منبــــر: صعود أقصى اليمين في تونس خطر محدق بالديمقراطية !!!

"كلما كان المجتمع نبذه كحثالة الثقافة و برازها لو هو تطور بصورة طبيعية ها هو يدفقه من حلقومه.

تتقيأ الحضارة الرأسمالية الهمجية الغير مطحونة. هذه هي فيزيولوجيا النازية"
ليون ترتسكي ( ما هي النازية؟؟؟)

يمثل الصعود الإنتخابي لأحزاب أقصى اليمين في تونس من أهم الظواهر التي أفرزتها الإنتخابات الرئاسية و التشريعية الأخيرة. و بالعودة للتصنيف السياسي للأحزاب في الأنظمة الديمقراطية يمكن اعتبار حزب إئتلاف الكرامة و الحزب الدستوري الحر و تشكيلات سياسية أخرى أقل وزنا ضمن أحزاب أقصى اليمين في تونس.
ويتضمن مصطلح "أقصى اليمين" الذي ظهر في أوروبا منذ قرنين مجموعة هامة و غير متجانسة من التيارات. و تعرف هذه التيارات في أوروبا بتوجهها القومي الشوفيني ورفضها للمهاجرين و خاصة منهم العرب والمسلمين. ولكن هنالك خصائص عديدة أخرى فكرية و سياسية لهذه التيارات تجعلنا نقدر أن لها في تونس تيارات و أحزاب تشبهها.
ويعرف "دافيد موران" أقصى اليمين باعتباره تيارا إيديولوجيا محافظا ترتكز أفكاره على النزعة القومية المتعصبة و رفض الحاضر باسم الحنين للعودة إلى الماضي و خطاب إقصائي exclusif للآخرين و رفض إي محاولة إدماج inclusion سياسية أو اجتماعية لفئات أو تيارات أو جنسيات أخرى. فيما يحدد البعض 8 خصائص أو أكثر لهذا التيار.

• إنكار الديمقراطية وضرب الحريات:
من أبرز خصائص تيارات أقصى اليمين معارضتها للديمقراطية التمثيلية و الدفاع على نظام سياسي سلطوي يعتمد على القوة و حتى العنف و السلطة الممركزة un pouvoir centralisé في تسيير شؤون المجتمع في تناقض مع التيارات الليبرالية التي تدافع عن نظام سياسي ديمقراطي. ففي المجر و بولونيا و إضافة إلى سياسة تجريم الهجرة و قمع المهاجرين فإن أنظمة أقصى اليمين الحاكمة في تلك البلدان تهاجم وسائل الإعلام المستقلة وتتصدى للمحكمة الدستورية و بصورة عامة تسعى إلى ضرب مكونات السلطة المضادة من أجل إلغاء الديمقراطية و العودة إلى الديكتاتورية التي أسقطتها ثورات أوروبا الشرقية في مطلع التسعينات. و هذا التوجه ينطبق تماما على توجهات الحزب الدستوري الحر و الذي يدافع عن النظام الديكتاتوري السابق و يعتبره مرجعيته السياسية و الفكرية. كما أنه يستهزئ و يحقر من الديمقراطية التي أتت بها ثورة "ربيع الخراب" و يعتبرها كارثة على البلاد. و يدعو إلى ضرورة العودة إلى سياسات النظام السابق في إلغاء الديمقراطية و العودة إلى نظام سلطوي مستبد (باسم الدعوة إلى نظام رئاسي) لأنه الأكثر ملائمة لتسيير المجتمع التونسي حسب رأيهم. و من أبرز سمات تيارات أقصى اليمين التنديد بانهيار الأوضاع في الوقت الراهن و الحنين للماضي وللعصر الذهبي و هو ما نلحظه لدى الدستوري الحر والذي يعتبر أن الوضع الحالي أسوأ ما وصلت إليه البلاد وأن وضع البلاد تحت سلطة النظام السابق هو العصر الذهبي و عصر الإزدهار ونحن أمام ضرورة العودة إليه مجددا. و نجد لذلك مثيلا في إسبانيا حيث أن حزب "فوكس" اليميني المتطرف يمجد ديكتاتورية "فرانكو" ويدعو إلى إحيائها.

كما تتميز أحزاب أقصى اليمين برفضها للحريات وكرهها للمثقفين و عدائها للمجتمع المدني. ففي بولونيا والمجر تعمل أحزاب أقصى اليمين الحاكم على التضييق على منظمات المجتمع المدني. و هو ما يتميز به إئتلاف الكرامة الذي يهاجم باستمرار منظمات المجتمع المدني وخاصة الإتحاد العام التونسي للشغل لأنه سلطة مضادة وأداة تعديل اجتماعي. كما أن إئتلاف الكرامة يهاجم الحريات الفردية و خاصة تلك المتعلقة بالحريات الفكرية والحريات الأكاديمية وحقوق المراة وحرية المعتقد وحرية الضمير والحال أن أحد أعضائه في مجلس النواب شرع "التكفير"على وجه الملإ. تذكيرا بأن رابطات حماية الثورة المنحلة والتي ينتمي بعض قادتها إلى إئتلاف الكرامة هاجمت في سنوات 2012 - 2013 اجتماعات الأحزاب والمنظمات وسعت إلى منعها بالقوة وتعنيف منظميها وهي خاصية أقصى اليمين المتطرف.

• الإقصاء العرقي والسياسي والإجتماعي
ترتكز إيديولوجيا اليمين المتطرف في أوروبا على الإقصاء exlusion و رفض الإندماج. فمع صعود هذه التيارات في أوروبا تضاعفت سياسات القمع ضد المهاجرين. حيث يتم سجن طالبي اللجوء في ايطاليا ويتعرض المهاجرون للمطاردة والملاحقة والسجن.
أما في تونس فإن الإقصاء والسعي لللإستئصال الذي يمارسه أقصى اليمين يتخذ أشكالا أخرى. ذلك أن ائتلاف الكرامة وبعض التيارات الدينية المتشددة تسعى إلى إقصاء واستئصال "التجمعيين" باعتبارهم قوى ثورة مضادة و مسؤولين عن النظام السابق مع مسحة "تكفيرية". في حين أن الدستوري الحر يتخذ من إقصاء الإسلاميين و استئصالهم من تونس أصله التجاري. فهو يطلق نوعا من التكفير عليهم باعتبارهم لا يعترفون بالدولة الوطنية. فإذا كان الإقصاء الذي يمارسه اليمين المتطرف في أوروبا يتخذ طابعا عرقيا (مسلمون-عرب- يهود-..) فأن الإقصاء الذي تمارسه تيارات اليمين المتطرف في تونس يتخذ طابع الإقصاء السياسي في رفض تواجد خصمهم السياسي و تكفيره ( كافرون بالثورة في مواجهة الكافرين بالدولة الوطنية) وصولا إلى الإقصاء الاجتماعي و الثقافي.

إنه لفارق جوهري بين التيارات الديمقراطية و تيارات أقصى اليمين المتطرف وصولا إلى الفاشية. فالديمقراطية تنبني بالأساس على الإدماج l’inclusion أي إدماج كل التيارات و الفئات السياسية و الإجتماعية و العرقيات والأقليات والأجناس في المجتمع لتكون حقوقهم مضمونة و متساوية مع الجميع. في حين أن أقصى اليمين والفاشية ترتكز على إيديولوجيا الإقصاء exclusion العرقي والسياسي أو الإجتماعي والجنسي.

• أحزاب أقصى اليمين :محافظة و رجعية
إن أحزاب أقصى اليمين معروفة بتوجهاتها "الماضوية" و المحافظة و كرهها للحاضر و تمجديها للماضي و حقدها على المثقفين و إنكارها للمساواة بين الفئات و الطبقات والأجناس و الدفاع عن المجتمع الذكوري و الطبقي وهي التي تعتبر أن هناك "نخبة مصطفاة حاكمة" وشعب محكوم.
ففي المجر يدعو الزعيم اليميني المتطرف"فيكتور أوربان" إلى بقاء النساء في المنازل لينتجوا ابناء مسيحيين" غير مختلطين بأجانب و خاصة عرب ومسلمين. أما حزب "فوكس" في إسبانيا ( 10 ٪ من الأصوات) فإنه يدعو إلى إلغاء مصادقة إسبانيا على الإتفاقية الدولية المجرمة للعنف ضد المرأة و التي لم يمض عليها إلى حد الأن النظام اليميني المتطرف في المجر. و سواء في أوروبا أو البرازيل أو أمريكا الشمالية فإن هجوم اليمين المتطرف لإلغاء الحق في الاجهاض في الآجال العلمية متواصلة لا تنقطع.

إن ائتلاف الكرامة تيار محافظ ورجعي يتصدى لكل أشكال المساواة بين المرأة و الرجل و يتصدى للحريات الفردية باسم الدفاع عن الأخلاق . أما الحزب الدستوري الحر و رغم ادعائه بالإنتماء للتيار البورقيبي فإنه تيار محافظ و لا نجد له توجهات واضحة بخصوص المساواة التامة بين المرأة و الرجل و حريات المعتقد و الضمير و الحريات الفردية. كما أنه يرفض علنا مشروع المساواة في الإرث الذي تقدم به المرحوم الباجي قايد السبسي.

• من العنف اللفظي إلى التصفية الجسدية
من أهم سمات أقصى اليمين الخطاب العنيف والذي يمهد للعنف الجسدي وصولا إلى الإغتيال السياسي. فقد شهدت أوروبا و خاصة إيطاليا و المانيا موجات من الإغتيالات. كما شهدت تونس اغتيالات سياسية طالت لطفي نقض و شكري بلعيد و محمد البراهمي على أيدي مجموعات دينية متطرفة. فمنسوب العنف اللفظي الذي يتفوه به قادة الأحزاب المتطرفة قد يتلقفه أنصارهم الاكثر تشددا و حماسا باعتباره رسالة مشفرة وتوجيها للتصفية الجسدية. فالدعوة لللإستئصال السياسي و الإجتماعي والعرقي تؤدي بالضروري للاستصال الجسدي. و إن استشراء العنف السياسي في تونس أكبر خطر يهدد الديمقراطية في تونس..

لقد أصبحت قبة البرلمان المسرح المفضل لتبادل العنف اللفظي بين الفرقاء السياسيين خاصة و هي تنقل على الهواء مباشرة. وإذا تواصل هذا العنف فإنه قد يؤدي إلى إشعال فتيل العنف السياسي مجددا. لذلك من الضروري على البرلمان وضع الآليات الضرورية للحد من خطورة هذه الظاهرة في أقرب الآجال.
وعلى القوى الديمقراطية و التقدمية أن تتذكر جيدا بأنه تاريخيا كانت تيارات أقصى اليمن تتقدم دائما بوجوه مغلفة بأقنعة متعددة. و لا يتكشف وجهها الحقيقي الفظيع إلا عندما تتمكن من السلطة. عند ذلك لنقل سلاما على الحرية و الديمقراطية.و عندها لن ينفع الندم..

بقلم: عبد المجيد المسلمي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا