في الانتساب إلى البورقيبية من عدمه: استسهال الانتماء و الرفض دون عناء

بقلم: محمد فوزي معاوية 

لقد لاحظنا استسهالا للانتماء للبورقيبية او في رفضها و حتى التشهير بها فهناك من فهموا و انخرطوا في البدايات

ثم انسلخوا أو تجاهلوا في النهايات ولكن لفائدة مشروع ادنى آفاقه محدودة فمسدودة لعشريات خلت...

والحقيقة أننا لم نتفق بعد في مفهوم واضح للبورقيبية و قد لا نتفق مستقبلا في ذلك و حتى الحوار الصريح والمعمق لم يحصل لأ سباب منها التفكير السطحي ومستلزمات التلاعب السياسوي و البحث عن السلطة دون عناء اقامة الرؤية الضرورية و المشروع المطلوب.
نضيف الى ذلك ومن جهة تبدو معاكسة الانغلاق الاديولوجي يمينا و يسارا على حد السواء وآثار ذلك باقية الى اليوم وفاعلة الى حد ما.

اتساع « الطلب» حول البورقيبية و شح « العرض»
أما التاريخ و المؤرخون فلم يتمكنوا الى اليوم من اخراج الموضوع من دائرة التاريخ الرسمي الى الدائرة العلمية الآكاديمية وهكذا لم يساهموا بجدية في مسعى بناء « الأمة التاريخية » و المقصود هنا هو ذلك المجتمع الواعي بتاريخه و القادر الى هذا الحد أوذاك على اعتماد قراءات نقدية له.
والملفت للانتباه ان تواتر الأحداث منذ 2011 والتغيرات الحاصلة ولدت لدى أوساط واسعة « الطلب » طلب معرفة ما حدث مع بورقيبة وما هي حصيلة مسيرة تونس في عهده فكان « عرض» المؤرخين لا يفي بالحاجة والحقيقة أن كتاباتهم لم تكن موجهة لعموم الناس فحصل أن فتحت الأبواب كما هو الشأن في أغلب الأحيان وفي الكثير من البلدان « لمؤرخي الظرف الراهن» الذين يتدخلون لتقديم اجابات في خضم الأحداث الحارقة، صحافيون وفنانون وأدباء وغيرهم كثيرون يكتبون التاريخ و « الطاولة ترتعش » كما يقال أي في الزمن الذي تجري فيه الأحداث دون تلك المسافة الزمنية الفاصلة التى تتطلبها الكتابة التاريخية في صيغها العلمية.

البورقيبية الانتحالات و التوظيفات
الاستسهال الحاصل عن قصد أو عن غير قصد في الرجوع الى « البورقبية » لتمجيدها أو ثلبها أو التنكر لها ارتبط مع الأسف بصراعات حول السلطة دون بناء رؤية و مشروع و اعتماد منهج و آليات لبنائه وتحقيقه على أرض الواقع.
و رأينا كيف انقلب المشروع راسا على عقب، فالشباب و ضعاف الحال المنتمون الى طبقة وسطى - هي «الكنز» الموروث - هم الذين طالبوا بالكرامة و الحرية والعدالة
لقد ثاروا وإن شئتم انتفضوا بروح « بورقيبية » في اعتقادنا لأنهم اكتسبوا الوعي المواطني نساء و رجالا بفضل ما أقامته البورقيبية في الأذهان و في المجتمع من تحولات بلغت الريادية في الأوطان العربية و النامية وهم الذين طلبوا من النخب السياسية و غير السياسية أن تبلور المشروع في كنف الروح الوطنية العالية و مفهوم الدولة و الايمان

بالانسان و انسانيته ونكران الذات و النزاهة...
ولكن لم يحصل رجع الصدى و لم يلمسوا شيئا ذا بال من قياديين و احزاب تكاثرت في ضبابية خانقة ومن كثيرين انتحلوا صفة الزعامة وهم منها براء.
لقد أدركوا - على العكس - أن المسار أصبح معاكسا لما تعهدت به الدولة الوطنية سابقا بتوجهاتها العصرية و التقدمية الاصلاحية و ان انحرافا رجعيا بكل ما تعنيه الكلمة من عمق تأكدت مساعيه و أن مأزقا تاريخيا بدأنا الدخول فيه و قد يصعب الخروج منه و أن الفتور الحاصل لمشروع الدولة الوطنية ناجم عن غياب «القياديية» التى اعتمدها جيل بورقيبة استباقيا و هو جيل «يساري» متأصل ان صح التعبيربما يعنيه اليسار من تيار واسع بني على قيم و مبادئ ومرجعيات تتجاوز القوالب الحزبية الضيقة ومنتحلي الصفات دون واقعية و بلا ثبات.

البورقيبية لن تموت لأن القوالب الجامدة لاتسعها
الخطأ الشائع عن قصد أو عن غير قصد يتمثل في اعتقادنا في وجود قصور بانتشار رؤية تقوم على» مقاربة «شديدة الاختزال، احادية الجانب تكتفي بالتأكيد على أن البورقيبية لا تعدو أن تكون مرجعيات فكرية وقيم ومبادئ تقوم على الاصلاح و التقدم و الأنفتاح.
نعم هي كذلك و لكن ذلك غير كاف لأنها في حقيقة الامر أوسع بكثير دون أن تشكل وصفات جاهزة صالحة لكل مكان و زمان كما يعتقد البعض في اطار نزعة توظيفية قد تعين على الوصول الى الحكم لكنها لن تؤسس لانبعاث النفس التاريخي المطلوب لاعادة الربط مع مشروع الدولة الوطنية بروح الابتكار و التجديد ومسايرة متطلبات التطورات الحاصلة.

و لفتح مجال قد يعين على اقامة بعض التوضيحات لابد أن نؤكد و أن البورقيبية فضلا عن المرجعيات والقيم والمبادئ قامت على الجوانب الأساسية التالية

ـ رفض الاديولوجيات المغلقة المقامة على أولويات الرابطة الدينية أو الرابطة العربية او رابطة العالمية الاشتراكية ، فلقد راهنت على « الأمة » التونسية و على و اقعية تأسست في نفس الوقت على البراغماتية وعلى اعتبار موازين القوى و سياسة المراحل في اقامة الأهداف والتحالفات في الداخل و الخارج.

ـ البعد الانساني و الايمان بالأهمية القصوى لبناء الوعي والنهوض بالموارد البشرية بفضل التعليم والتوعية و تحرير المرأة و ضمان الصحة للجميع و أن الدولة و النخب في خدمة « الأمة » لتكتسب أسباب المناعة والنهوض و تتنزل أولوية « الأتصال المباشر» في هذا المنحى « الأنساني» بما يعنيه المفهوم من ايمان بقدرات الانسان و اولوية المكانة التى لابد أن يحظى بها.

ـ القيادية و الشجاعة السياسية و ذلك بما يعنيه مفهوم « القيادية « من معاني حديثة تتمثل في بناء الرؤية و تحديد التوجهات الاستراتيجية و اقامة المشروع وتحديد مراحل انجازه و خاصة الاعتماد على هياكل وصيغ تشاركية فعلية وعلى الفريق القيادي المتماسك و الفاعل نتيجة صدق ايمانه بالمشروع و استيعابه لفهوم الدولة .
فلم تكن -كما يتصور البعض- القيادات المصاحبةللبورقيبة دمى يحركها كما يشاء ومتى يشاء لا تجتهد فيما تقوم به مكتفية بتنفيذ توصياته هوالمنعوت «بالمغالومانية» كأغلبية القادة التارخيين.
ثم أن الواقعية و المرحلية و الثبات في قراءة موازين القوى تقترن بالشجاعة أي باستغلال المنافذ الصغيرة التى قد يوفرها الظرف التارخي لاختصار المسافات في الانجاز و ذلك ما يفتقده أغلبية السياسيين قبل وبعد 2011 و هي في اعتقادنا مسألة جوهرية تستحق الاعتبار.

ـ أولوية البعد الاجتماعي «الدولة في خدمة الجميع».

لم يكن هنالك مكان للدولة « الراعية» و حتى «المانحة» في ظل الاختيارات البورقيبية، فلقد آمنت البورقيبية بالنخبة و الدولة و المجتمع في تفاعل ثلاثي متوازن .
الانسان هو المركز و العدو الأول هو الفقر والجهل و المرض ولا معنى للدولة خارج خدمة المجتمع فهي القاطرة للتنمية الشاملة.

و لم تكن الأبعاد التسلطية التى كانت موجودة و الحق يقال الا في خدمة هذا الاتجاه و ان وجدت أصوات من داخل الحزب عندما أصبح « اشتراكيا دستوريا » في مطلع الستينات أكدت و أن لا معنى لاشتراكية تقوم على الفرض بالقوة دون ايمان الشعب و مشاركته الفعلية ذلك ما ذهب اليه المناضل الوطني و النقابي أحمد التليلي مستبقا الجميع يسارا و يمينا من داخل السلطة او من خارجها في طرح المسألة الديمقراطية التى لم تكن ضمن الأولويات الى السبعينات من القرن الماضي وقد كانت غير ممكنة دون حد ادنى من التقدم الاجتماعي لدى البعض وهي ترف بورجوازي لدى البعض الآخر.
أما انتقاد جماعة «الاسلام السياسي»، وحزب النهضة وهم من المحافظين ، لسلطوية الدولة البورقيبية فيدخل في خانة أخري تتعلق لديهم « بالتدافع الاجتماعي» واسبقية الدعوي الى بلوغ « التمكين» و لا مكان للقضية الديمقراطية في سعيهم هذا الا ما يدخل في الحسابات التكتيكية ومفهوم « التقية » في ما تعنيه من اخفاء حقيقة ما نؤمن به و التظاهر بعكسه إذا لزم الامر الى أن ياتي اليوم الموعود..

و بقيت الصراعات السياسية داخل الحزب الحاكم قائمة اثرت التجربة التاريخية التونسية الى أن فقد هذا الحزب، الذي قاد بنجاح باهر حركة تحرر البلاد من الاستعمار وبناء اسس الدولة ، تأثيره تدريجيا في المجتمع و تحول الى هيكل اداري متسلط فاقد لروح المبادرة و القدرة على التأطير والتعبئة،.
فلم يتمكن من احياء مشروع الدولة الوطنية ببناء اختيارات تنموية تساير التحديات الجديدة بنفس ريادي كان معهودا و بقي يستهلك المكتسبات الموروثه الى حد الاستنزاف مفضلا مقاربة أمنية كرست ما لا يمت للبورقيبية بصلة الا وهو مشروع السلطة للسلطة لاستفادة اقليات فاعلة ومؤثرة.
لن تموت البورقيبية لأنها « الذاكرة الجمعية » الحية المتجاوزة للماضي و الفاعلة في حاضرنا ومستقبلنا، الراسخة في ذاتية شعبنا الأبي و اذاما تحدث البعض عن « اسطورة » بورقيبة فاننا نقول لهم ان الأسطورة تصنع التاريخ فبالقراءات النقديتة و الايجابية لتاريخنا المشترك يتولد الاعتزاز بما نحن فيه ويتجدد العزم لرفع التحديات ودفع مسيرة البناء.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا