وجهة نظر: كيف تمكّن التونسي من التوقّي من فيروس «الكورونا» إلى حدّ الآن ؟

• في اتجاه المدّ:

حزمة من الاجراءات الوقائية الاستباقية انطلقت منذ شهر فيفري الماضي..

مطارات ومناطق عبور برية وبحرية جٌهّزت بأنظمة قيس للحرارة.. تخصيص فضاءات عبور "للحجر الصحي" للوافدين من المناطق الموبوءة بالتعاون مع "ديوان الطيران المدني والمطارات".. إعلان حالة "الحجر الصحي العام" مع فرض "حظر للتجوال" انطلاقا من الساعة السادسة مساء.. غلق لجميع مؤسسات التعليم بجميع أصنافها.. الانطلاق في احداث "مسالك كوفيد" في عدد من المؤسسات الاستشفائية العمومية .. تخصيص فضاءات فندقية وجامعية "للحجر الصحى الاجبارى".. تسجيل نسب وفيات متدنية وحالات شفاء مرتفعة من بين المصابين بالفيروس دون تحديد رسمي للأسباب...

• في اتجاه الجزر:
الامعان الشديد في انتهاج سياسة التقصى والكشف الموجّه والمحدود dépistage ciblé/restreint المخالف لشعار "المنظمة العالمية للصحة" الشهير الدّاعى الى tester, tester, tester.. نسق احصائى للتحاليل المجراة في صعود ونزول شبيه بتقلبات أسواق البورصات، تولّد عنه احساس جمعي بأن الحالة الوبائية في البلاد غير واضحة المعالم بالقدر الكافي وذلك أكدته تصريحات متضاربة لعدد من كبار المسؤولين تأرجحت بين الطمأنة والتحذير والوعيد.. حشود بشرية تٌقدر بعشرات الآلاف في حالة تدافع أمام مكاتب البريد وداخل الأسواق.. كمّامات غير صحية تٌعرض على قارعة الطريق وفي المحلات التجارية...

- ما الذى يحدث بالضبط ؟

- كيف تسنى للاعداد الغفيرة من الناس التى عرفتها مكاتب البريد والاسواق وغيرهما من الفضاءات من الافلات من قبضة "العفريت الكورونى" بالرغم من انقضاء فترة الحضانة la période d’incubation المتعارف عليها للفيروس ؟

- لمَ لم تتعرض بلادنا إلى "موجات كوفيدية حقيقية" على غرار إيطاليا و فرنسا و إسبانيا التى تجمعنا معهم أواصر قرابة متوسطية قوية ؟

- بمَ تفسر حالة الشفاء التلقائى الكبيرة في صفوف المصابين بالفيروس ؟

- هل لأننا من صنف "السوبرمان" الحامل لجينات 3000 سنة من الحضارة كما يزعم عدد من المهرّجين أو لان بلادنا مرفأ امن للأولياء الصالحين جميعا وقبلة لادعيتهم التى لم تنقطع لمئات السنين ؟

- أم أن للمسألة أبعادا أخرى أعقد من ذلك بكثير ؟

بالعودة لسلسلة من المقالات العلمية المثيرة للاهتمام التي قامت بها الباحثة "رحمة بلهادي" المتخصصة في "علوم البيوتكنولوجيا والجراثيم"، والمنشورة تباعا على موقع Espace Manager خاصة مقالها المعّنون:
Le Maghreb face au COVID-19 : Une hypothèse de sur-résilience immunitaire حيث بادرت بتقديم فرضيتين علميتين في محاولة منها لفك شفرة "الحالة التونسية" في الحد من الوباء :

أولا، السياسة الصحية الوقائية التى انتهجتها الدولة التونسية منذ الاستقلال خاصة تعميم لقاح BCG على جميع المواطنين منذ صغرهم، والتي كشفت عن العديد من البحوث المتقدمة في هذا الشأن عن نجاعته العالية في مكافحة فيروس الكوفيد-19 عبر تقوية أجهزة المناعة لدينا.

ثانيا، موروثنا الغذائي الغني بالتوابل والبهارات خاصة الحارّة منها حيث اثبتت البحوث في مجال "طب الاعشاب" la phytothérapie نجاعتها المؤكدة في تقوية الجهاز المناعى، بالمناسبة فان "طب الأعشاب" يٌدرّس بكليات الصيدلة والطب في بلادنا وسائر انحاء العالم ولا علاقة له اطلاقا بالعلاج العشبي الرّعواني المنتشر هنا وهناك...
إلا أنه بالتدقيق أكثر في المسالة أعتقد أنه تتمة إلى ما تقدم فإن مفاتيح "الفزورة التونسية المستعصية" تعود أيضا إلى عنصرين لم يتم التطرق إليهما سابقا :

1 - عنصر المصادفة – من العناصر التي كانت سببا في ظهور العديد من العلوم والكشوفات البحرية – فلنفترض جدلا أن الوباء تصادف مع شهر جوان أو بداية جويلية أي بتزامن مع بداية ذروة الموسم السياحي، فإنه بالتأكيد ستكون لدينا حالات إصابة وربّما وفاة أعلى بكثير مما يٌتداول اليوم خاصة وأنّ العدوى الخارجية عبر المطارات كانت منطلق انتشار الفيروس في العديد من الدول بما فيها تونس.

2 - عنصر خرق "الحجر الصحي العام" من قبل عدد كبير من التونسيين وخروجهم الى الشارع دون كمامات مما أسهم بشكل كبير في تفشي الفيروس دون ان ندري ودون عوارض تٌذكر وبالتالي مكننا من التحصّن منه وفق نظرية "المناعة الجماعية" Immunité collective...
بالفعل الدولة التونسية اختارت نهج "الحجر الصحي العام" في التعاطي مع هذا الوباء في حين أن عموم التونسيين اتخذوا منحى آخر مخالف تماما يعبّر عنه "بالمناعة الجماعية" لكن هذه المرة بطريقة فطرية غرائزية لا علاقة لها بالاستراتيجيات المنبثقة من المكاتب المغلقة ومراكز التفكير، والا فكيف يمكن أن نفسر تعافي عدد كبير من المصابين بشكل تلقائى وعدم ظهور حالات كوفيد او وفيات مرتفعة في أوساط الوافدين على مكاتب البريد والاسواق خلال شهر مارس وأفريل بالرغم من انقضاء فترة "الحضانة" المعمول بها صحيا...

للعلم فإن إستراتيجية "المناعة الجماعية" أعطت أكلها في السويد وفي هولندا حيث لم يتم توخي مقاربة "الحجر الصحي العام" الخانق والمميت بصيغة "الأموات الاحياء"
ربما يكون المزج عندنا بين العناصر الأربعة ( اللقاح – الغذاء – المصادفة والحصانة الجماعية الفطرية) قد مكنتنا على الاقل من كسب الشوط الاول من معركتنا ضد هذا الفيروس ...
من يدرى ؟

بقلم: محجوب لطفي بلهادي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا