في الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيل الطاهر بن عمار (1889 - 1985): رفع الحجر عن الذاكرة والدخول الى التاريخ

بقلم حبيب القزدغلي – أستاذ التاريخ المعاصر
كلية الآداب والفنون والانسانيات بجامعة منوبة
تمر هذه الأيام الذكرى الخامسة والثلاثون لوفاة الطاهر بن عمار رجل الدولة الذي أمضى في مناسبتين

(03 جوان 1955 و20 مارس 1956 ) -بصفته وزيرا أكبر للحكومة التونسية- على وثيقتين حددتا لا فقط مستقبل البلاد التونسية ولكن أيضا التطور اللاحق لمسيرة الرجل ومستقبله في دولة الاستقلال. فبعد سنتين فقط من امضائه على وثيقة الاستقلال وجد الراحل الطاهر بن عمار نفسه ماثلا أمام محكمة القضاء العليا في سبتمبر 1958 بتهم كيدية هدفت الى اخراجه من دائرة الضوء. ورغم المحاولات المحتشمة لإعادة الاعتبار للرجل في حياته -رحل الطاهر بن عمار في صمت يوم 08 ماي 1985 ودفن يوم 10 ماي- دون صدور أي بيان رسمي عن الحكومة التونسية. لذلك يمكن اعتبار اشراف رئيس الجمهورية محمد الناصر يوم الاثنين 14 أكتوبر 2019 على موكب إزاحة الستار عن لوحة شارع « الطاهر بن عمار « بضاحية قرطاج أميلكار «بحضور عائلة المرحوم الطاهر بن عمار وإطارات الجهة وأعضاء المجلس البلدي وعدد من الشخصيات الوطنية» نوعا من الاعلان الرسمي عن رفع الحجر الذي تعرضت له ذاكرة الرجل ودخوله للتاريخ الوطني التونسي الثري والمتعدد.

الرئيس الراحل قايد السبسي يعطي اشارة انطلاق رد الاعتبار الرسمي للطاهر بن عمار
وفي الحقيقة يعود قرار اعادة الاعتبار للطاهر بن عمار الى خطاب الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي بمناسبة الذكرى الستين للاستقلال في 20 مارس 2016 . في تلك المناسبة أعلن الرئيس الراحل على ثلاثة قرارات هامة تتعلق بالذاكرة الوطنية . أولى تلك القرارات تمثلت في ارجاع النصب التذكاري للرئيس الراحل بورقيبة من ضاحية حلق الوادي الى مكانه الأول في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة. ومعلوم أن تمثال الرئيس بورقيبة تعرض الى النقل في شهر جوان 1988 من مكانه وسط العاصمة الى حلق الوادي في أجواء من اللامبالاة تكاد تكون عامة (على الأقل في المجال العام) حيث تم في الأشهر التي سبقت تلك العملية خلع كل التماثيل المجسدة للرئيس بورقيبة التي كانت موجودة في ساحات المدن وفي الادارات الخ مع استثناء المجسم الذي لا يزال موجودا في مدينة طبرقة والمجسم أمام بلدية المنستير. ويذكر أن بعض رؤساء البلديات الذين بادروا بحذف تماثيل بورقيبة من مدنهم كانوا في ما مضى من الأيام من اشد المتحمسين لوضعها والمطبلين في عهده لكل سياساته .

ولا بد من الاشارة الى أن الذين لفتوا الانتباه الى ظاهرة «ازالة تماثيل بورقيبة» هم الذين صدقوا في نقدهم لسياسته عندما بنى القصور سنة 1962 ونبهوا من بداية مظاهر عبادة الشخص كما ساندوه في كل ما اعتبروه مفيدا لتونس من انجازاته ويخدم تقدمها. فقد تميزت في تلك الفترة جريدة «الطريق الجديد» التي كان يصدرها الحزب الشيوعي التونسي بتاريخ 29 جوان 1988 عندما كشفت اللثام عن خلفيات العملية ونبهت من عواقب خلع الرموز من الذاكرة الوطنية. أما القرار الثاني الذي أعلنه الرئيس الراحل السبسي في الخطاب السالف الذكر فيتعلق بإعادة الاعتبار الى الراحل الطاهر بن عمار. وقد حرص الرئيس السبسي في تقديم الموضوع أن يذكر أن الطلب جاء من عائلة الفقيد ولكنه في نفس الوقت أكد موافقته على أن يتم اعادة الاعتبار ونرفع بذلك مظلمة تاريخية توفر الى شعبنا أسباب تماسكه. أما الشخصية الثالثة التي اقترح الباجي قائد السبسي رد الاعتبار اليها فهي صالح بن يوسف. ومع أهمية القرار الذي اتخذه الرئيس الباجي قائد السبسي في شأن اعادة الاعتبار للطاهر بن عمار لا بد من الاشارة الى المحاولات السابقة التي تمت للمصالحة مع دور الراحل في تاريخ تونس- في حياته وبعد وفاته- ولكن من سوء الحظ لم تصل تلك المساعي إلى مبتغاها نظرا للظروف التي حفت بها.

أوجاع الذاكرة في محك الرواية الرسمية للماضي
كان من الواضح أن الهدف الحقيقي من محاكمة الطاهر بن عمار في خريف 1958 هو التخلص - عبر توظيف القضاء- من منافس حقيقي أو محتمل له رصيده ووزنه في وقت كانت فيه دولة الاستقلال الناشئة تعاني من هشاشة نتيجة صعوبات داخلية (الصراع مع أنصار بن يوسف) وتعقيدات خارجية (حرب الجزائر والخلاف مع عبد الناصر الخ) . لذلك وبعد حصول الهدف المنشود من المحاكمة لم يتأخر بورقيبة -السياسي المحنك- الى السعي وبطريقته الى محاولة استدراج الطاهر بن عمار الى جانبه في وضع يكون فيه المنافس في درجة أقل خاصة وانه كان لمحاكمة الطاهر بن عمار تداعياتها داخل الحزب الحاكم (المقال الشهير الذي أصدره البشير بن يحمد في صحيفة لاكسيون والمساندة التي لقيها من محمد المصمودي) اضافة لامتعاض عديد الشخصيات المقربة من بورقيبة و المعروفة حينئذ والتي لم تقبل تعرض الطاهر بن عمار الى الاهانة. يضاف الى ذلك الصورة السيئة التي تكونت من جرائها لبورقيبة في الخارج حيث سعى العديد من أصدقاء تونس من المحامين والسياسيين للحيولة دون تواصل الاهانة التي لحقت بالطاهر بن عمار (بيار منداس فرانسغ ادقار فور- نيكسن الخ) . لذلك لن يتردد -بورقيبة السياسي- في الأخذ بعين الاعتبار مثل هذه الضغوطات. المحاولة الأولى تمت في ربيع سنة 1959 اثر اجراء بورقيبة عملية جراحية في سوسة قام بها الدكتور علي العقبي وهو من أقرباء الطاهر بن عمار.

فخلال فترة النقاهة التي كان يمر بها الرئيس تمت زيارة الطاهر بن عمار من طرف كل من وسيلة بن عمار وتلاها الدكتور العقبى في مناسبة ثانية بهدف اقناع الطاهر بن عمار بزيارة بورقيبة والاستلطاف له بعد نجاح العملية إلا أن محاولة «تنقية الأجواء» التي سعى اليها الزائران قوبلت بالرفض من طرف الطاهر بن عمار. أما المحاولة الثانية فقد جرت بعد عشر سنوات من الأولى وكانت في صائفة 1969 بمناسبة احياء الذكرى الثالثة عشرة لإعلان الجمهورية وذلك بعد أن سبق اصدار عفو تشريعي في سنة 1966 بخصوص تداعيات محاكمة الطاهر بن عمار (حسب ما ذكره الراحل الباجي قايد السبسي في خطابه في 20 مار س 2016) . ففي تلك المناسبة تمت دعوة الطاهر الى قصر قرطاج وتوسيمه بالوسام الأكبر للاستقلال . يذكر نجل الطاهر بن عمار (الشاذلي) في كتابه حول مسيرة والده والصادر سنة 2015 « لما وصل الطاهر بن عمار الى قصر قرطاج استقبله الرئيس بورقيبة وارتمى يحضنه ويضمه اليه في غاية من التأثر والدموع تنهمر ولسانه لا يتوقف عن عبارات الثناء والإشادة بفضله على تونس «سي الطاهر لولاك ما كنا لنحقق أي شيء» (الشاذلي بن عمار). إلا أنه ورغم التقاء الرجلين فان الجفوة ستظل قائمة حيث يذكر نجل الطاهر بن عمار مناسبتين التقى فيهما مع الرئيس بورقية عكستا أن الصدام بين الذاكرتين لم يصل الى مرحلة التهدئة.

الأولى تمت - والطاهر بن عمار لا يزال على قيد الحياة- في 15 ماى 1983 في مركض قصر السعيد بمناسبة تسليم كاس رئيس الجمهورية لسباق الخيل حيث صافح الرئيس بورقيبة الشاذلي بن عمار ودعاه «لإبلاغ سلامه الى سي الطاهر أن بورقيبة لن ينسى دوره» . والثانية تمت في سنة 1986 بعد مرور سنة على رحيل الطاهر بن عمار حين دعي نجله الشاذلي (في شهر ماي أو جوان) لمقابلة الرئيس بورقيبة في قصر قرطاج على اثر نشره لمقال –تحدث فيه عن مسيرة والده- حيث وجده مغتاظا وقام بلومه عما كتبه «من أين لك هذا؟» . ومهما يكن من أمر وبقطع النظر عن دقائق التفاصيل الهامة التي تضمنها كتاب نجل بن الطاهر بن عمار فان فشل هذه المحاولات –رغم النوايا الطيبة التي قد تكون حفت بها- تعود بالأساس الى ارادة –بورقيبة الرئيس- في جعل التاريخ أداة من أدوات السلطة السياسية وقد تجلى ذلك من خلال الرواية الرسمية للتاريخ التي تضمنها الكتاب المدرسي لعقود طويلة والتي تجسدت أيضا في سلسلة الكتب (بلغت 20 كتابا) التي أشرف عليها المرحوم محمد الصياح وكذلك في مجموعة الكتب حول تاريخ تونس وكتبها جامعيون والتي تم اصدارها بإرادة سياسية من طرف الشركة التونسية للتوزيع في سبعينات القرن الماضي. وهكذا عندما تصبح طريقة النظر الى الماضي عنصرا محددا في تدبير شؤون البلاد تفرض على المؤسسات وعلى الأفراد سلوك ممارسات لا يمكن أن تفتخر بها ذاكرة الدولة العصرية التي عمل بناة دولة الاستقلال على تركيزها بل تعتبر من جوانبها البائسة التي يجب العمل اليوم على استخلاص كل الدروس منها والقطع معها . فعند وفاة الرجل في 08 ماي 1985 لم تقم الحكومة التونسية بإصدار بلاغ رسمي لنعيه وهو أحد من تولوا رئاستها في مناسبتين وفي فترة دقيقة من تاريخ البلاد التونسية كما لم يهرع رجالات الدولة -الا استثناءات قليلة- لحضور الجنازة لذا فان التأبين يصبح من باب الواجبات الوطنية التي يتولاها المعارض للحكومة وهو ما لم يتخلف عن القيام بذلك السيد أحمد المستيري -أطال الله أنفاسه- في مقبرة الزلاج يوم 10 ماي 1985.

لا يمكن انكار ارادة توسيع النظرة الى الماضي التي حصلت في تونس غداة السابع من نوفمبر 1987 ألا أنها من سوء الحظ بقيت بدورها حبيسة السعي للتخلص من ثقل حضور رموز الماضي وأولهم الرئيس بورقيبة. ولعل من أهم تجليات تلك النظرة القاصرة تعمد نقل تمثال أحد رموز تاريخ تونس من وسط العاصمة الى ضاحية حلق الوادي في مسعى مبطن للتقليل من دوره. كما لا يمكن التقليل من أهمية الخطوات التي تم القيام بها لإعادة الاعتبار لعدة شخصيات وإبرازها في المشهد العام ومنها تخصيص شارع فسيح باسم الطاهر بن عمار في حي المنار. وللتذكير فقد تم ذلك ضمن حركة قامت بها بلدية تونس في سنة 1989 شملت تسمية شوارع وأنهج باسم صالح بن يوسف سليمان بن سليمان وكذلك شملت محي الدين القليبي وعبد العزيز الثعالبي (الحزب الدستوري القديم) وحسن السعداوي (الحزب الشيوعي التونسي) لكن مثل تلك الخطوات الهامة سرعان ما فقد ت بريقها وتراجع مفعولها الايجابي مع بروز ارادة قوية الى تركيز الممارسة التسلطية للحكم شملت جميع مجالات تسيير حاضر الأفراد ونظرتهم الى ماضيهم حيث أصبح السابع من نوفمبر من كل سنة عيد صانع التغيير .

الذاكرة الوطنية المتعددة ومسؤولية المؤرخ
ان حرص الرئيس محمد الناصر علي تجسيد قرار اتخذه سلفه الراحل الباجي قايد السبسي والذي لم يتسن له تنفيذه في ما يخص رد الاعتبار للراحل الطاهر بن عمار -قبل أيام قليلة من تسليمه المشعل الى قيس سعيد الفائز في الانتخابات الرئاسية- تحسب للرجل وللدولة التونسية. وكلنا أمل في أن يكون بذلك قد رسخ نظرة جديدة للماضي -متخلصة من كل مظاهر الاقصاء- التي يجب أن تقود سياسات الذاكرة في تونس الجديدة. ان هذه النظرة للذاكرة الوطنية المتعددة من قبل السلطة السياسية تحمل المؤرخ مسؤولية أكبر في مجتمعه. ان اقرار السلطة السياسية -ممثلة في رئيس الجمهورية- لهذا الفهم السامي للذاكرة الجماعية تفرض على المؤرخ الجدي واجب توضيح علاقته التكاملية و النقدية تجاه الذاكرة باعتبارها احدى مصادر كتابة التاريخ باعتباره علما مستقلا عن السياسية وعن الذاكرة أيضا وبذلك يمكن القول بان الطاهر بن عمار انتقل بداية من 14 اكتوبر 2019 من مجال الذاكرة بآلامها وعواطفها الى مجال تاريخ تونس الأرحب الذي يتسع لدراسة متأنية وفق مناهج علمية لأعمال رجالاتها البررة بصولاتهم وبأخطائهم بعيدا عن كل أحكام مسبقة لغاية الاستفادة من تجاربهم الماضية حتى تكون ركائز ترفع عليها وتتراكم بناية تونس الحاضرة وخاصة تونس المستقبل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا