه في حديثه معي ربما لخلفيتي كمؤرخ، تجميع وتبويب علمي لأدبيات «التنظيم».
اي «تنظيم»، و»من هو العربي عزوز هذا؟» سيسأل الكثيرون.

من هو العربي عزوز؟
كان أحد مشاريع سي العربي مثلما أعلن ذلك في سبتمبر 2018 كتاب جديد بعنوان «الليلة التي نعق فيها البوم»، والواضح انه مشروع مذكرات عن فترة محددة. يقول: «سأتناول تجربة شخصية، في إطار التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عرفتها تونس خلال السبعينات، وهي الفترة التي التحقت فيها بالعمل السري الثوري… في نطاق الخلايا السرية، في باريس أولا ثم بعد ذلك في تونس».

خصص حيزا مهما في تلك النصوص من باب الوفاء ايضا لرفيقة عمره، خديجة. كان يصفها بـ»الهاوية المحترفة»، ويعدد خصالها كأمرأة وقفت بالسليقة معه في أصعب الظروف رغم أنها لم تكن عضوة في التنظيم.

يبقى أهم الأجزاء الذي تعلق بتحليل سياق ظهور «الشعلة». خاصة العلاقة العضوية بين نضج تجربة التنظيم واجواء الاضرابات التي توجت بالاضراب العام في 26 جانفي 1978 وما تلاه، وكان ذلك السبب في كشف التنظيم: «كنا إذن في قلب تلك العاصفة، مدافعين عن الشرعية النقابية ومعرضين للهجمات من الامام ومن الخلف. من الامام، من البوليس السياسي الذي تعرف على نشاطنا من خلال الجريدة السرية « الشعب السرية « التي كنا نوزعها في اغلب المدن والاحياء والتي جلبت تعاطفا كبيرا من النقابيين، ومن الخلف، من العناصر الانتهازية المقيتة التي لا تضيع ادنى فرصة للتعبير عن خساستها وعمالتها... كان فيهم آنذاك من تطوع لإرشاد البوليس السياسي على من يعرفهم من رفاقنا، مما جعل البوليس يضيق عليهم الخناق ويلاحقهم لتتبع الشبكة التنظيمية قبل ضربها في نوفمبر 1978».

كان الاسم الرسمي لقضية التنظيم باسم الجريدة السرية التي اصدرها لدعم «الشرعية النقابية». يقول: «أعددنا آنذاك ما سميناه التكتيك النقابي، وجسمناه عمليا بتكوين لجنة مبادرة نقابية وطنية، لتحل ظرفيا وفي ظروف العمل السري محل المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل ولجان مبادرة جهوية، لتحل محل الاتحادات الجهوية التي تم إيقاف قادتها، وقررنا إصدار جريدة الشعب السرية، لرفع معنويات النقابيين والعمال عامة»

في نصوص لاحقة متفرقة خاصة في 10 فيفري 2020 حاول اعادة الاعتبار بشكل اوضح لتجربة «الشعلة»، خاصة تميزها عن بقية تجارب «اليسار الجديد» وتحديدا تجربة «البرسبكتيف» وما تفرع عنها اي «العامل التونسي» حيث ينعتها بانها «انحراف تروتكسي» بسبب ما يعتبره اسقاطات دوغمائية وتجاهلا للظروف المحلية ويركز على اهمية الواقع الملموس ويستحضر مقولة ماو تسي تونغ: «من لم يقم بابحاث ميدانية ليس له الحق في الكلام.» يستعرض «الابحاث الميدانية» التي قام بها التنظيم خاصة دراسة الظروف الفلاحية والصناعية في تونس وتنزيل القراءة المادية التاريخية عليها وتبني التعريف الماوي لطبيعة المجتمع الصيني اي مقولة «شبه اقطاعي شبه مستعمر». يبقى ان معظم هذه البحوث غير منشور (باستثناء ملخص لها قد يكون نشر باسم الراحل عبد الرزاق الهمامي في منتصف الثمانينات في سجال شهير في دورية «أطروحات» بين التيار الوطني الديمقراطي وحزب العمال).

ومع اعادة سرد اهمية علاقة «الشعلة» بالاتحاد خاصة احداث جانفي 1978، يؤكد سي العربي العلاقة بين «الشعلة» والتيار الوطني الديمقراطي في الجامعة: «مثلما كانت حركة الطلبة الوطنيين الديمقراطيين التي أسستها الشعلة سنة 1976 اطارا جماهيريا لتنظيم الطلبة الثوريين ولم تكن انشقاقا عن الشعلة او تعويضا لها كما ادعى بعض « العارفين « بخفايا الامور».

من المسائل الاخرى التي اكد عليها تميز «الشعلة» عن بقية تنظيمات اليسار في تونس في فتح نقاش جدي لتبني مقولة «الامة العربية» ومركزية القضية الفلسطينية وافتخاره بان تجربة «الشعلة» لم تكن تنظر فقط في هذا الشأن بل تم التعبير عنها عمليا من خلال شهداء سقطوا في ارض المعركة في جنوب لبنان ومنهم عمر قطاط وغيره.
لن اقوم هنا باي تعليق على هذه السردية. كنت ضمن هذه التجربة واخذت منها مسافة منذ اخر التسعينات. افتخر اني انحدر منها رغم مراجعاتي النقدية، وليس هذا المجال لعرض ذلك. في كل الحالات اتفق مع ما كان يردده سي العربي باستمرار انه تم ظلمها في السردية التاريخية لليسار في تونس. ربما من الكتب النادرة التي نشرت مؤخرا ولو في موضوع محدد هو كتاب رضا مقني حول «اليسار التونسي والقضية الفلسطينية»، والذي كشف فيه بشكل غير مسبوق على كثير من كتابات وأدبيات «الشعلة».

يبقى ان مسار «الشعلة» وروافدها بعد تجربة السجن آخر السبعينات ليست تجربة سي العربي. بعد الخروج من السجن احتفظ بالمضامين الماوية لكنه اختار تفعيلها باساليب اخرى. اختار أن «يواصل من الداخل» (l'entrisme) وان يندمج في احد اجنحة السلطة، فاستعاد علاقات قديمة مع ما تبقى من «مجموعة بن صالح» داخل الحزب خاصة المرحوم الهادي

البكوش. وهكذا كان في قلب ما حدث في سبعة نوفمبر قبل ان يغادر السياسة بعد فترة قصيرة. سأتوقف هنا لأنه لم يترك شهادة مكتوبة عن ذلك، فقط شهادات شفوية سأحتفظ بها الآن لنفسي. ورغم هذه القطيعة التنظيمية مع «الشعلة» وورثائها بقيت علاقته مستمرة مع رموز «العائلة الوطنية الديمقراطية» يستشيرونه ويطلبون النصح حتى وفاته.
قد تختلف معه في بعض الخلاصات، التي كانت متغيرة، لكن نأنس به رفيقا فكريا في المنهجية: علوية الواقع الملموس، تشخيصه بدقة صارمة، والعمل على تفكيكه دون إسقاطات.
انطفأت شعلته الاربعاء، يبقى انه خلف وراءه «شعلة» من الأدبيات والعمل التنظيمي، تنتظر جمعا ونشرا مثلما اوصى.

رحم الله سي العربي!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا