برج بابل: الهــــدرُ البرلمـــــاني

الهدرُ في تونس لعبة وطنية، هدر للماء وآخر للطاقة وهدر مدرسي وهدر للمعنى والبلاد سائرة نحو التهاوي. هذه لوحة قاتمة بقر بها الجميع

دون حراك فعلي للإصلاح، ونضيف إلى ذلك كله الهدر البرلماني الذي يتصدر المشهد منذ أشهر. الصورة التي أمامنا لا تعدو إلا أن تكون سوى خصومات يومية تافهة ومقرفة في أغلبها. لم يستطع النواب تكوين جسم برلماني قوي يمثل سلطة تشريعية تشرف على مراقبة السياسات العامة للدولة وتساهم مثل بقية السلطات في إخراجنا من الأزمة. 

من الطبيعي أن تكون البرلمانات اختزالا للمشهد السياسي العام ومن الطبيعي أن تكون بين مكوناتها اختلافات في البرامج وفي التصورات وهذا عمق الديموقراطيات التمثيلية ولكن ما يحدث في البرلمان التونسي عبث بكل المقاييس يكشف عن عجز في بناء رؤية تتجه بالبلاد نحو تجاوز أزمتها. لقد كان في الحسبان أن يكون البرلمان هو الحل فأصبح دون منازع هو المشكل. ولكن ليس البرلمان التونسي وحده استثناء، برلمانات عديدة في العالم تعيش نفس الخلل، البرلمان الأوروبي على سبيل الذكر لا يعدو إلا أن يكون مؤسسة بلا معنى وبلا جدوى وهو من أكثر المؤسسات الإتحاد الأوروبي التي يهجرها ممثلوها وبالكاد يحضر ثلث النواب إن لم يكن أقل من ذلك بكثير.

يطرح عجز البرلمانات ووهنها قضية الديموقراطية التمثيلية ومدى قدرتها على فهم التحولات المجتمعية ومستلزماتها الجديدة ومكانة الفرد في الفعل السياسي وطغيان عالم المال وتداخله العنيف في الشأن السياسي وتحول الشأن السياسي نفسه إلى صناعة للفرجة أكثر من كونه صناعة للمعنى. ثم لا يخفى عن إدراكنا أن الفاعل السياسي لم يعد كما كان في السابق صاحب قضية وصاحب مشروع مجتمعي يعبّر عنه بالإيديولوجيا التي ينتمي إليها. نحن الآن إزاء نوع جديد من الفاعلين السياسيين الذين حولوا السياسة والشأن السياسي إلى عملية سائلة تُتاح داخلها وعبرها كل المتناقضات. ولهذا ليس من العجب أن يظهر فاعلون سياسيون مع كل انتخابات ولا نجد لهم أثرا بعد أن يفشلوا في تجديد انتخابهم. ولكن عند مرورهم بالتجربة البرلمانية يكونون مؤثرين بطريقة أو بأخرى دون أن تكون لهم بوصلة واضحة.

نحن أمام وضع سياسي وبرلماني سائل مؤشرات سيولته عديدة، خصومات لا حدود لها دون برامج وحسابات سياسية لا أفق لها وتسجيل نقاط لا تأثير فعلي لها والمحكمة الدستورية تراوح مكانها منذ سنوات وقوانين معطلة وغياب واضح على الميدان ولا تأثير يُذكر في السياسات العامة للدولة. كل ما هنالك كيف نسقط هذا وكيف نبتز ذاك وكيف نبقى ماسكين بخيوط اللعبة وكيف نصنع الفرجة ونحرج الخصوم. هذا هو الظاهر للعيان ولكن المخفي من المسألة أكثر إيلاما عندما تكون القوانين فئوية تخدم مصالح من يمسك بقوة العدد وقوة التأثير في البرلمان على حساب مصالح الدولة المنهكة.

الهدرُ البرلماني على أشدّه والمعارك المطروحة الآن لا ترتقي إلى وضع بلد في حالة انتقال ديموقراطي يبحث عن طوق للنجاة. القضية متصلة بالحوكمة السياسية التي لا ندرك جميعا قيمتها. والحوكمة السياسية هي تلك القدرة على إدارة مؤسسة سياسية بما ينطبق مع أهدافها ومع الالتزام الموضوعي بتطبيق القوانين على الجميع دون تمييز. وهي أيضا ذلك الاستعداد المتواصل لجعل المؤسسة قادرة على القيام بمهامها التي أنجزت من أجلها. والحوكمة الجيدة هي أيضا النجاح في تحويل الخلافات إلى خلافات من أجل البرامج ومن أجل المراقبة الفعلية للشأن السياسي. ولكن يبدو أننا أبعد عن ذلك بكثير، فالنواب لا تعنيهم في الغالب مشاغل جهاتهم وهم ليسوا على تواصل دائم معها إلا حين تقترب المواعيد الانتخابية.

في أتون هذه الأزمة السياسية الخانقة تغيير البرلمان سيعيد نفس المشهد من جديد وربما سيعيده بأكثر كارثية. والمواصلة في نفس الاتجاه ونفس المزاج سيجعل الأفق مسدودا أكثر. قد تكون صورة البرلمان هذه اختزالا للوضع العام في البلاد ولكن أولى الخطوات نحو الانفراج هي الذهاب سريعا نحو إنشاء المحكمة الدستورية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا