منبــــر: الشخصية التونسية «المستنفِرة» كورونا النفور بين السياسيين

بقلم: الدكتور محمود الذوادي
عالم الاجتماع
• فهم المشهد السياسي برؤية مختلفة
هناك مشروعية كبيرة اليوم لتحليل المشهد السياسي التونسي من خلال رؤية العلوم الاجتماعية. فالمشهد السياسي في أي مجتمع هو عبارة على مجموعة

من السلوكيات الفردية والمجتمعية التي تهتم بفهمها وتفسيرها خاصة علوم السياسة والاجتماع والنفس. رأينا من المناسب إلقاء الضوء على ذلك المشهد من خلال منظور علم النفس الاجتماعي.فهذا الفرع من العلوم الاجتماعية يهتم بدراسة النفسي والاجتماعي في حيا ة وسلوكيات الأفراد والجماعات بحيث يعتبر الكائنات الإنسانية كائنات نفسية اجتماعية ثقافية في الصميم. نستثمر في هذا المقال استعمال بعض الأفكار والمفاهيم التي توصلنا إليها نتيجة لحفرنا المستمر في التربة الاجتماعية والنفسية والثقافية للمجتمع التونسي. وبالتالي فهي لصيقة أكثر بواقع هذا المجتمع من نظيراتها المستوردة . إن أشهر مفهوم نستعمله بلمساتنا الخاصة لدراسة المشهد السياسي التونسي وتشخيص معالمه هو مفهوم ما يسمى الشخصية القاعدية.
• ما هي الشخصية القاعدية ؟
ينشئ كل مجتمع شخصية جماعية عامة ذات بعض السمات الخاصة يشترك فيها أفراد المجتمع. تُسمّي العلوم الاجتماعية الحديثة هذا النوع من الشخصية الجماعية /المجتمعية الشخصية القاعدية، أي الشخصية العامة النمط السائدة في المجتمع. فهي حصيلة لعوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية في المجتمع. ومنه، فحتى المجتمعات المتجاورة والمتشابهة في تلك العوامل طالما تبرز فيها شخصيات قاعدية مختلفة قليلا أو كثيرا عن بعضها البعض كما هو الحال، مثلا، في الاختلافات بين الشخصيات القاعدية في الجزائر وتونس والمغرب. إن ملك خريطة الشخصية القاعدية لأي مجتمع هو مفتاح عزيز لمن يود فهم وتفسير الكثير من ظواهر ومعالم المجتمعات وسلوكيات أفرادها.
• بعض معالم الشخصية القاعدية التونسية
تفيد ملاحظتنا في المجتمع التونسي أن الشخصية التونسية القاعدية تتصف ببعض السمات نقتصر على ذكر بعضها لمساعدتها لنا في هذا المقال على تحليل المشهد السياسي التونسي بعد ‘ثورة’ 2011. وهذه هي بعض تلك السمات: الشخصية التونسية شخصية مستنفرة وقليلة التواضع ومرتبكة الهوية الثقافية وكثيرة الكلام البذيء والاستعمال للعنف الجسدي في تعاملها مع الآخرين. نودّ أن نطرح هنا مقولتنا الرئيسية التي تدعي أن الشخصية القاعدية التونسية شخصية مستنفرة في تعاملها مع - من نريد أن نطلق عليه - التونسي الغريب أو « البراني « (1). إن كلمة مستنفر تعني في اللغة العربية شدة النفور أي الجزع من الشيء (أو الشخص) والابتعاد عنه. فالشخصية التونسية المستنفرة هي شخصية ينقصها حافز التعاطف والتقارب مع التونسي الآخر الغريب/ البراني. فسمة النفور هذه تجعل سلوك التونسي في تعامله مع التونسي الآخر (البرّاني) يتسم على العموم بما يمكن أن نطلق عليه بالحذر والتوتر والخوف والتوجس، ومنه اللجوء السريع إلى الخطاب العنيف والعنف الجسدي ضد ذلك التونسي. إن مثل هذا الموقف اللاشعوري المتشنج الخفي عند التونسيين والتونسيات يفسر- من بين ما يفسر- كثرة السلوكيات العدوانية التي تحدث بينهم. فشدة استعمال الكلام البذيء والتعنيف بالأيدي وغيرها في البرلمان التونسي مثال حي وحيني على مفهوم الشخصية التونسية المستنفرة. وتخفيفا لثقل صفة النفور من الآخر/البراني يلجأ التونسيون والتونسيات إلى استعمال رصيدا من الكلمات تقلل من حضور تلك الصفة. فتُستعمل كلمات القرابة مثل « ياخوي يابابا ياعمي ...». تساعد أيضا بعضُ السمات الأخرى المذكورة أعلاه للشخصية التونسية القاعدية على تعزيز سمة النفور في صلب بنية الشخصية القاعدية التونسية. فضعف هاجس التواضع وامتلاك ناصية الكلام البذيء يبدو أنهما لا يعملان لصالح التقارب والتعاطف والتلاحم بين أفراد المجتمع التونسي سواء في ميدان السياسة أو في غيره.. يساعد مفهوم النفور في الشخصية التونسية تفسير بعض السلوكيات التونسية: يقلّ الحديث الايجابي عن التونسي الآخر لدى التونسيات و التونسيين.ف»التقطيع» ظاهرة لها نصيب الأسد بينهم. ومنه، تسود عندهم برودةُ الترحيب بنجاح الزملاء والآخرين. مثلا، يردد بعض الصحافيين أن الزملاء الصحافيين التونسيين لا يكادون يقولون كلمة خير عن بعضهم البعض،بل يقتصرون على النقد والهجوم.
• رواق مفهوم «البرانية»
يجوز استعارة مفهوم الشخصية التونسية المستنفرة لاستعمالها في تحليل المشهد السياسي التونسي بعد ‘الثورة’. فالنفور بالمعنى الوارد أعلاه ظاهرة منتشرة بين الأحزاب والحركات السياسية في المجتمع التونسي منذ ‘الثورة’. يتجلى ذلك اليوم ليس بين الأحزاب فقط وإنما داخلها أيضا كما هو الحال في صلب حزب نداء تونس كما تجلى ذلك في ميلاد حزب تحيا تونس كفرع مستنفر من الحزب الأب لنداء تونس. كما تنتشر هذه الظاهرة لدى أحزاب متوسطة أو صغيرة الحجم مما قاد إلى انتشار ظاهرة ‘السياحة بين الأحزاب’. ومن المؤكد بهذا الصدد أن أكبر معالم النفور الحزبي في المشهد السياسي التونسي يبرز في موقف كثير من الأحزاب من حركة النهضة. فهي لدى تلك الأحزاب حزب «براني» عن نمط منظومة الثقافة السياسية للمجتمع التونسي.
• محركا الشخصية التونسية المستنفِرة
اعتمادا على ما ذكرنا، يمكن القول إن هناك عاملين رئيسيين يدفعان الشخصية التونسية إلى النفور من التونسي الآخر:1- بعض السمات الثابتة في بنية الشخصية القاعدية التونسية مثل التوجس من التونسي الآخر/ البراني وندرة التواضع وكثرة الكلام البذيء لدى هذه الشخصية مما يجعلها مهيأة لتبني الكثير من السلوكيات التي تعكسها منظومة الشخصية التونسية المستنفرة.2- يأتي أيضا نفور الشخصية التونسية من التونسي الآخر من اختلاف العناصر الثقافية بين التونسيين. فالصراعات داخل الأحزاب وبينها طالما تكون نتيجة لاختلافات في الرؤى السياسية والثقافية لتلك الأحزاب. إن أبرز هذه الاختلافات الثقافية بين الأحزاب تظهر بين حزب النهضة ومعظم بقية الأحزاب التونسية اليوم. تنظر تلك الأحزاب عموما إلى حركة النهضة على أنها عبارة عن ‘حزب براني’ لأنه يعطي أولوية إلى الإسلام واللغة العربية. والسؤال المشروع في هذا السياق: لماذا لا يكاد معظم باقي الأحزاب يولي أهمية مركزية إلى قطبيْ الهوية العربية الإسلامية للشعب التونسي : الإسلام واللغة العربية ؟ وهو سؤال مشروع يندر أن يطرحه أحد في تلك الأحزاب. مما لا شك فيه أن درجة الفرق في الانتماء إلى الهوية العربية الإسلامية يفسرها التكوين التعليمي والشخصي (لغة ودينا وفكرا) للتونسيات والتونسيين. تساعد أطروحة كتاب العقل العربي 1983 للباحث رافئيل باتاي على إلقاء أضواء على ضُعف هاجس الانتماء لدى بعض الأحزاب التونسية للانتماء إلى الهوية العربية الإسلامية. فيشخص مؤلف الكتاب آثار التعليم المزدوج اللغة في مجتمعات المغرب العربي لصالح الفرنسية وثقافتها. فوجد أنّ هذا النوع من التعليم طالما يؤدي إلى الأعراض التالية لدى خريجيه: 1 ـ الانتماء إلى ثقافتين دون القدرة على تعريف الذات بالانتماء الكامل لأي منهما.2 ـ التذبذب المزدوج يتمثل في رغبتهم كسب علاقة حميمة كاملة مع الغرب ومع مجتمعهم في نفس الوقت دون النجاح في أي منهما. 3 ـ يتصف خريجو ذلك التعليم بشخصية منفصمة ناتجة عن معايشة عاملين قويين متعاكسين: الارتباط بالثقافة العربية والانجذاب إلى الثقافة الغربية 4 ـ عداء سافر للاستعمار الفرنسي يقابله ترحيب كبير بلغته وثقافته. ومقارنة بملاحظات الكتاب هذه، فإن الأغلبية الساحقة من التونسيات والتونسيين قبل ‘الثورة’ وبعدها لا تتحدث إلا بفخر واعتزاز عن نظام التعليم المزدوج اللغة والثقافة كما عرفته التجربة التونسية قبل الاستقلال وبعده. وهي- من الناحية الموضوعية العلمية - رؤية مبنية على جهل بأبجدية تعلّم لغة الغير وثقافته بطريقة سليمة كما تفعل المجتمعات المتقدمة خاصة في الغرب والشرق.
• نفور سعيّد والمشيشي من الأحزاب
يتجلى من أفكار هذا المقال أن إقصاء الأحزاب المنتخبة من تشكيلة حكومة المشيشي المنتظرة ليس بالسلوك السياسي الغريب من طرف أعلى هرم السلطة في البلاد. فمعروف أن الرئيس قيس سعيّد شديد النفور من منظومة الأحزاب. ومنه، يُنتظر من طالبه هشام المشيشي أن لا يتردد في تنفيذ أوامر أستاذه ورئيس الدولة التونسية. فلهذا النفور من الآخر /البراني (الأحزاب) انعكاسات شتى نكتفي بذكر اثنين:1- فهذا النفور ليس في صالح التضامن بين جميع السلطات السياسية العليا في المجتمع التونسي.وبالطبع، فلذلك آثار سلبية على مسيرة هذا المجتمع المرهق أصلا.و2- يمثل هذا النفور من الأحزاب إجهاضا لحركة الديمقراطية التونسية الناشئة، وهو سلوك سياسي فوقي يُفسد معنى حدث الثورة نفسها التي يصف بها الكثيرُ من التونسيين وغيرهم التغيير الديمقراطي الكبير الذي شهده المجتمع التونسي في مطلع سنة 2011.
• المراجع:
- محمود الذوادي (2006) الوجه الآخر للمجتمع التونسي الحديث، تونس، تبر الزمان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا