منبــــر: حكومة الرئيس - 2 - بين اكراهات المرحلة وضرورة الانقاذ

بقلم: لطفي العيادي
نائب عن حركة الشعب
الأصل في ممارسة الحكم و ادارة العملية السياسية في النظام الديموقراطــي هــو الاحزاب وفقا لما ينص عليه دستور الدولة

وتبعا لما يفرزه صندوق الاقتراع من نتائج و هو ماينص عليه دستور 2014 في تونس .
وتكون الحكومة التي تدير شؤون البلد- وهي الاساس في السلطة التنفيذية- في الاصل من الاغلبية النيابية الا ان حكومة الرئيس 2 التي كلف السيد هشام المشيشي بتكوينها يريدها دون أحزاب فهل يمثل ذلك « انقلابا » على الديموقراطية كما يريد البعض تسميته ام هو اكراه لا بد منه تمليه هذه اللحظة التاريخية لضرورة الانقاذ؟ وان كان ذلك كذلك فهل يكون بشروط أم بصك على بياض؟

الجواب على ذلك لا يكون الا في ارتباط بعنصري المكان و الزمان و يجب هنا التذكير بما آلت اليه الاوضاع الاقتصادية من ترد لاسباب متراكمة منذ تسع سنوات يضاف لها ما قبلها من اسباب ادت للثورة وهو ما يهدد فعلا بانفجار اجتماعي. في المقابل لم تنجح الطبقة السياسية التي افرزتها انتخابات 2019 في خلق مناخ استقرار سياسي يمكن من الانطلاق الفعلي في الاصلاحات العاجلة والاجلة واستكمال المؤسسات الضرورية للبناء الديموقراطي و قد ظهر هذا الفشل منذ البداية بعدم نيل حكومة الجملي التي كلفتها حركة النهضة للثقة في البرلمان ثم سقوط حكومة الرئيس 1 بعد أشهر قليلة من تكوينها فتكليف الشخصي الاقدر مرة اخرى من غير الاسماء المقترحة من الاحزاب.

هذا المناخ السياسي الذي تم فيه تكليف السيد المشيشي بتكوين حكومة الرئيس -2- لا يختلف في شئ عن سابقيه بل هو اكثر تعقيد وخطورة من الناحية الاقتصادية والامنية وبالتالي فقد كان امامه إما مواصلة العمل بنفس الصيغة للحكومة الحالية اي مكونات حزبية وغير حزبية وهو حل ممكن في اعتقادي وكان أفضل لو توفرت شروطه واساسا انضباط حركة النهضة لما يتم الاتفاق حوله مع الشركاء في الحكم او ان تكون مكونات الحكومة دون أحزاب وهو ماذهب اليه السيد المشيشي . فهل هو الحل السليم في هذا الظرف بالذات ؟

قبل الجوا ب لابد من التذكير مرة أخرى بأن الأصل في إدارة العملية السياسية من حكم ومعارضة في نظام ديمقراطي هو الاحزاب الا ان ماتمر به تونس الان من تحديات كبيرة تهدد كيان الدولة في حد ذاتها و سيادتها وهو ما يستوجب ايقاف النزيف الذي يعيشه اقتصاد البلاد و المالية العمومية و التركيز على الاولويات التي يطالب بها المواطن ومنها الماء والصحة ثم التشغيل وغيرها واستكمال المؤسسات الدستورية واصلاح مايجب اصلاحه من مؤسسات اخرى لتحصين البناء الديموقراطي في البلاد ومن ذلك المحكمة الدستورية واصلاح مرفق العدالة و خاصة القضاء وتوفير كل الظروف المادية والبشرية حتى يقوم برسالته على الوجه الاكمل و ارساء هيئة الاتصال السمعي البصري ومراجعة قانون الاحزاب والجمعيات والقانون الانتخابي ومراجعة النظام السياسي وتعديل ما يجب تعديله.

ولتحقيق هذه المهام لا بد من توفر حد ادنى من استقرار سياسي وهو ما يمكن ان توفره حكومة غير حزبية الا ان هذا المنحى يمكن ان ينطوي على مخاطر و حتى ينجح هذا التمشي فان السيد المشيشي مطالب بما يلي:

- ايجاد حزام برلماني مكون من الكتل التي تمنح الثقة لهذه الحكومة .

- تشريك الاطراف المعنية بالتشاور في اختيار اعضاء الحكومة .

- ضبط الخطوط العريضة لبرنامج العمل الحكومي ليكون العقد الرابط بينه و بين الحزام البرلماني بالتشاور مع مكوناته .

- تحديد الية للتواصل الدائم مع مكونات هذا الحزام البرلماني في كل مايهم التوجهات الكبرى لعمل الحكومة .

- اعتبار مكونات هذا الحزام البرلماني قوة اقتراح و رقابة و ضغط عند الاقتضاء حتى لا تحيد الحكومة عن مسارها الصحيح و بالتالي تصحيح ما يجب تصحيحه حتى لا تكون عرضة للسقوط مرة اخرى.

- التزام الحكومة باجراء حوار وطني شامل حول موضوع تونس في افق 2024 و تونس 2050.

- ان حكومة غير حزبية طبقا لهذه الشروط و لمدة محددة و بصفة استثنائية يمكن اعتبارها حكومة اكراهات المرحلة و لكنها حكومة انقاذ البلاد ورسم ملامح المرحلة القادمة لتونس 2020 /2024 و حتى تونس 2050.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا