أولويّات المرحلة

بقلم: د. عز الدين الفرجاني
أستاذ تعليم عالي
يسود اليوم المشهد التونسي صراع عميق وصل إلى حدّ تبادل اللّكمات والضّرب بين منتخبين لبرلمان تونس شقّ منهم « محافظ » والشّق الآخر يتمنى أشكالا من المعاصرة .

هذا العنف الّذي عمّ مجالات شتّى من مجتمعنا (أساسا السّياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الإبداعي ) يعكس صعوبة المرحلة وضرورة إيجاد حلول مناسبة لها.
للإنسان قصة طويلة مع العنف . فنحن (جنس الهوموسابينس ) لم نتمكن بعد إلّا من كشف 10 أو 12 ألف سنة من تاريخنا الّذي يتجه العلم إلى تحديده مؤخّرا نحو 400 ألف سنة . ويظهر منذ بداية ما نعرفه عن تاريخنا سواء في منطقة الهلال الخصيب أو بلاد ما بين النهرين ( مهد الحضارات ) صراعات واعتداءات بين شتّى أفراد ومجموعات داخل التجمع الإنساني الواحد أو بين تجمعات متجاورة . لقد رُوِيَ التاريخ من وجهة هذه النظرة : صراعات من أجل السلطة وحروب مدمّرة.

وضع تونس اليوم ليس استثنائيا أبدا
إذا حاولنا تشخيص هذا المظهر من تصرفات الناس، وجب قراءة وهضم تاريخ الفكر ووجب استنباط مخارج مأتاها الدراسة والاستنتاج والبرمجة والإنجاز .
بادئ ذي بدء: الجائع يلجأ قصرا إلى السرقة (جان فالجون ) والكذب والعنف (إن سمحت له الظروف السانحة للإفلات من العقاب). هذا من جهة.
من جهة أخرى : الشبعان !يقول أدم سميث أنّ الإنسان لا يشبع . ما الحلّ في مجتمع إنساني 2020 فرضت فيه الليبرالية كمنهج اقتصادي سياسي أوحد؟ المجتمعات الراقية قدرت على توفير أكثر ما يمكن من المتاع من أجل الرفاهية وفرضت سلما اجتماعيا اعتمادا على قوانين وضعها اختصاصيون قانعون باختيارات المرحلة.
إذن أول الحلول : خلق أقل ما يمكن من الرفاه المادي للـ 12 مليون تونسي . كيف ذلك ؟ يطول وضع الأسس ولكن يمكن التلخيص في الآتي.

- توفير كل الظروف الملائمة من أجل المبادئ الفردية والجماعية لخلق القيمة المضافة في كل المستويات : المالية-البنكية .التشريع السريع .

- فتح المجال للعارفين والحكماء (هم كثرة في بلادنا) لتوضيح الرؤى وتعليم البسطاء (والأذكياء) بطريقة مرنة واضحة من أجل بعث الثقة والطمأنينة والحث على النهوض إلى العمل كقيمة مثلى من أجل استنباط خبز اليوم ( لا تعطني سمكا بل علمني كيف أصطاد).

- استنباط حلول ملائمة لأمهات الصعوبات ( الفسفاط والبترول والسياحة والصناعات بكل أشكالها) وذلك اعتمادا على المحاورة والإنصات والفهم والتشخيص الذكي وإيجاد الحلول الوسطية التي يكون فيها الطرفان منتصرين ( ولا منتصر من جهة ومهزوم من أخرى) . هذا ممكن !
من سيقوم بكل هذا؟

التونسيون ! كلهم! بدءا بالدولة ومرورا بالأقوياء (الفاعلين الأساسيين) استنادا واستنارة بالعارفين (الحكماء والناجحين ميدانيا).
ثلاثة أشخاص يتحملون عبء ومسؤولية خلق المنطلق نحو الحلول:

• رئيس الدولة وهو رئيس كل التونسيين

• رئيس الحكومة وهو المستند الأول والمحرك الأول (le commandant de bord,le chef d’orchestre).

• رئيس البرلمان ليخلق جوا من العمل المفيد والحوار المتحضّر والعميق والفعال من أجل مرافقة عملية البناء.

• التناغم والتوافق والاحترام وتقاسم مبادئ المواطنة ضرورة حياتية وأساسية بين هؤلاء الثلاث ( والقائد الأول الذي يدير هذا العمل هو رئيس الدولة ).
على مستوى الإعلام ( السلطة الرابعة ) في ما يخص التلفزة أولا ثم الراديو ثم الإعلام المكتوب ثم الفايسبوك: لن تنجح في البناء إذا لم تلعب هذه الأدوات دورا محركا ومؤثرا في عقول الناس. وجب أولا فتح المجال الكلي لتدخل العارفين والاختصاصيين والناجحين والحكماء . وجب توفير معلومة مفيدة وإيجابية وبناءة وباعثة للأمل ثم العمل داخل هذه المنظومة . الترفيه والتثقيف وجب أن يوجه وأن يكرس لفائدة الأهداف الكبرى : الخروج من العنف ومن الخصاصة عن طريق العمل بالإبداع ، بالمثابرة ، بالمرافقة . ميدان الترفيه له أهمية قصوى: اختيار الأغنية ليس بريئا، اختيار المضحّك هام وجوهري، اختيار النص الشعري مؤثر: نراعي في ذلك عامل التوقيت ( ذروة المشاهد في التلفزة ) ، الراديو الأكثر متابعة ، الجرائد الشعبية والمؤثرين في الرأي العام في الفايسبوك .

يطول الحديث وهذه بعض المحطات وحوارات تتواصل وجزئيات كثيرة لا يمكن الحديث عنها في إطار هذا النص .

خلق النجاح ممكن . العمل بعد التفكير وسنّ الحلول والانطلاق في الإنجاز .

وفّق الله تونس والتونسيين . يحيا بلدنا ( إفريقية ثم قرطاج ثم ... تونس اليوم).

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا