ما كانت العدّة سجنا للمرأة ..

ما يبنى على باطل فهو باطل.. فعديدة هي المفاهيم التي تدور في أذهان الناس وهي خاطئة وباطلة ويعتقد بصحّتها ويبنى عليها الجدل

وتتكوّن اللجان والندوات من ذلك إشكالية عدّة المرأة فهذه القضيّة تعدّ من جملة ما يتجادل حولها الناس دون فهم حقيقتها .. لذا نأتي تفصيلا على بعض التوضيحات: العـدّة هي فقط عـدَم الدخول الفعليّ على المـرأة ، وفي العـدّة تُمارس الأنثى حياتهـا الطبيعية وتخرجُ من البيت، قال تعالى: «يتربّصْنَ بأنفسهنّ» سورة البقرة 234 ، و لم يقُل: فاحبسوهنّ في البيـوت ، أيْ فقط تنتـظر الأنثى عـدَم الزواج حتى انتهاء فترة العـدّة ، كيْ تُمحى الذاكـرة الكيميائية في عـنُق الرحم و يُسـمح بدخول نطاف جـديدة للرحـم بالزواج الجـديد .
و يجـوز للأنثى أثنـاء العـدّة حتى اللقاء السـريّ مع الشابّ الذي يُريد خطبتهـا ، يقول تعالى: «ولا جُناحَ عليْكُم فيمـا عـرّضْتُم بـه منْ - خطبة النساء - .... فـلاَ تُواعدوهنّ - سـرّاً - إلاّ أنْ تقولوا قولاً معروفاً ، ولا تعزمـوا عُقـدةَ النكاح حتّى يبلُغَ الكـتابُ أجله .. و اعـلموا أنّ الله غفـورٌ حـليم « سورة البقرة 235 . و معنى هذه الآية الكريمة ، أنّه يجوز للأنثى خلال العـدّة حتى أنْ تقوم باللقاء السـريّ مع شـابّ يُريدُ خطبتهـا ، و يتحدّث معهـا بالقول المعروف ، و لكن لا يجـوز الدخول بالمرأة: «عُقدة النكاح»، حتى انتهاء فترة العدّة: «حتّى يبلُغَ الكتابُ أجله»، و نهاية هـذه الآية : «واعلموا أنّ الله غفـورٌ حليم»، فلا تتشَـدّدوا على الناس و تحبسوا الأنثى داخل البيت بلا ذَنْبٍ ترتكبه ، فهي ليستْ المسـؤولة عـن وفاة زوجهـا.
إنّ المفهوم الخاطىء للعـدّة ، هو الذي وضع هذه الأفكار السـوداء بين الناس و لكنّ الحـقيقة الدينيّة والعلميّة للعـدّة هي : العـدّة ليْست سـبباً لإثبات الحَمـل ! فقط ، و ليسَتْ مُراعاةً لمشاعر الرجال!، و ليْست سـجناً للمـرأة في البيت بسبب وفاة زوجهـا، و لكنّهـا من أجْـل إعادة توازن الطـاقة عـند المرأة ، و لذلك كانت العـدّة للنساء دون الرجال . وبيان ذلك : 1 _ العـدّة ليْسـتْ سَــبباً لإثبـات الحَمـل ، لأنّ المرأة قبل سـنّ البلوغ وبعد انقطاع الدورة عندهـا ، عليهمـا عـدّة ، يقول تعالى : «واللائـي يـئـسْـنَ منَ المحيض من نسائكم إن ارتبـتُم، فعـدّتهُنّ ثلاثة أشهُر ، واللائي لـم يحـضْنَ» سورة الطلاق 4 ، و هـذا إثباتٌ واضح أنّ العـدّة ليس لهـا علاقة بإثبات الحمْل فالمرأة التي لـم تصل سـنّ البلوغ إذا تـمّ عـقْد قرانهـا ، ثُمّ تـمّ طلاقها ، فعليهـا عـدّة . 2 _ العــدّة ليْسـتْ مُـراعاةً لمشاعر الرجال، لأنّ العـدّة قد تكون يومـاً واحداً فقط بعد وفاة الرجل، فإذا كانت الزوجة حامـلاً و توفيّ زوجهـا، وولدت في اليوم التالي، فإنّ عدّتهـا تنتهي بولادتهـا، يقول تعالى: «وأولات الأحمـال، أجلهُـنّ أنْ يضعْـنَ حملهُـنّ» سورة الطلاق 4 ، فالنساء الحوامل عـدّتهن مختلفة حسـبَ وقت الولادة لكلّ واحدة، و لذلك ليست العدّة وقْت محدّد وفاءً للزوج، فقد تكون العدّة يوماً واحداً إذا ولدت المرأة في اليوم التالي لوفاة الزوج ، و قد تكون حوالي تسعة أشهر إذا توفيّ الرجل و زوجته في بداية حملها . . 3 _ يُرجى منَ الجميع التفكير جيّداً في هذه الحالة : إذا تـمّ عقد القران على إمرأة ، و لـم يتـّم الدخول و الزواج منها ، و ذلك لسـببين : _ إذا تـمّ طـلاقُهـا من الزوج دون الدخول بها ، فليس عليها أيّ عدّة و لا ساعة واحدة ، يقول تعالى : « يا أيهـا الذين آمنوا إذا نكحتُم المؤمنات، ثُـمّ طلّقتموهنّ منْ قبل أن تمسوهُنّ ، فما لكم عليهنّ منْ عـدّة تعتـدّونهـا » سورة الأحزاب 49 ، و في هذه الحالة يُمكن للمرأة الزواج من رجل آخر بذات اليوم ، دون مراعاة لمشاعر الرجل الذي طلّقـها . _ إذا توفيَ الزوج وفاةً ، وأيضاً بدون الدخول بهـا ، فعليهـا عدّة الوفاة أربعة أشهر و عشرة أيام . فلماذا إذا انفصـلا بالطلاق لا يوجد عدّة ، و إذا انفصلا بالموت فيوجد عدّة ، مع أنه في الحالتين لـم يتمّ الدخول و الزواج بها ؟!! . _ أرأيتُم الآن : أنّ العدّة ليْس لهـا علاقة بتحديد الحمْل ، أو تكريمـاً لمشاعر الرجُل . 4 _ إنّ العــدّة ليْست سـجناً للمرأة في البيت ، فهذه عادات و تقاليد دخلت في الدين من زمن التسلّط على المرأة، فالمرأة ليْست المسؤولة عن موت الزوج كيْ تُعاقب بالسجن المشـدّد لأربعة أشهر ، وقد سـمعْتُ الكثير من النساء يقُلنَ لأزواجهنّ : « ليتني أموتُ قبلك كيْ لا اُسـجنَ في العدّة من بعدك» . _ والسبب قوله تعالى: « ولا تزرُ وازرةٌ وِزْرَ اُخـرى» سورة الإسراء 15، فمـا ذنْبُ المرأة إذا توفيَ زوجهـا قبلهـا؟ الله يقول بكلّ وضوح : «والمطلّقات - يتـربّـصْـن - بأنفسـهنّ ثـلاثة قُـروء» سورة البقرة 228 ، و كلمة: يتـربّـصْـن تعني ينتظـرْن دون زواج ، مع الخروج من البيت و متابعة الأعمال و أن تعيش المرأة حياتهـا الاعتياديّة ، فلو كانت العـدّة هي سـجْن المرأة ، لقالَ تعالى : « فامسكوهُنّ في البيوت « ، لكنّ قال : « يتربّصْنَ « فقط . . لذلك : إنّ العـدّة هي منْ أجْل إعادة توازن الطـاقة في جسم و نفسيّة النساء ، لذلك تـمّ فـرضهـا على النساء دون الرجال ، لأنّ حـالة الـزواج و خاصّةً المعاشرة الجنسية، هي بالنسبة للرجـال تـأدية وظيفة أكثر منها عاطفة ومشاعر و أحاسيس ، و هذا نراه حتى عند الذكور في المخلوقات الأخرى ، حيثُ يؤدّي الذكَر واجبه الجنسي مع الأنثى في موسم التزاوج ثُـمّ ينصرفُ بعيداً . _ بينمـا المعاشرة الزوجية بالنسبة للنساء هي مشاعر وأحاسيس ومحبّة وحنان من أجل الأمومة ، و ليْست تأدية وظيفة مثل الرجال. لذلك بعد الانفصال عن الزوج ، لا بُـدّ لهـا من فترة زمنية «العـدّة»، من أجل إعادة التوازن النفسي وتوازن الطـاقة في جسمها ونفسيّتهـا ، و لذلك كانت أوقات العدّة مختلفة حسَبَ كلّ حالة منَ الحالات ، فقد يكونُ زمن العدّة صـفْر ، في حالة طلاق الأنثى قبل الدخول بها ، و قد تصل العدّة حوالي تسعة أشهر في حالة وفاة الرجُل و الزوجة في بداية حملها كمـا قلنا ، والعدّة مطلوبة حتى و لو كانت الزوجة متقدّمة في السنّ و لا تُنجب : «والذين يُتوفّونَ منكم ويذرون أزواجاً - يـتـربّـصْـنَ - بأنفسـهنّ أربعة أشْـهُرٍ وعشْـراً» سورة البقرة 234 .
ونورد وفق النص القرآني الثابت فترات العـدّة عند النساء : خلافا لما يروّجه المطالبون بسنّ قوانين توقف العمل بالنظام الربّاني في اعتداد المرأة : 1 المُتوفّى عنها زوجها و هي غير حامل : عدتها أربعة أشهر + عشرة أيام : «و الذين يُتوفّون منكُم و يذرون أزواجاً يتربّصْن بأنفسهنّ أربعة أشهرٍ وعشراً «سورة البقرة 234 . 2 الحامل: سواءٌ كانت مُطلّقة أو متوفّى زوجهـا : عدّتها حتّى تلد»، و أولات الأحمال أجلهُنّ أنْ يضعْن حملهُنّ «سورة الطلاق 4 . 3 المُطلّقة التي تحيض: عدتها ثلاث حيضات»، و المُطلّقاتُ يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قُروء سورة البقرة 228 ، و كلمة قـرء تعني: «فترة الحيض+ فترة الطهر». 4 المُطلّقة التي لا تحيض : عدّتها ثلاثة شهور ، « و اللائي يئسْنَ منَ المحيض منْ نسائكم إن ارتبتُم فعدّتهنّ ثلاثة أشهُرٍ، و اللائي لمْ يحضْن» سورة الطلاق 4 . 5 الزوجة غير المدخول بها : ليس عليها عدّة إذا كانت مُطلّقة : « يا أيها الذين آمنوا إذا نكحْتُم المؤمنات ثُمّ طلقتموهنّ منْ قبْل أنْ تمسّوهنّ فما لكم عليهنّ منْ عدّة» سورة الأحزاب 49، أمّا إذا تُوفّي زوجُها وفاةً : عليها عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام.
وهنا فالأصل أن تلتزم المتوفى عنها زوجها بملازمة بيتها كغيرها من المعتدات حتى انتهاء عدتها، فإن احتاجت إلى انتقال كانتقالها لمراجعة طبيب أو أداء عملها أو شراء احتياجاتها فلها ذلك بلا حرج، ولا مانع من الذهاب لقضاء شؤونها مثل إنهاء إجراءات وفاة الزوج وإعلام الوراثة والمعاش، وزيارة المريض من أهلها القريبين من مسكنها، وكذا البعيدين إن كان والدًا أو والدة، ولكن لا يجوز لها الخروج للترفيه والتنزه ما لم يكن بعضه موصوفًا من طبيب للخروج من حالة اكتئاب مثلًا لشدة حزن ونحوه، مع مراعاة الضوابط الشرعية والاقتصار على ما تندفع به المضرة، وعلى ذلك فلا إفراط في العدة بالمبالغة في الحزن والتضييق على النفس بمنع المباح، ولا تفريط فيها بما يؤدي إلى تضييع أحكامها.
وهكذا فليست العدّة سببا آخر يضاف لسجن المرأة والتحكّم في حريّتها بقدر ما هي سبب لصونها ومزيد تكريم نفسيتها وموقعها الأسري والاجتماعي ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا