أزمة الأحزاب بين فوضى خطوط الفرز ومقولة «قَدّم الوسط فارغ»

اياد الدهماني
لفت انتباهي أحد الأصدقاء، بينما نحن نتجاذب أطراف الحديث حول الوضع السياسي، بقوله مازحا: «المشهد السياسي في بلادنا،

كرويّ الشكل مثله مثل كواكب المجموعة الشمسية»، ثم أضاف بأكثر جدية: « هذا المشهد لا بوصلة له، فنحن لا نعرف يمينه من يساره، من وسطه، ولا مواقف الأحزاب، ولا تموقعاتها، وتحالفاتها - المتغيرة كمؤشرات البورصة زمن الأزمات - مما يجعل من شبه المستحيل رسم ملامح أية خريطة سياسية واضحة ومستقرة».
هذا التوصيف، الذي فيه الكثير من الصحة، قد يحمل في طيّه بعض المفاتيح والمداخل لفهم الأزمة العميقة التي تعيشها الأحزاب في بلادنا بعد عشر سنوات من سقوط النظام السابق وأسبابها خاصة فيما يتعلق بالفرز. فالمشهد السياسي في الأنظمة الديمقراطية يحتاج إلى خطوط فرز - lignes de clivage - واضحة، تمنح معنى للتنافس السياسي، أبعد من عقلية القبائل والغنائم، فعلى أساس هذه الخطوط يختار المواطن الأغلبية والأقلية عبر الانتخابات في الديمقراطيات.

فتقسيم المشهد السياسي الى يمين ويسار والذي انطلق مع الثورة الفرنسية حسب مكان الجلوس في البرلمان، حين كان انصار الملك يجلسون على اليمين ومعارضوه على اليسار، تطور مع الوقت إلى تقسيم ذا محتوى سياسي أعمق، يحدده الموقف من القضايا ذات الابعاد القيمية وذات العلاقة بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية أساسا، حيث يمكننا تعسفا وبكثير من التبسيط – لان المجال يضيق هنا عن الخوض في تفاصيل الموضوع – القول أن اليسار عموما هو تيار تحرري على المستوى المجتمعي، يضع على رأس أولوياته مسألة التوزيع العادل للثروة ويؤمن بدور قوي للدولة في الاقتصاد، فيما يكون اليمين عموما محافظا على المستوى المجتمعي، تحرريا على المستوى الاقتصادي، يؤمن بدور أقل للدولة في الشأن الاقتصادي، ويجعل من مسألة فرض النظام والتشجيع على خلق الثروة أولويته.

لغياب مثل هذا التقسيم للفاعلين السياسيين في بلادنا، أسباب عديدة متشابكة ومعقدة، أبسطها، وقد لا يكون أقلها أهمية، أن أحزاب اليسار في أغلبها – عدا أقصى اليسار – لا تريد أن تتحمل عبء الانطباع الحاصل – خطأ في أغلب الأحيان - لدى قطاع واسع من الراي العام بان اليسار دائما ملحد، معاد للدين وللهوية العربية الإسلامية، فتخجل من تقديم نفسها كأحزاب يسارية في مجتمع مسلم ومحافظ.

أحزاب اليمين أيضا، لا تريد ان تتحمل عبء التصور السائد لدى الرأي العام – خطأ أيضا في أغلب الأحيان - بأن اليمين دائما ليبرالي متوحش، يدافع عن رأس المال ويعادي الطبقات الضعيفة، فتتحاشى أن تقدم نفسها كأحزاب يمينية، تفاديا أيضا لأي تصادم محتمل مع حركة نقابية قوية، قد تنجح في شيطنتها لدى الناخبين.

كل هذا جعل أحزابنا تتدافع نحو الوسط، عملا بالمقولة الشهيرة لمراقبي التذاكر في حافلاتنا العمومية الصفراء المكتظة باستمرار: « قدّم الوسط فارغ «، فازدحم الوسط ازدحام الأسواق قبيل الاعياد، واختلط فيه الليبراليون بالاشتراكيين، والمحافظون بالتقدميين، حتى كدنا نسلم بأن الأغلبية الساحقة لأحزابنا اخترعت تصنيفا جديدا في العلوم السياسية هو أحزاب «أقصى الوسط»، بل كاد الصراع بينها يصبح حول من يكون أكثر وسطية من غيره، وفقد النقاش السياسي أي محتوى حقيقي يتعلق بالقضايا الأساسية. وعلى قول الشاعر الراحل الصغير أولاد أحمد، رحمه الله، في نشيد الأيام الستة: «رجل الوسط,, يحتاج ما يحتاج،، محتاج فقط..».

من الأسباب الأخرى لضبابية المشهد السياسي، أن أغلب مكوناته بعد الثورة، لم تكن جاهزة بالفعل للحكم، فوجدت نفسها في وضعية عدّاء هاو يمارس رياضة الجري في نهايات الأسبوع، وجد نفسه فجأة ينافس على ماراثون الألعاب الأولمبية، ولم تكن تحمل – كلها دون استثناء - برامج متكاملة واضحة، تكون عملية وواقعية وفي نفس الوقت متناسقة مع مقولاتها الفكرية، فظلت تتأرجح بين الشعارات التي يقدمها بعض «الخبراء الاقتصاديين» - حين تضطر للخوض في المواضيع الاقتصادية والاجتماعية – حينا، وبين الهروب الى خطوط فرز أخرى أحيانا.

فخلال الثلاث سنوات الطوال التي استغرقتها صياغة دستور الجمهورية الثانية، مثل خط فرز «من مع الإسلاميين؟ ومن ضدهم؟» خط الفرز الأساسي في المشهد السياسي. وهذا كان طبيعيا ومنتظرا، وربما كان ضروريا، نظرا لطبيعة القضايا المطروحة للنقاش في فترة صياغة الدستور، وكانت من نتائجه إعادة تشكل سياسي أدى إلى شبه اندثار لحلفاء النهضة من غير الإسلاميين، وشبه اندثار لمعارضيها من «الثوريين»، حيث كانت الرياح مع من يعادي الإسلاميين أكثر، ولم يكن «الثوريون» الأكثر تأهيلا لذلك، فبرز نداء تونس كوعاء سياسي أساسي لمعاداة النهضة بتركيبة فسيفسائية «وسطية» لم تصمد طويلا بعد الانتخابات.

وبعد هذه السنوات الثلاث الطوال، الضائعة اقتصاديا واجتماعيا على البلاد، كان من الفروض أن يتغير الخطاب السياسي، وأن يتوجه إلى ما يغير الواقع اليومي للتونسيين، وان تكون خطوط الفرز الجديدة على قاعدة البرامج الاقتصادية والاجتماعية، ولكن هذا -للأسف- لم يحصل، حيث دخلت البلاد - بالتقاء الخطين المتوازيين - في مرحلة «توافق» هش، كان ثمنه اخفاء كميات ضخمة من التراب تحت الزرابي على قول الفرنسيين، وتأجيل أغلب القضايا الاقتصادية والاجتماعية الحارقة إلى أن يأتي ما يخالف ذلك. واختبأ الجميع خلف شعارات فضفاضة لا خلاف حولها من نوع: محاربة البطالة، محاربة الفقر، دفع النمو، دفع الاستثمار، انقاذ المالية العمومية، الخ... والقائمة تطول.

بالطبع في هذا قدر لا بأس به من الاستبلاه، حيث لا أحد من العقلاء يمكن أن يكون مع البطالة أو مع الفقر أو ضد دفع النمو. لكن السؤال الحقيقي هو كيف؟ بأية إجراءات وبأية آليات؟ هذا ما يفرق بين اليمين وبين اليسار في الديمقراطيات، وللأسف في غياب برامج واضحة ومتناسقة تبقى هذه القضايا مجرد شعارات. وأمام عجز الأحزاب على تحويل صراعاتها إلى هذه الساحات، حصل انطباع لدى قطاع واسع من التونسيين أن كل ما يشغل الأحزاب معاركها من أجل غنائم السلطة، وأن ما يهم الناس في حياتهم اليومية آخر اهتماماتها.

ولعل من يتابع ما يحدث هذه الأيام، يرى بوضوح أن كل هذا مازال متواصلا، ففي نفس الوقت الذي أعلن فيه المعهد الوطني للإحصاء عن ارقام كارثية، غير مسبوقة، للمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. تواصل أحزابنا نقاشاتها البيزنطية السياسوية. ومن يقرأ تصريحات سياسيينا وبيانات أحزابنا ويستمع إليهم أو يشاهدهم، لا يشعر اطلاقا بأنهم في بلد اقتصاده يترنح، ووضعه الاجتماعي محتقن وموشك على الانفجار. فلا أحد قدم برنامجا عمليا وواقعيا لإنقاذ الاقتصاد. كما لو أن هذا الامر شأن الحكومة وحدها، وليس من جوهر دور الأحزاب.

غياب خطوط الفرز ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي، أي تلك التي يمكن أن تغير من الحياة اليومية للتونسيين، عمّق الهوة بين التونسيين والأحزاب، وجعل قسما منهم يرى في السياسة مجرد لعبة بين الأقوياء - أيا كانت ألوانهم - للهيمنة على السلطة والثروة وهو ما عبرت عنه مؤخرا موجة الارتياح الكبيرة لقرار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف بتشكيل حكومة خالية من الأحزاب. هذا الارتياح الشعبي الحقيقي لا بد ان يدق صافرات الإنذار في كل مقرات الأحزاب ويدفعها الى مراجعات عميقة عاجلة.

طيلة السنوات الأخيرة، تعددت خطوط الفرز، في فوضى غير خلاقة، وتشابكت بين من يدافع عن النظام السابق ومن هو ضده، وبين من مع الامارات ومن مع قطر، ومن مع تركيا ومن مع مصر ومن مع الفساد ومن ضده، ومن مع رئيس البرلمان ومن ضده، وغابت عن صراع السياسيين مشاغل الناس، فلم يعد المتابع للشأن السياسي والمواطن بشكل عام يفهم شيئا من تموقعات الأحزاب. وتوقف بعد اعياء عن مجرد بذل مجهود لفهم هذه الطلاسم. إلا أن خط الفرز الذي عاد ليفرض نفسه من جديد على المشهد، وبقوة، هو من مع الإسلاميين ومن ضدهم. وهذا من شأنه أن يزيد الأمور تعقيدا في قادم الأيام.

فالفرز على هذه القاعدة سيزيد من تعثر المسار السياسي، بما هو فرز قائم أساسا على نفي الآخر، وعدم الاعتراف به، وفي نفس الوقت سيزيد من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، حيث ان اقصاء هذا الطرف او ذاك من المشهد السياسي لن يؤدي إلى حل مشاكل البلاد الاقتصادية والاجتماعية بعصا سحرية، خلافا لما يحاول ترويجه البعض. بل ان تجاوز هذا الفرز والعودة بالصراع السياسي الى خطوط الفرز الاقتصادية والاجتماعية أضحى مسالة حيوية للحفاظ على النظام الديمقراطي واسترجاع ثقة المواطنين فيه. ولكن يبقى السؤال الحارق والأكثر تعقيدا: كيف ؟

لا بد من الإقرار أولا ان ادانة الخطاب الاستئصالي والإقصائي مسألة مبدئية لكل من يؤمن بالديمقراطية، ولكن هذا لا يجب أن يمنعنا من الاعتراف بأن لحركة النهضة قسم هام من المسؤولية في استمرار مثل هذا الخطاب، فرغم ان المصادقة على دستور الجمهورية الثانية كان من المفروض ان يضع حدا لهذا التناحر الأيديولوجي، بالوصول الى توافقات تاريخية حول طبيعة الدولة وحول العقد الاجتماعي الذي ينظمها، الا اننا نجد انفسنا بعد سبع سنوات من هذه المصادقة، أمام حركة عجزت بشكل كبير عن اقناع عدد هام من النخب بمدنيتها، وبالتزامها بمنظومة الحقوق والحريات. ورغم سوء النية البيّن لدى قسم من الطرف المقابل فإن هذا لا يعفيها من مسؤوليتها. وعدم وعيها بهذه المسؤولية لن يزيد الا في دفعها للتقدم على طريق مسدود.

وبعيدا عن التكتيكات السياسية، مازالت قطاعات كبيرة من المجتمع تحمل مخاوف حقيقية من «أخونة المجتمع»، وتعتبر ان الحركة تمارس «التقية»، والخطاب المزدوج. ولم تجد في السلوك السياسي للنهضة ما يبدد هذه المخاوف. وكان على الحركة، إذا كانت راغبة حقا في تشكيل مشهد سياسي مستقر، تندمج في اطاره كمكون طبيعي، يمارس السياسة على أساس القواعد الديمقراطية والتداول على الحكم، أن تكون مواقفها أكثر وضوحا، وأن تعمل على بناء ثقة مع «الحداثيين» أحزابا ونخبا ومثقفين. بعيدا عن رهانات الحكم والسلطة، فالاتفاقات من داخل هذه الرهانات لوحدها لا تكفي. وللأسف هذا لم يحدث، أو على الأقل لم تنجح فيه إلى حد الآن. وأظن انه حان الوقت لأن تقوم به بجدية قبل فوات الأوان.
نعم، حان وقت المراجعات للجميع، وهذا المقال وغيره يندرج ضمن مراجعات أجدني – كمهتم بالشأن العام، بعد ان اعتزلت العمل السياسي – مدعوا للقيام بها بناء على قراءة ذاتية لأخطائنا في الماضي القريب. فاليوم بعد عشر سنوات من الثورة، لا بد من تقييم شامل لأداء كل الفاعلين، حتى لا تمتد أخطاء الماضي في المستقبل، وحتى لا تسير ديمقراطيتنا الفتية من انتكاسة إلى أخرى.

خروج الأحزاب المرتقب من جنة الحكم للجميع، الى صحراء اللاحكم واللامعارضة، قد يكون فرصة أخيرة، لمراجعات يقوم بها الجميع بلا استثناء لاعادة ترتيب المشهد السياسي، وبناء الثقة وتبديد الضباب، والعودة بالتنافس والصراع السياسي إلى ما ينتظره التونسيون أي المجال الاقتصادي والاجتماعي بمقترحات عملية وواقعية بعيدا عن شعارات السنوات الأخيرة. علّهم يستعيدون ثقة التونسيين التي تبددت في وقت قياسي. وهذا يحتاج إلى خّطي فرز اثنين أساسيين. الأول سياسي: «لا تعامل سياسي للديمقراطيين مع من لا يؤمن بالديمقراطية». والثاني اقتصادي واجتماعي على قاعدة منظومة القيم والمنطلقات الفكرية للعائلات السياسية. بكل شجاعة ومسؤولية، بعيدا عن رياء «أقصى الوسط» ونفاقه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا