بعد الفشل الذريع للطبقة السياسية: طريق الإنقاذ يمر حتما عبر حكومة غير حزبية

مع انتهاء السنة البرلمانية، لا بد لنا من الاعتراف بأن بلادنا تعيش ازمة سياسية عميقة لا يمكن تجاهلها. وأن كل الفاعلين السياسيين مسؤولون –

ولو بمقادير مختلفة – عن هذه الأزمة. حيث ان الطبقة السياسية لم تكن قادرة على استخلاص الدروس من نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة. واستمرت في نفس المنهج الذي سلكته في السنوات الأخيرة، والذي أفضى إلى قطيعة حقيقية بين المواطن والطبقة السياسية.

فالحزب الأول في الانتخابات التشريعية، أي النهضة، لم يحسن قراءة المشهد السياسي لما بعد الانتخابات، وفشل في تشكيل حكومة بعد حوالي 3 أشهر ضاعت على البلاد، وحتى بعد أن تم تشكيل حكومة الياس الفخفاخ التي لم يقبلها البتة، لم ينجح لا هو، ولا شركاؤه في الحكومة-شركاؤه في صنع الازمة أيضا - في تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار، وفي وضع إدارة شؤون الدولة على راس أولوياتهم، فسقطت الحكومة وهي لم تكمل بعد الستة أشهر. الشيء الذي عمق من نفور التونسيين من الطبقة السياسية بأكملها.

للأسف بعد حوالي عشر سنوات من الثورة، لم نفهم بعد أن جوهر العمل السياسي، وجوهر الـديمقراطية، هو التنافس على خدمة التونسيين، على تحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية، هو النهوض باقتصاد البلاد، ومنح الامل للتونسيين. والنتيجة الحتمية لهذا القصور عن الفهم، كانت للأسف مخيبة لآمال المواطن، الذي تراجعت مقدرته الشرائية نتيجة فشلنا كسياسيين في الخروج بالبلاد من أزمتها الاقتصادية الخانقة. وخلافا لما يحاول ان يروجه الحالمون بالعودة الى الاستبداد، المشكل الحقيقي لا يكمن في النظام الديمقراطي، بل يكمن في طبقة سياسية شغلتها أحلامها في الوصول الى الحكم وغنائمه، وصراعاتها الحزبية والداخلية عن وضع المصلحة العامة فوق كل الاعتبارات.

للأسف أيضا، الضجيج السياسي الحاد، خلال السنة المنقضية والسنوات السابقة أيضا، حضرت فيه الحسابات الحزبية والشخصية الضيقة، وغاب عنه أي حوار جدي حول ما تحتاجه البلاد من إصلاحات. من المؤسف، أن يغيب عن الخطاب السياسي في بلادنا البحث عن سبل اخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية العميقة، أن لا يكون الإصلاح على رأس أولوية السياسيين وأن لا يكون وضع حد لتدهور المالية العمومية من بين أهدافهم العاجلة وأن لا يكون اصلاح الإدارة ورقمنتها، وإصلاح المؤسسات العمومية وإعادة هيكلتها المحرك الرئيسي للماكينة السياسية. فبقيت كل هذه الملفات مجرد شعارات فضفاضة، يتم استعمالها عند الحاجة، ولكنها تتراجع سريعا في سلم الأولويات، أمام المصالح الحزبية والشخصية الضيقة.

الفشل لم يكن حكوميا فقط، فالبرلمان أيضا مسؤول عن الازمة الراهنة. فهذه السلطة التشريعية التي يفترض في أعضائها ان يمثلوا الشعب التونسي، وأن يدافعوا عن مصالحه، تحولت إلى حلبة ملاكمة، بين رئيسه الذي فشل في إدارة المجلس، ورئيسة حزب يسبق تصفية حساباته مع خصمه السياسي على مصالح التونسيين.
من أسباب الازمة أيضا، ان رئيس المجلس، فشل في الخروج من جبة رئيس الحزب إلى بدلة رئيس البرلمان. ولم ينجح في تجميع ما يكفي من القوى البرلمانية حوله، وبات الحفاظ على موقعه في الحزب وعلى موقعه في البرلمان هما المحدد لاستراتيجيته وخططه السياسية لا غير.
هذا الوضع منح خصمته الرئيسية الفرصة، لتعطيل أعمال البرلمان في أكثر من مرة، في تحد صارخ لكل الأعراف البرلمانية وفي تحد للديمقراطية التي مازالت للاسف لا تؤمن بها ولا بالثورة التي ولدتها.

كل هذا، إضافة إلى صراعات الأحزاب الحكومية فيما بينها، وفوضى الأخبار الزائفة، وحملات تشويه الكل ضد الكل، أدى إلى مشهد سياسي فوضوي يحضر فيه كل شيء الا ما ينفع الناس، وغاب الحوار الاقتصادي والاجتماعي الجدي عن الحوار العام، بما في ذلك في البرلمان. وحتى اذا حضر هذا الحوار فيكون ذلك من باب المزايدات الشعبوية المقيتة لا غير. ولعل أفضل مثال على ذلك المصادقة مؤخرا على مشروع قانون، يسعى إلى معالجة مشكلة الذين فاقت مدة بطالتهم العشر سنوات. كيف؟ عبر انتدابهم في الوظيفة العمومية. طبعا هذا الحل ليس واقعيا، في بلد من أكبر مشاكله الاقتصادية تضخم كتلة الأجور في الوظيفة العمومية. وطبعا، هذا الحل فيه مس من مبدإالتناظر، الذي يرتبط بمبدأ دستوري هو مبدأ المساواة. وطبعا هذا القانون لن يطبق، لانه اذا طبق سيكون كارثة على الإدارة وعلى المالية العمومية. ورغم كل ما سبق تمت المصادقة على القانون في خرق لأحكام الدستور، في اطار المزايدات والمزايدات المضادة، لم أكن من المصادقين على هذا القانون الذي سيزيد للاسف من تعقيد الوضع الاجتماعي في البلاد و هذا ما سنراه في نقاش الميزانية القادمة .

وهذا ليس الا مثالا بسيط على المستوى الذي تردى إليه الخطاب السياسي في بلادنا، وعلى عجز الطبقة السياسية على إدارة المرحلة، والتي دخلت منذ مدة في مرحلة العبث. والآن مع كل ما تعرفه البلاد من أزمات على كل المستويات، وخاصة الانفجار الاجتماعي الوشيك الذي يهدد السلم الاجتماعي. حان الوقت لهذا العبث أن ينتهي.
فسقوط حكومة الفخفاخ، لن يكون مجرد محطة عادية في المسار التونسي المتعثر. سقوط حكومة الفخفاخ، هو محطة الوصول terminus لطبقة سياسية فشلت فشلا ذريعا.

انقاذ البلاد، وإنقاذ الدولة، يقتضي اليوم في اطار نظامنا السياسي الديمقراطي، وفي اطار احترام الدستور، الابتعاد بالدولة وتسيير مرافقها عن الحروب السياسية الشعواء والمدمرة، وتشكيل حكومة كفاءات غير متحزبة، حكومة غير معنية بالاستحقاقات الانتخابية القادمة بكفاءات مستقلة حقيقة ، لا عداوة لها مع اي من العائلات السياسية والاحزاب ، حتى لا تكون الصراعات السياسوية عبئا على حكومة سيكون على جدول اعمالها نقطة وحيدة : انقاذ الاقتصاد الوطني عبر القيام بالإصلاحات الضرورية.

خروج الجميع من الحكم ، قد يكون الفرصة الأخيرة لهذه الطبقة السياسية خاصة بعد حرمانها من المغانم ، لإعادة حساباتها، ولايجاد قواعد مشتركة يمكن البناء عليها، للحفاظ على النظام الديمقراطي، واستعادة ثقة الناس. وربما ستستمع اخيرا لأصوات عقل طالما همشت فيها، أما اذا فشلنا كسياسيين في هذا، فسياتي يوم يقول لنا التاريخ فيه ما قالته عائشة ام أبي عبد الله ملك غرناطة لابنها.

بقلم: مهدي بن غربية

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا