منبــــر: لـم يعد الترقيع يجدينا

بقلم: عبد الحميد الجلاصي
سياسي وباحث
لطالما نبه المشفقون على مسار البلاد في السنوات الاخيرة من منهج الترقيع والعلاج بالمسكنات في الشان الاقتصادي لأن ذلك من شأنه اطالة

أمد الأزمة تعميقها وزيادة إرهاق المالية العمومية المنهكة اصلا وتشجيع ثقافة التواكل و الابتزاز.
هذا التشخيص كان يصاحبه تشخيص ثان يؤكد ان المسار السياسي يتقدم ويمثل درة التجربة التونسية بل درة التحولات التي تحصل في المنطقة منذ سنة 2011.

لم يعد الامر بهذا الوضوح إذ استمر التعثر في المسار الاقتصادي و التنموي وارتبك المسار السياسي نفسه ودخل مرحلة الضبابية اكثر من اي وقت مضى ولم يعد قادرًا على بث الروح في المجموعة الوطنية ولا عنصر جاذبيةعند الشركاء والمتعاملين .لقد تم تبديدارصدة الثقة المستعادة في انتخابات الخريف الماضي .
خلال نفس الفترة من السنة الماضية مثلت الانتخابات القريبة فرصة لتجديد الأمل من أجل إعطاء دفعة نوعية لمسار بلغ تدحرج في مهاوي الانهاك .و بالفعل ذكرت الأسابيع الاولى بعد نهاية الموسم الانتخابي بذلك الشعب المارد الذي خرج من قمقمه بعد ثورته الاجتماعية و السياسية حين تسابقت كل فئاته وخاصة شبابه لإبداع صيغ بناء الوحدة الوطنية في

ملحمة احتفالية تحدث مرات قليلة في التاريخ . اليوم يجب أن نمتلك جرأة أننا قمنا بكل شيء من اجل تبديد ارصدة الثقة المستعادة في الخريف الماضي اذ فشلت حكومة الحزب الاول في الحصول على ثقة البرلمان وسقطت حكومة الرئيس الاولى وطاردتها الفضائح ونحن الان قبل أيام من امتحان غير واضح النتائج للحكومة الثالثة وهي حكومة الرئيس الثانية.
كل المؤسسات العليا للدولة والأحزاب والكتل البرلمانية تتحمل بأقدار متفاوتة هذا العبث الذي يفاقم النفور من النخبة الحاكمة التي تعيش صراعات نفوذها في عالمها المغلق و تتجاهل جوهر السياسة بما هي خدمة للمواطنين وفقا لعقد الانتخابات ووعودها.

حكومة الرئيس الثانية كانت فرصة لكسر حلقة العبث و احياء الامل من خلال استخلاص الدروس من كامل مسار ما بعد الانتخابات للوصول الى حكومة مستقرة و متجانسة و متوافقة مع محيطها للحصول على هدنة لا تقل عن سنتين تتفرغ خلالهما للإنجاز .و لكن هذه الفرصة ايضا تم إهدارها بسلسلة من الاخطاء تدفع للتساؤل ان كان الامر متعلقا بسوء تقدير ام هو امر متعمد .

الغائب الأكبر في البلاد منذ الانتخابات هو السياسة بما هي تحديد للثوابت للوطنية المجمع عليها و لمربع ومجالات المنافسةو بناء جسور الحوار و البحث عن المشتركات و ازالة الالتباسات وتدعيم الثقة .

الممارسة السياسية مشحونة بالانفعالات والجوانب النفسية التي تمددت لتحكم العلاقة بين فاعلين رئيسيين في الدولة.من قدر الفاعل السياسي ان يقترب من الكائن العقلاني المحض وأن يتحكم في مشاعره وانفعالاته وانسانيته. ولا يمكن ان تتقدم حياة سياسية مشحونة .
توجد التقاءات بين الاحزاب السياسية و لكنها كلها هشة و تكتيكية ويمكن أن تتحول من التقاء إلى ما يشبه العداوة لنقف أمام حالة من خلط الأوراق ومحاور الفرز وحرب الكل ضد الكل.

في نظامنا السياسي يفترض ان يكون البرلمان -في نفس الوقت- فضاء التنافس وحضن تدعيم التقارب،و لكن البرلمان الجديد عجز عن القيام بهذا الدور بل غذى العداوات .

كان يفترض في رئيس الجمهورية ان يكون محرك السياسة في البلاد وان يرعى المناخات العامة الشرط الاساسي لاي تنافسية مثمرة ولكن للاسف لم يخرج الاستاذ قيس سعيد من جبة المرشح و من ثوب استاذ القانون الدستوري صاحب وجهة النظر الخاصة .

السيد الرئيس يأخذ مسافة من السياسة كما يعرفها الجميع ،ربما نتيجة موقف نقدي ،وهذا من حقه ،ولكن لم نر منه لحد الان السياسة الاخرى،السياسة المغايرة، بل رأينا لجوءه الى «التباعد السياسي» لتتجمد بعض مؤسسات الدولة أو تعاد صياغتها.ومهما تكن طبيعة النظام السياسي لا يمكن ان تسير الامور دون سلاسة و دون تكامل في العلاقة .سلطة الجزر المعزولة هي الدولة المشلولة أو اللادولة .

في غياب السياسة تحضر المغالبة، ويمكن أن تؤدي بالسياسة والصبر الى نفس نتائج المغالبة مع كسب بناء الثقة وتدعيم الشراكة ،و مسار تشكيل حكومة السيد المشيشي دلالة واضحة على روح المغالبة في منهجية الاختيار التي تقتصر على الجانب الشكلاني و في اسم المرشح و في طبيعة الحكومة ثم في تركيبة الحكومة وأخيرا في الجهات التي شكلت هذه الحكومة بما يجعل السيد المشيشي شريكا في احسن الحالات و يعيد الى اذهان التونسيين تدخل غرف مظلمة ظنوا انها قد زالت منذ سنوات كثيرة .

هذه ورقة سياسية و بالتالي ليس في نيتي ان امس من السيد المشيشي في شخصه و لا من التركيبة التي اقترحها واعرف ان فيها كفاءات عالية وأحيي كل من قبل ان يتصدى لادارة الشان العام في هذه الاوضاع الدقيقة والحساسة.

الاوضاع في البلاد دقيقة وحساسة و الأرقام المتواترة مفزعة و محيطنا القريب و البعيد في حالة غليان و شركاؤنا الأساسيون يعانون من صعوبات كبيرة بسبب الجائحة.في مثل هذه الاوضاع لا خيار لنا سوى تعبئة الجهود و التعويل على ذواتنا .انظر للموقف من الحكومة المشكلة أساسا من زاوية توفير هذه الشروط كي تحظى بما نصبو اليه جميعا من تزكية رضائية ثم من استقرار و انسجام وقدرة على الانجاز، لنهنيئ بَعضنا بَعضنا فجر الثاني من سبتمبر باننا قد وصلنا بعد طول تطواف الى بر الأمان.
فهل تتوفر تشكيلة السيد المشيشي على هذه المقومات .
للاسف لا .

حكومة كثير من الادارة وكثير من الترضيات والزمالات وكثير من المتحزبين المتسترين، وهي التي يقال انها حكومة كفاءات مستقلة غير متحزبة.
قد تكون الحكومة حكومة الخوف او الاضطرار فتحصل على تزكية البرلمان دون سند فعلي ييسر أعمالها.

حكومة «دون اب «او حكومة «اذهب انت وربك فقاتلا» أو الحكومة التي يمررها البعض ليترصد لها في المنعرج لا يمكن الا ان تكرر الفشل و تؤجل الازمة لنجد أنفسنا بعد اشهر قليلة امام مشهد كاستينغ جديد.
يجب أن نمتلك الجراة لنتخذ القرار الصحيح ؛لقد فشلت منظومة 2019 لحد الآن. والحكومة الجديدة لن تكون الا حلقة إضافية تهدر الزمن والإمكانيات وما تبقى من رصيد ثقة.

لا يمكن لعاقل ان يتساهل في المطالبة بانتخابات سابقة لاوانها .ولكن أحرى أن ندعو إليها اليوم من أن تنفلت الأمور في خريف سيكون ساخنا وقد يتمرد على كل الحلول المؤسساتية.
أدعو لعدم التصويت للحكومة والتخلي عن منهج الترقيع والمخاتلة والمراوحة اللزجة بين مواقع المعارضة والمساندة والبحث عن استقرار نعرف جميعا أنه سيكون عقيما ومضرا بمجمل مسارنا .
ولكن هذه الدعوة تترافق مع رؤية مقترحة على الاحزاب الديموقراطية .اذ ان موضوع المصادقةعلى الحكومة يندرج ضمن موضوع اعمق .

أرى استهدافا بالانزلاق للنظام السياسي ومركزه البرلمان والحياة الحزبية.
لا أحد يدعي ان النظام السياسي مقدس و لكن هناك مداخل معلومة لمراجعته .

أما الاحزاب فقد أهدت للنزعات الشعبوية ما لا يحصى من الهدايا و بعضها قد انتهى دوره .ومع ذلك فهي تحظى بشرعية معلوم كيفية مراجعتها .
لذلك أدعو الاحزاب التي تقف على قاعدة الدستور والتعايش أن:

- تقوم بمراجعة سلوكها السياسي منذ الانتخابات الماضية و استخلاص الدروس المستوجبة.

- أن تصارح المواطنين بهذه الخلاصات وتعتذر عند الاقتضاء،وليس في ذلك ما يعيب .

- أن تجدد التواصل و بناء الجسور بينها على قاعدة الحد الأدنى الجمهوري وإعادة الاعتبار للبرلمان في مشهد يتجه واقعا الى تضخم موقع الرئاسة .

- أن تشتغل على مراجعة قانون الاحزاب والقانون الانتخابي وأن تتعاون على ارساء المحكمة الدستورية .

- أن تبذل كل ما تخوله لها مواقعها في البرلمان لتقليص مدة حكومة تصريف الاعمال إذا تأخر السيد رئيس الجمهورية في الدعوة الى انتخابات سابقة لاوانها .

السياسة تتطلب ايضا الجراة و ليس من الحكمة في شيء الدوران في حلقة مفرغة او للمعاينة العاجزة لبناء نظام سياسي مواز .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا