برج بابل: إلى حين مرور الجائحة، من سيدفع الحساب؟

تتجه الجائحة في تونس إلى الانحسار والتلاشي. الأرقام التي تقدمها أجهزة الدولة المختصة تعطي إشارات لا شك فيها أن الأمور تسير بشكل جيد.

ولكن السياسة الصحية في تونس لا تزال تنبه مواطنيها أن المباراة لم تُحسم بعدُ وأن ريمونتادا كورونية ممكنة في كل وقت إذا تكاسل الناس في علاقتهم بشروط الحيطة الصحية وواجباتهم في التباعد الجسدي ولبس الكمامات.
في التعامل مع انحسار الوباء كان على التونسيين أن يستجمعوا كل الإشارات التي تدخل عليهم الطمـأنينة كي يسترجعوا عافيتهم التواصلية. يبحثون عن دور شمس بداية الصيف في إزالة الخوف عنهم، مثلما يستعيدون تلاقيح بدايات سنوات الاستقلال التي ربما ساهمت في تقوية مناعتهم إزاء الجائحة. المهم لديهم كيف الخروج من هذا الحصار، هذه هي كورونا المواطنين والتي ليست بالضرورة كورونا الدولة التي تريد أن تمُر الجائحة دون أضرار تُذكر، كُلفة سياسية تقيها إكراهات ما ينتظرها في قادم الأيام.

هل توجد كُلفة سياسية لهذه الجائحة؟ الديموقراطية النيابية موضع جدل
بالتأكيد توجد كُلفة سياسية وملامحها الأولية التي لا جدال حولها هذا الارتباك في التعاطي السياسي مع المسألة. ففيما الناس منشغلون بتأثيرات الجائحة على حياتهم اليومية، ينبري السياسيون وهم في مركز القرار داخل سيستام الحكم إلى افتعال خصومات بائسة وإلى التشكيك في مصداقية بعضهم البعض دون أن يكون لهم أدنى تفكير فيما سيترتب عن هذه الوضعية من فشل في إدارة الشأن العام. يواصل السياسيون مناكفتاهم التقليدية بنفس المضامين وبنفس الأساليب وكأنه لا توجد جائحة بيننا. وهذا السلوك هو إحدى مكونات البراديغم السياسي في تونس. فالكلفة السياسية ستكون باهظة الثمن لأن هؤلاء السياسيين الذين يديرون الحكم في المرحلة الحالية لن يجدوا الوقت الكافي للتفكير الجدي فيما بعد الجائحة ومتطلباتها. ولن يجدوا أيضا الشرعية الكافية لكسب رضا الناس عنهم. ولكن الكلفة ليست فقط مرتبطة بالفاعلين السياسيين وبمدى الثقة فيهم بل أن الأمر يتجاوز ذلك إلى وضع الديموقراطية التمثيلية موضع تساؤل. المؤشرات الواردة من كل البلدان ذات التجارب الديموقراطية العريقة تفيد بأن التمثيلية الآن في مأزق كبير ورغبة الناس في أكثر تشاركية في إدارة الشأن العام أصبحت واضحة للعيان والمساءلة الاجتماعية هي التي يستعين بها المجتمع المدني كما الأفراد لمزيد مراقبة أداء مؤسسات الدولة والفاعلين السياسيين الذين يديرونها. قد تكون الكلفة السياسية في تونس إثر مرور الجائحة مزيدا من فقدان الثقة في المؤسسات السياسية المنتخبة.

هل توجد كُلفة اقتصادية لهذه الجائحة؟ الكلفة الاقتصادية ليست مستقلة عن المقاربة السياسية
من المؤكد أن انحسارا اقتصاديا سيكون العنوان الأبرز لما بعد الجائحة. وعلى الاقتصاد العالمي أن يأخذ الكثير من الوقت ليستعيد نشاطه. ولكن ما يهمنا أنه في تونس ستكون المؤسسات الصغرى والمتوسطة هي التي ستدفع الكلفة الأقوى. وستدفعها أيضا تلك الفئات الاجتماعية الواسعة التي تشتغل في الاقتصاد اللاشكلي والتي فقدت جزءا مهما من حظوظها في استرجاع فرص للعمل. والكلفة الاقتصادية ستدفعها الموازنات المالية للدولة والتي هي أصلا في أزمة خانقة. كما ستدفعها الأنشطة الاقتصادية التصديرية والقطاع السياحي كذلك. وهو ما سيجعل معدلات البطالة في ارتفاع وقد تصل إلى حدود 20 %. وسيجد المشتغلون في المهن الصغيرة والوقتية وغير المهيكلة صعوبة كبيرة في إعادة الاندماج واسترجاع قدرتهم على الفعل في محيطهم. في اقتصاد هش وضعيف وجزء كبير منه لا يخضع لرقابة الدولة، يُصبح من الإشكالي إعادة ترتيب الأمور من جديد. وهو ما يدفع إلى بروز قلق اجتماعي يمكن أن يتطور إلى احتجاجات اجتماعية لا يمكن السيطرة عليها وهذا ما يجعل الكلفة الاجتماعية هي الأخرى باهظة الثمن.

الكلفة الاجتماعية: تنامي الاحتجاجات التي تدفع بها المظاهر الصغرى لعدم المساواة
من الوارد أن تشهد الاحتجاجات الاجتماعية تزايدا في الأشهر القادمة. ولن يكون هناك شتاء الغضب كما تعودنا عليه بل أننا سنكون هذه المرة أمام خريف الغصب مع بدايات شهر سبتمبر. ومن المتوقع مع التراجع الاقتصادي والخلل في التوازن المالي للدولة وارتفاع نسب البطالة أن يكون الحراك الاجتماعي قويا. ولكن هذا الحراك يمكن أن يتجاوز ما هو متوقع منه عندما يحصل شعور عند الناس أن المساعدات وتدخلات الدولة لم تكن مجدية وخصوصا لم تكن عادلة. إذ أن المشكل ليس فقط في وجود أزمة بل المشكل في كيفية إدارتها. وهنا تصبح المسألة سياسية ويصبح المشكل في الإدارة السياسية للأزمة. فعندما يكون هناك مشكل اتصالي يجعل الناس يفهمون أن الحكومة بصدد مساعدة قنوات تلفزية وإذاعية خاصة على حساب قطاع الصحة أو التعليم، عندها يصبح من الصعب إقناعهم بعكس ذلك. الإدارة السياسية والاتصالية مهمة في مراحل الأزمة، وكل نجاح في المقاربة المتبعة هو إمكانية أكبر للحدّ من خطورة الاحتجاجات الاجتماعية. إن الإحساس بأن الحكومة كانت أكثر عدالة ومساواة ووضوحا في الرؤية في التعامل مع الإجراءات المختلفة التي سيتم اتخاذها هو الذي سيجعل الكُلفة الاجتماعية أقل وطأة مما هو متوقع. والمعطى الذي يمكن ملاحظته أن الاحتجاجات الاجتماعية ستكون بناء على فوارق صغرى في الشعور بانعدام المساواة بين الأفراد.
عديدون سيدفعون الكلفة و إن كانت بأشكال وبدرجات مختلفة، الفئات الشعبية الهشة سيكون لها نصيب الأسد من تداعيات الكلفة، الطبقة الوسطى المهترئة بطبعها ستدفع الثمن أيضا، المؤسسات الصغرى و المتوسطة غير القادرة بمفردها على مواجهة انحسار الاقتصاد، المؤسسات العمومية التي تشكو أزمة حوكمة ستكون أيضا من أكبر ضحايا الكورونا. الديموقراطية النيابية بالأداء السياسي السيئ ستكون هي الأخرى في مرمى الاحتجاجات. ولكن هذا يعني ان الإفراد هم أيضا سيعيشون هذه الأزمة وفق الإحباطات التي يتعرضون إليها وستجعلهم المقارنات البسيطة التي يعيشونها في حياتهم اليومية مع آخرين من محيطهم القريب و البعيد مصدرا لا يقل أهمية من مصادر الاحتجاج المشوب بالكراهية و النقمة العامة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا