برج بابل: قبل أن يفوتنا القطــــــار

هناك إدراك عام في تونس أن الأشياء لا تسير بالشكل المطلوب أو على الأقل بالشكل المرغوب. ولا يتعلق الأمر بجائحة الكورونا فحسب،

بل يتعلق بالمزاج العام، بما آلت إليه الوضعية السياسية التي تكشف عن أزمة حادّة في إدارة الأزمة وعن مهاترات هي الأقرب إلى استنزاف المجهود من أي شيء أخر. المعارك التي تبدو لنا مقرفة ليست معارك حول البرامج ولا معارك حول أفاق ما بعد الجائحة وليست اختلافا في وجهات النظر حول إصلاح المنظومة الصحية أو التربوية أو أي منظومة أخرى تحتاج إلى بوصلة واضحة المعالم.

هناك سياسة يمارسها في الأغلب هواة من جيل لا يدرك أن الفعل السياسي مسيرة تقودها قيم إنسانية وأن الفعل السياسي أيضا منظومة من التضحية طويلة المدى وأنها كذلك منظومة نضالية تطمح إلى التغيير، إلى إحداث النقلات النوعية وإلى ترك البصمات في التاريخ. نحن إزاء فعل سياسي من نوع جديد، فعل سياسي مغرق في البراغماتية، لا يعترف إلا بمقولة الآن وهنا، والسياسة أقرب إلى أن تكون لديه ضربة نرد لا غير. ولهذا يغيب السياسيون عن الساحة بمجرد خسارتهم لرهان انتخابي، أو أنهم لم يستفيدوا مباشرة من أي مزايا فعلهم السياسي وأحزاب سياسية تكون في القمة ثم وبشكل سريالي تفقد كل شيء تقريبا. الفعل السياسي الجديد هو أشبه بسباقات السرعة المطلقة، أما الفعل السياسي الماراطوني أو فعل السباقات الطويلة أو شبه الطويلة فقد ولّى أمره ولم تبق منه إلا بعض الوجوه القديمة التي هي بصدد توديع مسيرتها السياسية.

هذا النمط من الفعل السياسي النردي (نسبة إلى ضربة النرد) هو الذي يهيمن الآن على المنظومة السياسية، وهو نمط يستطيع أن يغير تحالفاته وتوجهاته وأن يغير بوصلته في أي وقت وتحت أية ظروف ودون أن يكون لذلك أي تفسير. هو أيضا نمط لا يعتمد على الأفكار السياسية بقدر ما يعتمد على إدارة كلمات تكون موجهة لوسائل الإعلام ،تلك التي ليس لها الوقت لمناقشة مثل هذه المسائل، أو لشبكات التواصل الاجتماعي، وهو ولمزيد التوصيف نمط من الفعل السياسي أقرب إلى سلوك انستاغرامي غير معنيّ بالديمومة بل معنيّ باللحظة، وهذا يعني إلقاء الصور ونشرها بكثير من النرجسية وفي أزمنة متقاربة جدا ومنها السعي إلى مزيد كسب المتابعين وليس الأنصار. ومن هنا يصبح الفعل السياسي ذلك الفعل الذي يُلقى به جانبا بمجرد قدوم فعل سياسي أخر أكثر جاذبية وأكثر إثارة وربما مشهدية وهكذا دواليك.

ماذا يمكن أن يحدث إزاء هذا النمط من الفعل السياسي؟
لا يمكن في ظل تنامي هذا النمط من الفعل السياسي أن نحدّد البوصلة التي نريد. ولا يمكن تحديد الأولويات ولا يمكن حتى مناقشتها بالجدية المطلوبة. سيكون المجال السياسي مفتقرا للنقاشات الجدية في التعامل مع الأولويات، وستكون الخلافات الصغرى فاقدة المعنى هي التي يدور حولها أغلب النشاط السياسي، وهنا تتجه الطاقات إلى البحث في الخلافات وفي تحقيق النقاط على حساب الخصوم أكثر من البحث فيما يهم فعليا مشاكل الناس وانتظاراتهم. وحتى وإن وقع التداول حول ما ينتظره المواطنون فإن التجربة أثبتت أن الأمور تتمّ في الغالب عبر تعويم مقصود، ويدخل ضمن هذا الحيز من التعويم كل ما يرتبط بمقاومة الفساد وبإصلاح المؤسسات العمومية وغيرها.

يحدث أيضا أن يفقد الناس أية ثقة في الأداء السياسي وفي الفاعلين السياسيين وفي المؤسسات السياسية وفي الانتخابات ومن ثمة في الديموقراطية في شكلها النيابي. وهنا بالذات بدأت تظهر الدعوات إلى العودة إلى الاستبداد أو فسح المجال أمام التصرفات الشُعبوية التي تقود الفعل السياسي هي الأخرى إلى الفوضى وغياب الرؤية، وهي ليست إلا شكلا من أشكال الاستبداد المقنع. و تدلّ كل المؤشرات أن الانتقال الديموقراطي في تونس يعيش مأزقا كبيرا بالرغم من الانتخابات وديموقراطية الصندوق والانتقال السلمي للسلطة وهو عاجز عن تأسيس فعل سياسي جاذب، بأخلاق فعلية وبوضوح في الرؤية مع التزام واضح بالوعود السياسية.
أغلب السياسيين منشغلون بلعبة النرد السياسية، ولهذا هم في الغالب غير عابئين بما يحدث حولهم من انفلاتات ذات معنى قوي وأخرها حرق قطار لنقل الفسفاط ضمن حرب المصالح المشتعلة الآن. إن الفعل السياسي ومن ورائه الدولة في موقع من فاته القطار أو يكادُ.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا