في الدّين والعقيدة والمجتمع توطئة

بقلم: د. عز الدين الفرجاني أستاذ تعليم عال

سادت وتسود كلّ حضارات البشريّة ومجتمعاتها عبر التّاريخ ظاهرة جوهريّة هي المعتقد. ما المعتقد؟ وقد عرفت عبر التاريخ «الحديث نسبيّا»

ثلاثة أديان وصفت بالسماويّة وتؤمن بالإله الواحد. فما الدّين ؟ وهل تختلف وفيما تختلف هذه الأديان ؟ هل أن الدّين ثقافة أم حكمة (فلسفة) وميدان مستقلّ ؟
دخل الإسلام البلاد التونسية منذ القرن السّابع. وهو اليوم دين الأغلبيّة الساحقة من سكّانها. أين نحن مع الإسلام ؟ وأخيرا : إلى أين نسير؟ وما ملامح المستقبل مع هذه المسألة الجوهريّة ؟
المعتقد عبر التّاريخ الغابر
لقد أثبتت علوم القرن العشرين (تاريخ الآثار والتطبيقات الفيزيائية والكيميائية على دراسة هذا الميدان من المعرفة) أنّ النوع الذي نبحث فيه وهو فصيلة الهومو سابانس (البشر) تعود إلى قرابة 55 مليون سنة، وأنّ تطوّر الهومو إيركيوس (الواقف : Erectus) إلى نوع الهوموهابليس (البارع : Habilis) حديثا (000 400 سنة) إلى نوعنا البشريّ، قد رافقته ممارسات (انطلاقا من الآبيليس (البارع) وطقوس في دفن الموتى احتراما للميّت وأملا في حياة بعد الحياة.
إذن القضيّة الجوهريّة هنا أنّ الكائن هومو والبشر تلاوة وقد وعوا. هذا الوعي أدّى إلى السّؤال: هل هناك حياة بعد الحياة وإلاّ فما معنى الحياة؟
كلّ الحفريّات التي تخصّ البشريّة فيها بقايا من طقوس الدّفن. ومع التقدّم في التاريخ وظهور التمركز (La sédentaration) تفنّن الإنسان في هذه الممارسات وتطوّر إلى التمييز الاجتماعي ولنا اليوم شواهد رائعة في مصر (الأهرام) تشهد بذوات المعتقدات.
تطوّر المعتقد من الحاكم الإله إلى الحاكم ممثّل الآلهة إلى أساطير وحكايات تجمعها اليوم ميدان الميتولوجيا.
وقد بدأ من قرابة 5000 سنة الدّين الأوّل وهو ذو مرجعية الإله الواحد، خالق الكون وأتت معه أجوبة صريحة لكلّ ما يخالج عقل الإنسان من تساؤلات تخصّ الحياة والموت - فكانت اليهودية ثم أتى عيسى (اليهوديّ) فحافظ على اللبّ وأتى بإجابات إضافية. وفي الجزيرة العربيّة، خلال القرن السابع، كان الرّسول محمّد وأتى بالقرآن وترك جملة من الأقوال والأفعال والتصرّفات والمواقف التي جمعت تحت مسمى السنّة.
المعتقد والدين
إذن المعتقد ضارب في التاريخ القديم وهو جملة من التصوّرات أتت بها الكوائن «الهومو» استنبطها العقل في مستواه من التطوّر التاريخي كي يتأقلم مع محيطه من أجل حياة أفضل وحتّى يقبل مماته.
الدّين لا يخرج عن هذا التعريف. ولكنّه أضاف إضافات جوهريّة فدقّق الحياة بعد الموت وقنّن لتواجد بين البشر داخل المجتمع الإنساني فوضع جملة من الحدود حتّى يضمن التعايش السلمي بين الناس و... بالنّهاية ديمومة النوع البشري على الكرة الأرضية.
إذن يمكن اعتبار الدين ثقافة بنيت على تصوّر فكري وهو في جوهره لبّ الحكمة القديمة (التي طوّرها الإغريق إلى حبّ الحكمة (PhiloوSophia).
الإسلام عبر التاريخ
لقد حظي الإسلام بدراسات كثيرة من حياة الرسول والسنة وتاريخ الحضارات الإسلامية. وهناك اليوم أعمال جيدة عبر العالم تأخذ بالبحث كل الجوانب التاريخية والفكرية والعقائدية المتعلقة بهذا الدين الذي يؤمن به اليوم قرابة ميليار نسمة في العالم.
هذا الدّين أتى باللغة العربيّة وهناك نزعة اليوم في الدّراسة تختصّ بدراسة هذه الحضارة على أنّها حضارة عربيّة (اعتقادا أنّ قاسمها المشترك هو اللغة) ولا الحضارة العربية الإسلامية (لأنّ كثيرا من الشّعوب ذوات الأصول غير العربيّة إنتمت إلى هذه الحضارة وتنتمي لها إلى اليوم وقد أثرت وساهمت غالبا مستعملة اللغة العربية). فمن المسلّمات أن لغة القرآن عربيّة.
لقد تبلور الإسلام منطلقا من الرّسول محمّد. ونذكر كلّنا قولة أبي بكر بعد موت الرّسول «من كان يؤمن بمحمّد فإنّ محمّدا قد مات وأمّا من يؤمن بالله فإنّ الله حيّ قيوم» وسادت الحضارة العربية الإسلامية منذ القرن السابع إلى نهاية القرن السادس عشر وكان العصر الذهبي مع 4 حضارات : الأموية والعباسية والأندلسية وانتهت بانهيار الحضارة العثمانية وامبراطوريتها ولقد أتت هذه الحضارات بإسهامات جوهريّة في تاريخنا الحديث.
يتبع

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا