همزة فصل: «دولـــة «سايس روحـــك»

بقلم: محمد صالح مجيد
انتشرت في الإدارة وفي المؤسسات التونسية عبارة سحرية خفيفة النطق هيولانيٌة المحتوى،منتقاة من العامية التونسية الجميلة

كانت تصدر في الغالب من محبٌ إلى محبوب ،ومن أم او أب إلى الابن او البنت، ومن صديق إلى صديق «سايس روحك».. وهي عبارة حميمية تعكس حرص قائلها على سامعها حبٌا واحتراما ونصحا وتضامنا واستعدادا للحماية .لكن بمرور الزمن وتقلٌب الأمزجة، خرجت هذه العبارة من مناخها العاطفي الذي حكم العلاقات بين الأهل والأصحاب لتتسلٌل إلى الإدارة العمومية والمؤسسات التونسية وتصبح بمثابة العقد القوي الذي يربط المسؤول الأكبر بمنظوره...ولم يعد غريبا أن يلتقي المسؤول المعيٌن حديثا برئيسه في العمل فلا يخرج بعد طول حديث بينهما إلا بالعبارة السحرية»سايس روحك» يلقيها مسؤول المسؤولين وهو يظهر في صورة الناصح الحريص على تبليغ خبرته للمسؤول الصغير الجديد.لقد اختزلت هذه العبارة الرخوةو الميكيافيلية النصائح والتوصيات التي يزوٌَد بها القادم على مسؤولية جديدة من رئيسه المباشر الذي يفوقه خبرة واطلاعا على شؤون الإدارة!!!.فيغادر إلى الجهة التي قاده القدر المهني إليها وهو محمٌل بما به تُساسُ روحٌهٌ .وبمجرٌد ان يلتقي بمنظوريه ، ينخرط في خطاب المجاملات ويردٌد امامهم كلاما منمٌقا عن اهميٌة الثورة ودورها في تكديس الثروة حاثٌا على قيم العمل والانضباط!! ثم لا ينسى ان يختم خطابه بترديد الكلمة المفتاح امام اسماع منظوريه»سايس روحك»...
لكن ما معنى «سايس روحك» هذه «اللازمة» الإدارية التي تأتي على افواه المسؤولين!!؟؟. وهل ان كل من نٌصٍحَ بأن «يسايس روحه» نجح فعلا في ان يبلغ الهدف؟؟

«سايس روحك» هي ترجمة لأوامر ونواه جٌمِعَتْ في عبارة معناها حسب الترجمة الوطنيٌة الجديدة: «جاري التسيٌب... ولا تضبط الأمور ولا تجادل النقابة فيما تقرٌره حقا كان ام باطلا واستمع إلى كلام الجماعة حتٌى وإن كانت على ضلال..واحذر ان تنعت حالة التسيٌب العام بانها تسيٌب.وابحث عن عبارة لطيفة كي لا يعتصم الغاضبون... واجعل الجميع ينتظر فرجا لا يأتي...

سياسة «سايس روحك» هذه هي التي تركت نسبة كبيرة من المعتَمَدين وحدهم في العراء بلا وسائل عمل، يواجهون الجموع الجائعة دون ان يكون بين ايديهم ما يسكت الغاضبين ويعيشون ايام رعب دون ان يجدوا نصيرا ... سياسة «سايس روحك» هي التي جعلت المديرين الجهويين في الولايات لا يقومون بأي جهد ولا يتحمٌسون لأية مبادرة خشية الاصطدام بموظفين وعملة كسالى يحوٌلون الرغبة في تنفيذ القانون إلى فساد بعد ان اصبحت صفحات الفايسبوك ترفع وتخفض تعيٌن مسؤولا ،وتبني له سيرة ذاتية من وهم ،تجعل منه «عمر بن الخطاب» وتعزل آخر بعد ان تظهره في صورة أكبر الفاسدين !!!دون سماعه، ودون تقييم موضوعي لادائه...سياسة «سايس روحك» هي التي جعلت مسؤولين جهويين لا ينجزون شيئا على الأرض ومع ذلك ينالون آيات الشكر من رؤسائهم لمجرٌد انٌهم»ركحٌوا» الاجواء ،ونجحوا في استمالة الطرف السياسي او النقابي الأقوى،رغم انهم لم ينجزوا شيئا ..سياسة «سايس روحك» هي التي تجعل من بعض المسؤولين الجهويين أكباش فداء يحمٌلهم المسؤول الوطني تبعات اي تشويش او خروج عن النظام...الجميع تحدث عن «الرقْاب» وعن «مدرسة الرقاب» لكن لا احد سأل عن معتمد المنطقة الذي تحوٌل إلى متواطئ والحال انٌه ادٌى واجبه في الإبلاغ..السلطة المركزية هي التي اذنت بإعادة فتح المدرسة رغم تنبيه معتمد المنطقة و هي التي عزلت المعتمد الذي قام بما يمليه عليه واجبه في الإبلاغ والتنبيه، لأنه ببساطة لم ينجح في تأويل عبارة «سايس روحك»..

المعتمد الذي حمل شرٌ مدرسة الرقاب استاذ ومدير مؤسسة تربوية لا ذنب ارتكبه إلا أنه ادى واجبه المهني كما أدٌاه استاذ او مدير مؤسسة لكن بمجرد ان سلٌط الإعلام الضوء على المدرسة كان الحلٌ في عزله ظلما وتأكيدا لعجز الدولة عن مواجهة أخطائها او ربٌما لأنٌ الوالي»سايس روحه» افضل من المعتمد!!!!.سياسة «سايس روحك» هي التي حكمت على بعض الولايات بان يعربد فيها مسؤولون جهويون بلا مستوى علمي وبلا رؤية وبلا حكمة في القيادة عدا انتماء سياسي لقيط لا يغني ولا يسمن من كفاءة، او تملٌق مرضي للنقابات دون قناعةحقيقية بأهمية العمل النقابي في إحداث التوازن...سياسة «سايس روحك» حولت اقزاما إلى ابطال بعد ان غيٌرت مقاييس التقييم إذ امسى اداء المسؤول الجهوي يقيٌم حسب قدرته على تنفيذ «سايس روحك» وإتقانه فن «سايس روحك».فالمسؤول الناجح اليوم هو الذي يسمح للموظف او العامل بان يستعدٌ لصلاة الجمعة من الساعة التاسعة صباحا ، طلبا للأجر والمغفرة وان يحرص على ضمان دعوة صالحة منه، وهو الذي يقبل ان يٌنجَزَ ربع العمل بابتسامة دون ان يغفل عن تشجيع العامل او الموظٌف على التفضٌل بالحضور!!!!

على هذا النحو تشكٌلت العلاقة التراتبية في الإدارة التونسية: الوزير ذلك الكبير الذي يعلٌم سحر «سايس روحك» يستقبل المديرين العامين في وزارته بابتسامة ويدعوهم إلى كلمة سواء «سايس روحك»وهم بدورهم يدعون المسؤولين الجهويين إلى تنفيذ طقوس «سايس روحك» والمسؤول الجهوي بدوره يبيع»سايس روحك» لمنظوريه. و هكذا تكون الدولة ممسوكة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها برباط وثيق هو «سايس روحك»...
لقد داب فكاهي على تأثيث الصباحات بعمل اختار له عنوان»سايس خوك» تماشيا مع شعار المرحلة الذي اسقط فيه «الثوار» دولة الديكتاتور واقاموا مكانها دولة «سايس روحك «التي لا تتعارض مع «سايس خوك»

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا