برج بابل: البلدُ: عُلبة كبريت

الكبريتُ في كل مكان، سرعة الاشتعال لا مناص منها. كبريت في» الكامور» ينتظر من يُشعله وكبريت في البرلمان وأخر في مدن تحتجّ على الماء وعائلات

بأكملها تستعدّ لعبور المتوسط نحو الضفة الأخرى. وكبريت في الحوض المنجمي المعطل عن العمل والتوازنات المالية في أسوإ حال والاقتصاد يترنح بفعل الكوفيد 19. وإزاء هذا الوضع هناك مسار حكومي ينتظر ميلادا جديدا عساه يبدأ عملية الإنقاذ. وكبريت آخر في الجوار الليبي ستكون له تداعيات على الوضع الداخلي في تونس. جميع هذه المؤشرات وغيرها تلقي بمفاعيلها على الانتقال الديموقراطي الذي فقد الكثير من رمزيته ولم يعد العنوان الأبرز للفعل السياسي في السنوات الأخيرة.
لا يمكن أن يكون هناك انتقال ديموقراطي سليم دون دولة مسؤولة. الدولة مشتتة بين رئاسات ثلاث وفي الكثير من الأحيان حصل ويحصل تنافر بينها، ولكل رئاسة منطقها للفعل السياسي ورؤيتها للأشياء، وهذا واضح للعيان الآن في العلاقة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان. وهو ما دفع برئيس الجمهورية إلى التذكير بالمبادئ الأساسية للدولة التونسية وهي أن لهذه الدولة رئيس واحد منتخب بطريقة مباشرة من طرف المواطنين. كبريت الرئاسات الثلاث يفقد الدولة انسجامها ووحدتها ويشرّع للعلاقات الزبونية ولعلاقات المصالح و يُنشئ فاعلين سياسيين يستثمرون هذا التنافر ويؤججونه لفائدتهم.
لا يمكن أن يكون هناك انتقال ديموقراطي سليم دون فاعل سياسي متشبع بالقيم الديموقراطية. لقد أفرزت الانتخابات منذ 2011 سياسيين دافعهم الأساسي هو الغنيمة بمعناها الريعي وبمعناها السياسي. وتحفل الحياة السياسية في تونس بكثير من الوقائع التي تشي بتورط العديد منهم في صفقات كبرى أثقلت كاهل الدولة وتكونت في الأثناء فئة من هؤلاء السياسيين الذين استفادوا بطرق عديدة من إمكانيات الدولة في حملاتهم الانتخابية وفي ثرائهم الفاحش. وأثرياء الانتقال الديموقراطي أكثر بكثير من أثرياء المرحلة الاستبدادية. وهؤلاء هم الذين يديرون دواليب الدولة في السلطتين التنفيذية والتشريعية وهم المتمكنون من مفاصلها الكبرى مستفيدين من قربهم من مواقع القرار ومن التداخل الكبير بين ما هو تنفيذي وما هو تشريعي. وهو تداخل شبيه بذاك التداخل الكبير بين الحزب والدولة زمن الاستبداد.
تثير الاحتجاجات الاجتماعية الحالية التساؤل حول قوتها وهي في كل الأحوال احتجاجات وضعت الدولة في مأزق الشرعية. فكيف لدولة مطالبة بحماية ممتلكاتها أن تقبل بما يقوم به شباب «الكامور» ؟ وكيف للدولة قبول عملية تعطيل الإنتاج في الحوض المنجمي؟ كيف يحدث هذا والدولة صامتة تقريبا أمام هذا الوضع؟ شباب» الكامور» متمسك بما يراه حقوقا اقتصادية واجتماعية وقع الاتفاق حولها مع الدولة، هو من هذه الناحية يملك مبررا لأشكاله الاحتجاجية القوية ولكن في المقابل لا تقدم الدولة أية إجابة على هذا الوضع الشائك، قدرتها التفاوضية ضعيفة وقدرتها على طرح الحلول كذلك.
ويحتاج الانتقال الديموقراطي إلى نفس جديد، وهذا يعني التفكير في آليات جديدة للفعل السياسي وإلى صرامة أكبر في تطبيق القانون على الجميع. ويحتاج أيضا إلى تعديل في النظام السياسي يكون فيه توازن بين السلطات وتكون فيه آليات التفاهم واضحة بينها. كما يحتاج إلى نظام انتخابي تكون فيه العتبة مسألة ضرورية لتقدم الأحزاب أفضل ما لديها. ولكن الانتقال الديموقراطي يحتاج ضرورة إلى إعادة بناء الكثير من الأحزاب السياسية حتى لا تكون أحزاب مواعيد انتخابية فقط لا غير وهو ما يضعف المجال السياسي ويقرّبه أكثر إلى منطق الغنيمة.
بلدُنا علبة كبريت يمكن أن تشتعل في أي وقت ممّ-ا يجعل التحكم في الوضع مسألة ميؤوس منها، وهنا يمكن أن نخسر كل شيء. نحن أمام تحدّ كبير وهو إعادة النظر في المقومات الحالية للانتقال الديموقراطي، علينا تجديده و العمل على أن يكون قادرا على تحويل تونس من علبة كبريت إلى فضاء للعمل و الإبداع و الإنجاز.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا