الرقص السياسي على أوجاع وطن منهك

بقلم: مسعود الرمضاني
تمر البلاد بأزمة سياسية غير مسبوقة من حيث وقعها وشخوصها وهزالها وارتداداتها وتمتاز بثلاثة مظاهر خطيرة ، ضعف الاداء والتسيير

في ادارة الحكم والفهم البدائي للسياسة، على انها ليست ادارة الشأن العام بقدر ماهي صراع بدائي دائم مع الاخر ومناكفات يومية من اجل البقاء والثأر من الخصوم والانتصار عليهم والاخطر أن القيادة السياسية لا تعي ما تعيشه البلاد من مخاطر وتحديات...
تمعّن في الخطب جيدا : تستأثر ردود الافعال المتشنجة ومفردات الشتم والتقزيم والسخرية والتشهير والوعيد بأغلب ما يطلقونه من سهام لغوية حتى تظن ان لحظة الانقضاض على الخصم ، الذي هو ابن هذا الوطن ايضا ، قريبة...
ثم بعد ذلك يطلقون مجموعاتهم ، (وهذه تسمية مؤدبة)، لتستحضر خطاب الكراهية ذاك وتقدمه بلغة اكثر عنف وتبحث في سجلات الاخر ودفاتره وماضيه عمّا يمكن ان يشكك في استقامة هذا «الخصم-العدو» وفي اخلاقه، وحتى وإن لم يجدوا شئيا يذكر فالكذب في هذه المسائل «الحيوية» جائز والكتابات سهلة ووسائل التواصل والمنصات مفتوحة وهي مسخرة لذلك، دون رقيب...

ولم يعد الشعب ينتظر شيئا جديدا ، اذ انه ارتكب «خطيئة كبيرة» ندم عليها «ندامة الكسعي»، حين ظنّ انه قام بثورة واعتقد انه الان سيحدد خياراته بنفسه وسيختار بذلك من يحكمونه بسداد الرأي والحكمة ونكران الذات...

من المسؤول عن ذلك ؟ نظام الحكم؟ الاحزاب السياسية؟ رئيس الدولة ؟ من خلال متابعتي كمواطن ، لا ارى ان القضية تكمن في نظام الحكم وقد شاهد المواطنون ان كل اطراف الحكم تريد ان تتمدد ، ولا احد له القناعة بمحدودية مسؤولياته ومهامه التي حددها الدستور ، اكبر سلطة في النظم الديمقراطية، فرئيس الجمهورية يبحث عن فرص تمكنه من توسيع صلاحياته وهو مستعد ، كأستاذ قانون، لتطويع الدستور كيفما يراه صالحا ليلقننا احيانا دروسا لسنا في حاجة اليها في الفرق بين الشرعية والمشروعية(التي يظن انه يمتلكها) وبين المساواة والعدل ، وبين عمر بن الخطاب «العادل» والنظام الليبرالي «الفاسد» وهي مفاهيم واراء يريد تطويعها حسب ارادته التي يعتبرها اهم من اوجاع الوطن ، كما انه يقتنص فرص ضعف الاحزاب وضمور مصداقيتها ليستعجل تطبيق نظريته في الحكم والتمثيلية، فحلم الحملة الانتخابية لازال يراوده...

ويحاول رئيس مجلس نواب الشعب الاستيلاء على صلاحيات رئيس الجمهورية ولا يهمه ان يسائله النواب عن حدود صلاحياته وعن اتصالاته الديبلوماسية ووساطاته الغامضة وتحالفاته التي تحميه و تخدم حزبه وتصوره ورؤيته واحلامه ، أكثر من مصلحة البلاد.
ورئيس الحكومة، الذي فرض النظام السياسي ان يكون مثل بندول الساعة بين ارادات هذا واملاءات ذاك ، و مهدد في كل لحظة في منصبه بين المطرقة والسندان، يحاول ارضاء الجميع وطمأنتهم بأنه لن يشق عصا الطاعة ولايثير «انتقامهم» بانهاء مهامه ،، وعوض اطلاق يديه لبداية اصلاح عسيرة تتطلب الجرأة ورباطة الجأش ، يظل يراوح ،، مترددا،، بين حسابات الربح والخسارة ...

اقول امرا بديهيا يدركه كل من يعرفني: أنا ليست لي مشكلة مع الاحزاب السياسية واعتبر وجودها حيويا في اي نظام ديمقراطي ، بل واعتبر ان إلغاء دورها أو تهميشها هما الخطوة الاولى للتسلط والديكتاتورية ، لكن غياب النضج لديها وصراعاتها الطفولية ومعاركها الهامشية لن تسمح بتطورها ولا بحل مشاكل البلاد الكثيرة، كما ان عدم ترفع رئيس الدولة عن تصفية حساباته الشخصية مع الاحزاب ومع كل من ينتقده وخطاباته التخوينية وحروبه الكلامية ضد الصهاينة والمتامرين التي اصبحت محل تندر في غياب ادلة وقرائن، كلها تشي بان مؤسسة رئيس الجمهورية تهتز مصداقيتها من يوم الى آخر...

أسأل وأنا مدرك أنه، لاهو ولا مستشاروه سيأخذون بهذا الكلام الصادر عن مواطن لا يتامر عليه : ماذا لو ترفع رئيس الجمهورية عن رد الفعل يوم استقباله للوزراء الجدد؟ ماذا لو ابتسم وقال انه رئيس جميع التونسيين، بمن فيهم الذين ينتقدون أداءه؟ وانه يقبل النقد ، وحتى التجريح ، بصدر رحب ، لأنه الثمن الذي يجب ان يُدفع لتقوية عود الديمقراطية ، التي هو اول الحريصين عليها ؟ ماذا لو قال ان همه الان ليس الرد على منتقديه، بل البحث عن اخراج البلاد من ازمتها؟ و انه سيسعى الى حل ازمة الكامور والشركات التي تهدد بالانسحاب؟ وازمة الفسفاط؟ وآلاف الشبان السجناء في مراكز الاعتقال الاوروبية ويفضلون الموت هناك على العودة لبلادهم؟ والجهات المحرومةالتي طال انتظارها؟
اكيد انه سيعطي درسا لأولئك السياسيين الذين تربوا في الشتيمة التي تعوض عجزهم وقصورهم و انه سيكبر في عيون التونسيين ، الذين تهمهم الحرب من اجل لقمة العيش والخروج من براثن الفقر أكثر من الحروب على «الغرف المظلمة» و»المؤامرات الخفية».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا