برج بابل: هل تحتاج التنمية إلى هوية؟

هويات المدن جزء من الحراك الاحتجاجي الأخير. تطاوين تنتفض من أجل اتفاق الكامور، وقفصة تنادي بحقها في الفوسفاط وفي ان تكون لها كلية طبّ

ومستشفى جامعي. مسيرة كبيرة في صفاقس تنادي بمدينة رياضية ومثلها بنزرت غير راضية ببنيتها التحتية الرياضية. ومدن أخرى تستعدّ للحراك الاحتجاجي تحت مسميات مختلفة. التحركات الاحتجاجية الأخيرة كلاسيكية في أغلبها، كلاسيكية في مضامينها الاقتصادية والاجتماعية. إجابات الدولة أيضا كلاسيكية لا تخرج عن الحلول السريعة التي تخمد النيران أكثر

من البحث الفعلي الرصين عن قراءة مختلفة لما يجري حاليا. الجديد في المسألة أن الاحتجاجات الاجتماعية لم تعد فقط احتجاجات فئات اجتماعية بل أصبحت أيضا احتجاجات مُدن كبرى ومتوسطة مفعمة بالهويات المحلية ولا تصاغ التنمية على الأرجح بمقولات الهوية أي بما هو رمزي وثقافي. ويستقيم هذا الأمر إلى حدود بداية الألفية الجديدة وقد كان البراديقم السوسيو- اقتصادي الذي ساد خلال القرن الفائت يتحرك بمقولات التوزيع العادل للثروات والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والصراع الطبقي والاقتصاد الموجه من الدولة علاوة على النقابات والتجمعات العمالية. كانت التنمية مقولة قائمة الذات تستدعي جملة الموارد المادية التي على الدولة تحويلها إلى ثروات عبر آلة إنتاجية قوية. وكانت الدول تتسابق لتوفير الرفاه الاجتماعي لمواطنيها وبرزت للوجود أنظمة كفالة اجتماعية لا تزعزعها سوى تحركات عمالية نقابية مطالبة بأكثر عدالة وبأقل ما يمكن من التفاوت الاجتماعي. وكان البراديقم السوسيو-اقتصادي مسنودا بمنظومات فكرية وإيديولوجية قسمت العالم إلى معسكرين كبيرين، عالم اشتراكي وآخر ليبرالي.

لقد تغير المشهد مع حلول الألفية الجديدة فتراجع البراديقم السوسيو-اقتصادي تاركا مكانه لبراديقم ثقافي بمقولات تضع مسألة الهوية والفردانية والمحلي في مركز المجال الاقتصادي وتراجعت مقولة البنية لفائدة الشبكة وضعفت مقولة التكافل الاجتماعي شيئا فشيئا أمام مقولة التصرف الفردي إزاء الحالات الصعبة. وقد حدث كل هذا في عالم فقدت فيه الدول سيادتها الكلاسيكية على حدودها فانتقلنا من نظام اقتصادي يقوم على إنتاج الثروة المادية إلى اقتصاد مالي يعتمد على التحويلات المالية والمضاربات متمتعا بأنساق حمائية ومستفيدا من عولمة تكنولوجية شديدة السيولة.

وقد بدأت ملامح العلاقة بين التنمية والهوية في الظهور منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي. في إحدى ولايات الجنوب الياباني تقدم الوالي " موريهيكو هيراماتسو" بفكرة مبتكرة من أجل اقتصاد جديد وتنمية جديدة سماها " لكل قرية منتوج". وترتكز الفكرة على الاستثمار في الهوية أي وضع الموارد الرمزية في خدمة الموارد المادية. ما يهم في المقولة ليس المنتوج بقدر ما يهم القرية التي بها هذا المنتوج. تعتمد فكرة لكل قرية منتوج على البحث عن أي مورد مادي أو لامادي يميز قرية ما وإخراجه من البعد المحلي إلى البعد العالمي عبر منظومة متكاملة من تطوير المنتوج وتجميع أهل القرية حوله وجعلهم يفتخرون به من أجل خلق الثروة.

حجر الزاوية في هذا النموذج من التنمية هو الرأسمال العاطفي. هو تاريخ الأجداد وأسطورة التأسيس، هو تاريخ العائلات وتاريخ الأفراد، هو القيمة المضافة التي يتم تناقلها عبر الأجيال. كل هذه الرموز هي التي تجعل من المنتوج صامدا أمام تقلبات الاقتصاد والمجتمع والسياسة. للمنتوج علامة صنعها بما توفر من قدرات، البعض من هذا المنتوج أفل والبعض الآخر أعيد ابتكاره وفق رؤية جديدة.

مشكل التنمية في تونس هو مشكل ابتكار وذكاء وإبداع. مشكل التنمية في تونس ثقافي بالأساس في علاقة وطيدة بمكانة الفرد وتحرره. مشكل التنمية في تونس ثقافي لأن مقولة الشيخ والمريد هي التي تقود التصرفات وحالات الوعي بما يعني إفشال كل نفس يخرج عن المجموعة وعن الاجماع. التنمية إذا لا تحتاج تجهيزات ولا تمويلات أو على الأقل ليست هي السبب الرئيسي في تعطلها، إنها تحتاج إلى حرية أكبر وإلى ديموقراطية أكبر. وعندما يضفي المحتجون هوياتهم وهويات مدنهم بحثا عن تنمية مفقودة فهذا دليل على أن التنمية في مأزق. تكون الهوية رافدا من روافد التنمية عندما تكون أحد عناصر الابتكار والابداع لا أن تكون مرجعا من مرجعيات الاحتجاج.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا