مقترحنا للإنقاذ: تكوين الجبهة الوطنية والتقدمية

هل يوجد اليوم تونسي واحد مرتاح لوضع البلاد؟ من الصعب جدا. وكم من تونسي له ثقة في أننا سنتغلب على صعوباتنا في وقت معقول؟

عدد ضئيل إن لم يكن معدوما. وبماذا نفسر وصول التونسيين إلى توصيف وضعهم بهذا النوع من الحكم؟ أولا، كان ذلك جراء ما يعيشونه يوميا من حقيقة ظروف الحياة، بمعاناتها المادية والمعنوية، في كل المجالات، دون استثناء، وبتواصل مستمر من زمن طويل. ثانيا، لأن الأفق أضحى بالنسبة للتونسيين مسدودا، جراء ما ترسخ لديهم من اعتقاد حول عدم قدرة من بيدهم مقود القرار على فعل أي شيء يمكن من إزاحة ما علق بالبلاد من محن ومصائب.

وإذا كانت الأزمة على هذا النحو من التشعب والكثافة والثقل، ومن بيده الحكم على هذه الحال من العجز، والموعد الانتخابي، الذي يمثل ديمقراطيا فرصة التدارك، لن يأتي قبل خمس سنوات، فما الذي يبقى يا ترى؟

في هذا الخضم من التقدير والتساؤل تأتي أنواع وأشكال كثيرة من مقترحات الحلول، يمكن تلخيصها في ثلاثة أنواع من المقترحات. نوع أول يؤكد على أن مصيبة تونس هي "الخوانجية"، ولا حل قبل إخراجهم من الصورة، بأي شكل من الأشكال. وتوجه ثاني يعمل على الجمع بين أمرين مؤتمر وطني للإنقاذ مفتوح للجميع تكون مخرجاته في اتجاهين أولا تغيير النظام السياسي وثانيا بلورة خطة وطنية لمواجهة الأزمة وإخراج البلاد من الورطة. أما التوجه الثالث فهو الذي ينادي بتجميع القوى الوطنية والتقدمية لتكوين جبهة وازنة تعمل أولا على التأثير على مجريات الأمور وثانيا تستعد لكل أنواع المواعيد إما الطارئة أو القادمة بطبيعتها المؤسساتية والدستورية.

في خصوص المقترح الأول وبصفة عرضية لم نكن نتصور أنه سيأتي يوم نتلقى فيه دروسا في خصوص خطر الإسلام السياسي نحن الذين أفنينا العمر في هذا الموضوع وبدون أي زلة انتهازية عندما كان البعض من ابطال وبطلات اليوم لم يولد بعد أصلا، ولكن عندما يقع التعامل بحكم تسلطي يمنع القوى التقديمة من لعب دورها في مقاومة آفة الإسلام السياسي بكل أنواعه المتداخلة والمتشابكة وعندما ترتهن الجمهورية لدى العائلة المافيوزية وعندما تتراجع الدولة عن وظائفها بالشكل الخطير الذي تراجعت به وعندما تدخل العائلة في مفاوضات عن طريق صخر الماطري وقطر والمصمودي والولايات المتحدة لتشريك الإسلام السياسي في الخلافة وعندما تواجه الانتفاضات الشعبية بالعنهجية والدموية التي ووجهت بها والتي مرت هكذا مرة أولى في المناجم لكن انقلبت في المرة الثانية إلى ثورة تبدأ ككل الثورات بتحطيم الكل في الكل، الأخضر واليابس، قبل أن تحاول التعقلن ببطء شديد والدخول في عملية فرز أفضل، لو وقع تخيير التونسيين بين ثورة وتغيير إيجابي ومفيد وصحيح لاختاروا الثاني على الأولى. فالثورة قامت على أساس الفشل بالكامل، والفشل الذي يؤدي بتونس

إلى كل هذه الكوارث هو فشل بن علي ومنظومته، التي إما شجعته او سكتت عنه. والمضحك في الأمر تعليق صورة بورقيبة الذي سجنه بن علي وأهانه عند وفاته في موكب دفنه. وقد ترشح التجمعيون بحرية كاملة في أول انتخابات بعد الثورة سنة 2011، أنواعا وأشكالا في "شكليلة" من الأحزاب، وكانت النتيجة صفر فاصل، وكان المنتصر الأول وبأشواط بعيدة على كل البقية هو الإسلام السياسي ولم يكن ذلك التصويت الكارثي الذي لا نزال نجني ثماره إلى اليوم انحيازا "للخوانجية" بقدر ما كان معاقبة للتجمع. إلى أن جاء الحل الوطني الريادي على يد نداء تونس وزعيمه الباجي قائد السبسي، على أساس الاستنتاج الفكري والسياسي الذي توصلنا إليه، وهو أن الحل لا في الدساترة ولا في اليسار، اللذان تحصل كل منهما على صفر فاصل سنة 2011، ولكن في إطار الجبهة التقديمة التي تجمعهم وتتجاوزهم إلى ما أوسع، وعندما التأم شمل صاحبي الصفر فاصل حققا 40 ٪ من الأصوات والمواقع، وقد كان شرخا في علوم الرياضيات لم يقع سده منذ ذلك الوقت. وما نلاحظه أن منذ 2011 بدأ الإسلام السياسي في التراجع نحو وزن انتخابي يتلاءم مع وزنه. ويمكن لهذا التراجع أن

يزداد تحت ضغط الجبهة الشعبية سابقا أو الدستوري الحر حاليا ولكن ليس إلا بمقدار ضئيل، بينما المحدد في ذلك هو التطور الموضوعي للمجتمع ومواصلة مقرطته ولو بصعوبات ومزيد كشف الحقائق والمعلومات المحلية والدولية والانحصار المكثف لمقولة "يخافوا ربي" والتباين الذي ينكشف أكثر فأكثر بين الأقوال والأفعال وخصوصا الارتباطات بالإرهاب في سوريا ليبيا وغيرها، ذلك الأصل والمهم في الأمر وليس مجرد التنديد. أم الاكتفاء بمواصلة التنديد المكثف مع رفض الاعتراف بالانحرافات الخطيرة التي رمت بنا بين أحضان ثورة جميلة في حد ذاتها ولا أجمل منها لكن لم نكن مهيئين لها وبالتالي بقينا معرضين لانفلاتاتها بما فيه تحول روابط حماية الثورة سيئة الذكر إلى حزب سياسي وكتلة برلمانية، إذن الخوف كل الخوف من أن مسألة "الرمي بالخوانجية في البحر" والعنتريات الفارغة والظهور في مظهر المؤسسين والمخترعين لكل شيء و"هم ولا أحد" (الذي يذكر بالله وحد) لا يعدو أن يكون إلا مجرد أصل تجاري.

يأتي التوجه الثاني، توجه "الإنقاذ الوطني". توجه ذو مسحة وحدوية ووطنية بدون أي شك ويعطي الصورة بأن الأول والأخير في الأمر هو مصلحة تونس والتونسيين. لكنه مقترح خيالي. حيث يعني فيما يعني إلغاء الانتخابات، التي أفضت إلى رئاسة وبرلمان وحكومة، هم المسؤولون دستوريا وانتخابيا وقانونيا وسياسيا وأخلاقيا على مصير البلاد، بالسلب أو بالإيجاب. وفي خصوص هذا المقترح ففي شأنه وكأننا لم نقم بقرطاج "واحد" و"إثنين" الجامعة المانعة لكل من هب ودب، تلك العملية التي عارضناها بشدة منذ أن بدأ التفكير فيها، لأننا فضحنا أمرها بأنها ليست إلا غطاء لتنحية الحبيب الصيد بالشكل المقرف والرديء الذي تم به ذلك والتعويض بمجموعة صبيانية في مجمل طرحها وتصرفها، أدت كلها إلى تقسيم النداء قبل تحطيمه وإلى انتخابات كارثية سنة 2019 نتيجتها هذا الفراغ السياسي المفزع الذي نعانيه.

كيف إذن لنفس الذين نظروا لقرطاج 1 و2 ومارسوه وأوصلوه إلى الخراب الذي أوصلوه إليه أن يبادروا بنفس النوع من الفكرة دون على الأقل استخلاص الدروس مما سبق. من ناحية أخرى كيف لبرلمان غير متجانس لا في اغلبيته المفقودة ولا في معارضته غير الموجودة أن يلتئم في عملية إنقاذ، مع رئاسة هي في وادي والبرلمان في وادي، والكل مع حكومة لا أحد يدري كيف قامت ولا كيف ستقعد، ثم من خارج كل ذلك تأتي جموع أخرى لتلتحق بالإنقاذ لم تتمكن بعد حتى من نفض غبار الهزائم الانتخابية النكراء التي نالتها، في انتظار التحاق الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية التي هي في حرب مفتوحة مع أطراف برلمانية فيها المكشوف وفيها المستتر، في انتظار اللحاق بالإنقاذ من طرف أصحاب الأعمال والمزارعين والمعطلين و جمعيات حقوق الانسان والنساء الديمقراطيات ومدنية الدولة ومقاومة الفساد؟ علما وأن الجزء الثاني من مقترح الإنقاذ بتشريك كل الأطراف الفاعلة، أي جزء تغيير نوعية الحكم، لا يوجد في شأنه أي توافق أو حتى مجرد اتفاق. يعني أن هذا التمشي يمكن أن يكون مغريا شكليا إلا أنه وهم جديد سيزيد في تكثيف الأوهام لا أكثر ولا أقل.

تبقى الفكرة الأكثر سلامة ونجاعة ووضوحا، ألا وهي فكرة بناء الجبهة الوطنية والتقدمية، استنادا إلى طموحات البلاد وانطلاقا من دروس التجربة. ينسى الكثير من الناس أو يتناسون أننا اقتربنا كثيرا من الحل الوطني والتقدمي المنشود وحقننا في شأنه نجاحا انتخابيا باهرا قبل أن نخرب النجاح بأيدينا بإساءة التصرف في الحزب الذي كوناه. والمطلوب هو العودة لتلك الفكرة لكن محملين ب"طرناطة" من النقد للأسباب التي أدت إلى الفشل، لإعادة بنائها بالكامل وليس بالتلفيق والترقيع كما نحن بصدد معاينته اليوم. والسبب الأول والأخير في الفشل هو عقلية افتكاك السلطة واحتكارها، في الحزب والدولة، مهما كان الثمن، وبقطع النظر عن القدرة والكفاءة، وخاصة دون العمل على اقناع الغير وتشريكه الفعلي في القرار لتحميل المسؤولية علاوة على تحملها. وتكمن نقطة الضعف الثانية في قلة حبك البرنامج حتى يبقى على كامل الوضوح في خصوص أولوياته وتسلسل إجراءاته وربط قراراته أهدافا ووسائل حتى تتم عملية التبليغ في شأنه بالسلاسة المطلوبة. أما نقط الضعف الأخيرة وليست الآخرة فتتمثل في عدم التوصل إلى بناء "حزب المقتنعين"، الذي يحول كل مناضل إلى قيادي فيما يخصه، قادر لا فقط على استيعاب خط الحزب والبرنامج ولكن كذلك على إثرائه ابداعيا حسب متطلبات الوضع والظرف لكل يظل الخط انتاجا جماعيا ومتجددا، مواكبا للأحداث والتحديات وجاهزا لمواجهة التقلبات.

وبناء عما سبق فإننا نرى أن هناك أربع مراحل لتكوين الجبهة الوطنية والتقدمية وتفعيلها تنظيميا وسياسيا لتكون جاهزة للمحطات الوطنية القادمة. المرحلة الأولى: التوصل إلى صياغة الخيارات الفكرية والسياسية والبرنامج قبل موفى 2020 عن طريق لجنة مضيقة نسبيا لتتمكن عمليا من الاشتغال على الصياغة، مع الانفتاح على ما يلزم من استشارات في هذه المرحلة الأولية. المرحلة الثانية: تنظيم ندوات جهوية وقطاعية وسياساتية (نسبة إلى السياسات العمومية الأفقية في الجباية والنقد والمالية والمديونية والموازنات والقطاع العام والدعم...) من أجل استكمال صياغة البرنامج وإعطائه الصبغة العملية والدقة الطلوبتين، وتنتهي المرحلة الثانية نهاية النصف الأول من سنة 2021. المرحلة الثالثة: تسخر بالكامل لمسألة بناء الجبهة أو الحزب وتتعلق بالاشتغال على القيم والأخلاق السياسية والكفاءة وشروط الترشحات سواء للمسؤوليات الحزبية أو للانتخابات المحلية والجهوية والوطنية، والديمقراطية الداخلية والتمويل الحزبي والاطلاع على التجارب الناجحة عند الغير والوقوف على أسباب الانقسام والانشقاق والفشل في التجربة الوطنية والتقدمية والانتهاء بمقترحات ترتقي بالعمل الحزبي أو الجبهوي بما يمسح من تلافي المصائب الكبرى التي أدت بالبلاد إلى الكارثة الحالية. المرحلة الرابعة والأخيرة تتعلق بتنظيم الجبهة (أو الحزب) الوطنية والتقديمة والتركيز الديمقراطي والوحدوي والنضالي لهياكلها المحلية والجهوية والوطنية وتنتهي هذه المرحلة بنهاية النصف الأول من سنة 2022 حتى تكون لدى الجبهة (أو الحزب) الوطنية والتقديمة نصف المدة النيابية الكاملة للاستعداد السياسي للانتخابات.

ولكن قبل ذلك ومنذ انطلاق التأسيس فإن الجبهة تعد نفسها لمواكبة الوضع الوطني بالمقترحات والنقد والتعبئة والتنسيق والمبادرة من أجل إنقاذ كل ما يمكن إنقاذه، لكن من موقع خارج عن إدارة الدولة وممارسة السلطة، لا بساندتها ولا بمعارضتها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا