قهوة الأحد: القطاع الموازي .. من السياسات الزجرية إلى المقاربات الإدماجية

تمر بلادنا بفترة مخاض كبرى منذ سنوات لإعادة بناء مشروعها السياسي وإعادة صياغة عقد اجتماعي جديد بعد تآكل العقد الاجتماعي الموروث

من دولة الاستقلال.وقد زادت أزمة الكورونا من حدة هذا المخاض وصعوبة إيجاد الحلول والاستراتيجيات الكبرى لإعادة بناء العقد الاجتماعي الجديد.

وللخروج من هذه الأزمات المتعاقبة والمتشابكة لابد لبلادنا من إيجاد الحلول لعديد التحديات الاقتصادية والاجتماعية ومن ضمنها التقليص من حدة الانكماش الاقتصادي الذي سنعيشه بعد أزمة الكورونا والتقليص من التداين وإيقاف الانحدار الكبير الذي تعيشه المالية العمومية وتحديد برنامج جديد للصناعات الذكية أو الصناعات 4.0 وغيرها من التحديات والتحولات الاقتصادية الكبرى .

ولعل مسألة القطاع الموازي وسبل إدماجه في الدورة الاقتصادية المنظمة تشكل إحدى أهم تحديات المرحلة القادمة . فقد عرف هذا القطاع تطورا كبيرا مع الأزمات المتتالية لاقتصادنا، ليصبح احد أهم ركائز الاقتصاد في بلادنا .هذا التطور جعل هذا القطاع يشكل تحديا كبيرا للدورة الاقتصادية المنظمة . فمن جهة يتسبب هذا القطاع في خسائر كبيرة للدولة بسبب عدم احترامه لواجباته الجبائية ومساهمته في التهرب الجبائي .كما أن القطاع الموازي وراء صعوبات كبيرة للقطاع المنظم من خلال فرض منافسة غير نزيهة مما هدد عديد القطاعات كالنسيج مثلا في وجودها .فعدم خضوع القطاعات الموازية للأداء جعله يطبق سياسة أسعار ضعيفة لا تقدر القطاعات المنظمة على مواكبة نسقها .
ورغم مساهمته الهامة في خلق مواطن شغل وإن كانت هشة أصبح القطاع الموازي يشكل تحديا كبيرا للاقتصاد الوطني .وقد جابهت الدولة القطاع الموازي بالكثير من الصرامة وبسياسات زجرية للحد من تطوره وحماية القطاع المنظم من انعكاساته السلبية .إلا أن هذه السياسات الزجرية لم تؤت أكلها ولم تكن قادرة على إيقاف تطور القطاع الموازي مع عجز القطاع المنظم على استيعاب كل قوة العمل القادمة إلى سوق الشغل .

وفي نفس الوقت عرف التفكير الاقتصادي والسياسات العمومية على مستوى العالم تحولا كبير في التعاطي مع القطاع الموازي والمرور من السياسات الزجرية السابقة إلى سياسات إدماجية لإدخاله إلى الدورة الاقتصادية المنظمة والاستفادة من الإمكانيات الكبرى التي يفتحها .وقد زادت ثورات الربيع العربي من حدة هذه الإشكالية إذ أن انطلاقتها ابتدأت بإضرام محمد البوعزيزي ، احد الناشطين في القطاع الموازي النار في نفسه للرد على المضايقات الإدارية اليومية التي يتعرض لها الناشطون في هذا القطاع .أصبح - مع هذه الثورات - القطاع الموازي خطرا لا فقط على القطاعات الاقتصادية المنظمة بل كذلك على استقرار الأنظمة السياسية .
وقد كان لهذه التطورات انعكاسات على السياسات العمومية في بلادنا والتي أصبحت تحاول الانتقال من الفلسفة الزجرية إلى محاولات الإدماج.إلا أن الخطوات العملية لهذا الانتقال بقيت محتشمة وكان القناعة في ضرورة هذا التحول مفقودة وضعيفة .

وفي رأيي فأن إدماج القطاع الموازي اليوم في المجال (الاقتصادي ) المنظم والقانوني يشكل احد أهم تحديات إعادة بناء العقد الاجتماعي ويمر عبر وضع إستراتيجية واضحة المعالم والخروج من «سياسات الري قطرة قطرة» والتي تكتفي بوضع بعض الإجراءات الجبائية المحتشمة التي أثبتت إلى اليوم فشلها وعجزها.

• في حجم القطاع الموازي
إن القطاع التقليدي وغير المنظم ليس بالجديد في بلادنا .فهذا القطاع هو وريث القطاعات الفلاحية وكل الأنشطة الما قبل رأسمالية التي عرفتها بلادنا إلى حدود القرن التاسع عشر . ولم ينجح مسار ظهور بعض نواتات الاقتصاد الحديث مع الإصلاحات الكبرى التي عرفتها بلادنا في منتصف القرن التاسع عشر في استيعاب هذه الأنشطة.
ومع دخول الاستعمار إلى بلادنا سيعرف القطاع الرأسمالي تطورا كبيرا .إلا انه لن يكون قادرا على استيعاب الأنشطة الما قبل رأسمالية ولن يسعى لذلك .وسيعرف اقتصادنا في الفترة الاستعمارية تعايش قطاعيين متوازيين : القطاع الرأسمالي من جهة والمتكون من المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالمركز الاستعماري والتي تهم الأنشطة الفلاحية

والتجارية والصناعية والمناجم وبعض المؤسسات الوطنية الصغيرة خاصة في قطاع النسيج ومن جهة أخرى نجد السواد الأعظم للشعب التونسي في القطاعات والأنشطة ما قبل رأسمالية والموجودة أساسا في المناطق الريفية وسيتدعم هذا الانقسام والتعايش بين القطاعين بانقسام جغرافي حيث ستتركز اغلب القطاعات الرأسمالية في المدينة.

وستحمل فترة الاستقلال تغييرا كبيرا على مستوى الهيكلة الاقتصادية لبلادنا .فقد ساهم المشروع التحديثي لدولة الاستقلال في ظهور الهياكل الاقتصادية والمؤسسات الحديثة والتي ستشكل القاعدة الأساسية لعصرنة الاقتصاد ودخولنا لمرحلة جديدة من الديناميكية الاقتصادية .وسيكتسح المشروع التحديثي لدولة الاستقلال كل مجالات النشاط الاقتصادي ونتج عن هذا التطور انحسار كبير للقطاع الموازي أو الأنشطة الما قبل رأسمالية والتي تراجع دورها الاقتصادي والاجتماعي .إلا أن هذا القطاع سيعود بقوة منذ بداية ثمانينات القرن الماضي ليتطور بشكل كبير ويصبح لاعبا أساسيا في الدورة الاقتصادية في بلادنا .وهذا الرجوع القوي للقطاع الموازي في بلادنا يعود إلى سببين مهمين .الأول مرتبط ببداية صعوبات نمط التنمية في بلادنا وتراجع معدلات النمو والتي ستؤدي إلى الأزمة الاقتصادية لبداية الثمانينات .وكان من نتائج هذه الأزمة تراجع الطاقة التشغيلية في بلادنا وبداية ظهور البطالة والتي سيلجأ الوافدون عليها إلى الاقتصاد الموازي .

السبب الثاني وراء نمو ظاهرة الاقتصاد الموازي ورجوعها القوي يعود في رأيي إلى بداية أزمات النظام التعليمي ونظام التكوين المهني الذي لم يعد مواكبا لتطور الاقتصاد على استيعاب كل المغادرين للمدرسة .وسيساهم هؤلاء في تطور أرقام البطالة والنمو الكبير للقطاع الموازي .
ستكون بداية الثمانينات نقطة انطلاق كبيرة للقطاع الموازي .إلا أن المرحلة الجديدة لتطور هذا القطاع ستختلف عن الفترة الاستعمارية حيث سترتكز اغلب هذه الأنشطة في المدن ليصبح التعايش بين القطاعين في المدن .
وقد تدعم هذا القطاع في السنوات الأخيرة . وتشير إحصائيات البنك الدولي أن هذا القطاع يمثل 524000 مؤسسة ويشكل %35 من النسيج المؤسساتي في بلادنا .
كما أن هذا القطاع يشغل قرابة %54 من اليد العاملة .

وفي دراسة قام بها اتحاد الصناعة والتجارة مع مؤسسة الاقتصادي الكبير والمختص من البيرو في القطاعات الموازية والتي صدرت أهم نتائجها سنة 2012 في كتاب مهم بعنوان «l’économie informelle comment y remédier une opportunité pour la Tunisie» عن دار النشر سيراس إلى أن هذا القطاع يمثل :

11 مرة قيمة الشركات المتداولة في بورصة تونس

4 مرات قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة منذ سنة 1976

تشير كامل هذه الأرقام والمعطيات إلى قيمة ووزن القطاع الموازي في الاقتصاد مما يتطلب سياسة عمومية جديدة تقطع مع السياسات السابقة لتسهيل عملية اندماجه في الدورة الاقتصادية المنظمة .
القطاع الموازي :/ من الزجر والرفض إلى الإدماج

لقد واجهت مختلف الحكومات لا فقط في بلادنا بل كذلك في مختلف بلدان العالم القطاعات الموازية بسياسات صارمة وزجرية .وكان هدف هذه السياسات اقتلاع القطاع الموازي من الدورة الاقتصادية .
ويمكن تفسير هذا التمشي بسببين أساسيين :

السبب الأول في رأيي فلسفي ويكمن في هيمنة الفكر الحداثي أو التحديثي عند النخب الحاكمة والتي جعلت من التحديث (la modernisation) جوهر وأساس برنامجها الاقتصادي .
ولم تكن هذه النخب تنظر بعين الرضا لهذه القطاعات الموازية والهامشية .

السبب الثاني وراء تصدي الحكومات لهذه القطاعات سياسي واقتصادي وامني .فقد أكدت التحاليل والدراسات الرسمية أن هذه القطاعات الموازية تشكل تهديدا للأمن والاستقرار السياسي باعتبار ارتباطها بالجريمة والإرهاب كما أشارت هذه الدراسات إلى أن القطاعات الموازية تفرض منافسة غير شريفة على القطاعات الاقتصادية المنظمة وتهدد بالتالي وجودها.

وقد اختارت اغلب الحكومات في العالم طريق المواجهة لمحاربة القطاعات والأنشطة الموازية إلا أن هذه السياسات باءت بالفشل وعجزت على إيقاف النمو المتزايد لهذه القطاعات .
وقد عرفت السياسات العمومية في اغلب بلدان العالم تحولا كبيرا لتنتقل من الزجر إلى الإدماج في التعاطي مع القطاعات الموازية .

وستعرف بلادنا نفس التحول في السنوات الأخيرة ومحاولة العمل على إدماج هذا القطاع .
إلا انه في رأيي بقيت هذه المحاولات محتشمة ولم ترتق إلى إستراتيجية وطنية واضحة المعالم .

• بعض الأفكار لصياغة إستراتيجية وطنية
تشكل عملية إدماج القطاع الموازي وإدخاله في الدورة الاقتصادية المنظمة احد أهم التحديات التي تواجهها بلادنا في مسار إعادة صياغة العقد الاجتماعي ولا يسمح المجال في هذه الصفحات بالغوص في دقائق الإستراتيجية التي يجب صياغتها لتسهيل عملية الدمج،إلا أنني أريد التأكيد على أربع نقاط أساسية ومحورية لابد من تواجدها لضمان نجاح هذا المسار .

• النقطة الأولى سياسية وإيديولوجية : في هذا الإطار لابد للمؤسسات الرسمية للدولة وللمسؤولين السياسيين التخلص من النظرة التحديثية والتي كانت وراء نظرة الدونية للقطاع الموازي .إن هذه الإستراتيجية تتطلب نظرة واقعية لهذا القطاع تقر بأهمية مساهمته في الدورة الاقتصادية بطريقة منظمة وتحترم القوانين المنظمة .

• النقطة الثانية تخص المؤسسات: هنا لابد من إيجاد مؤسسات جديدة لها من التجربة والكفاءة والقرب من هذه القطاعات ما يجعلها قادرة على تفهم مشاكلها وانتظاراتها
النقطة الثالثة تخص الاستراتيجيات : وهنا لابد من التأكيد على ضرورة ضبط هذه الإستراتيجية بتنسيق كامل مع القطاعات المنظمة ومن خلال تحديد القطاعات التي ستعود بالنفع على الدورة الاقتصادية عند إدماجها .

• النقطة الرابعة تهم المسائل القانونية والإدارية وتتطلب تنسيقا وتواصلا مع الإدارة من اجل التقليص من الإجراءات الضرورية لدمج هذه القطاعات .
يشكل القطاع الموازي ظاهرة اقتصادية هامة ومؤثرة تتطلب الاهتمام والدراسة من اجل الاستفادة منها وتفادي مخاطرها الأمنية والاقتصادية .وهذا يتطلب (الخروج من الاجراءات المحدودة ) ووضع الاستراتيجيات الشاملة لتسهيل وتنظيم إدماج هذه القطاعات في الدورة الاقتصادية المنظمة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا