قهوة الأحد: أزمة الكورونا، الشعبوية ومستقبل الديمقراطية

لقد عرف النظام الديمقراطي في السنوات الأخيرة أزمة عميقة هزت أركانه وقلصت من مخزون الثقة في قدرته على إعطاء أمل وفتح آفاق جديدة للتجربة الإنسانية.

قبل أزمة الكورونا كان النظام الديمقراطي يعيش إحدى أهم أزماته والتي بدأت تخص أسسه ومبادئ الحداثة السياسية التي أتت بها فلسفة الأنوار والثورات في القرن التاسع عشر.

لقد دخل الشك والريبة في قدرة النظام الديمقراطي على تجاوز الأزمات التي عرفتها أغلب البلدان وعلى بناء مشروع جماعي جديد، وقد تدعم هذا الشك بالنقد الكبير الذي وجهه مفكرو ما بعد الحداثة للنظام باعتباره وريث فلسفة الحداثة والمؤسسات البالية والبيروقراطية التي أتت بها والتي كبلت حرية الفرد وهامش حركته. فالدولة الديمقراطية وضعت هياكل ومؤسسات فوقية أصبحت أساس التسلط والاستبداد في المجتمعات الحديثة ونكران الفرد وسالبة لحريته، وسيعمد هؤلاء الفلاسفة على المطالبة بتجاوز جمود وتصلب الأنظمة الديمقراطية الموروثة عن ثورات القرن التاسع عشر والانفتاح على عالم ما بعد الحداثة وبهجته وملذاته.

ويمكن لنا أن نشير إلى مظاهر أزمة وترهل النظام الديمقراطي كما عرفناها قبل أزمة الكورونا على ثلاث مستويات أساسية. المستوىالأول يهم الديمقراطية التمثيلية والتي شكلت جوهر النظام السياسي الديمقراطي في أغلب الديمقراطيات الكبرى في العالم. وقد بدأ هذا النظام يعيش الكثير من الوهن والصعوبات نظرا لتراجع التمثيلية وقدرة المسؤولين المنتخبين على التعبير على آراء واختيارات مواطنيهم، ويأتي تراجع هذه التمثيلية من ثلاث جهات مختلفة. المسألة الأولى تخص ابتعاد المسؤولين المٌنتخبين عن مواطنيهم وانغماسهم في السياسة السياسوية والصراعات الهامشية بين الأحزاب السياسية والتي لا تمت بصلة لمشاغل الناس والمصاعب اليومية التي يواجهونها. المجال الثاني الذي يفسر التباعد بين المسؤولين السياسيين ومواطنيهم يعود إلى ارتباطهم بلوبيات ومصالح اقتصادية كبرى ودفاعهم عليها وابتعادهم عن خدمة الصالح العام ومصالح أغلب الناس، كما لعبت العولمة وصعود المؤسسات الكبرى دورا مهما في أفول مبدأ التمثيلية حيث أن عديد القرارات الهامة والتي تخص في بعض الأحيان الحياة اليومية للناس يقع اتخاذها بعيدا عن المؤسسات الوطنية ليتراجع دور الدولة الوطنية ويتآكل تأثيرها تدريجيا.

إشترك في النسخة الرقمية للمغرب

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د

ساهمت هذه التطورات في تراجع ثقة المواطنين في الديمقراطية التمثيلية وفي قدرة المسؤولين السياسيين المنتخبين في التعبير عن مشاغلهم بكل أمانة في مؤسسات الدولة وتغيير ظروفهم المعاشية نحو الأفضل، وستساهم هذه التطورات في فقدان الثقة في النظام السياسي والمؤسسات الديمقراطية وانصراف المواطنين بشكل عام عن العمل السياسي وهجرهم للساحة الديمقراطية، وستفتح هذه الفجوة الباب أمام الحركات الشعبوية التي ستجعل من فكرة خيانة النخب حصان طروادة لمغازلة أكثر الأفكار رجعية ورفضا للآخر عند الناس ولفتح باب المغامرة المحفوفة بأكبر المخاطر أمام المجتمعات الديمقراطية.

يهم الجانب الثاني في أزمة النظام الديمقراطي المجال الاقتصادي فقد عرف نظام الدولة الوطنية الموروث من الحرب العالمية الثانية الكثير من الصعوبات ليدخل في أزمة خانقة منذ بداية سبعينات القرن الماضي، وسيكون مشروع تجاوز حدود الدولة الوطنية وبناء مشروع اقتصادي جديد معولم الاطار الجديد الذي ستدافع عنه البلدان الرأسمالية الكبرى والمؤسسات الدولية وكبريات الشركات المالية المؤسسات الصناعية والبنوك العالمية. وسيصبح مشروع العولمة منذ بداية تسعينات القرن الماضي الاطار الاقتصادي الذي انخرط فيه العالم من خلال توزيع الانتاج على مستوى عالمي والتطور الكبير للتجارة الدولية وحركة رأس المال.

إلا أن مشروع العولمة الرأسمالية ولئن سمح في فترة أولى بتجاوز أزمات النظام الاقتصادي الوطني فإنه كان وراء بروز أزمات عميقة كأزمة 2008 والتي كادت أن تعصف به، وستصبح العولمة الرأسمالية تدريجيا وراء الكثير من الأزمات المتكررة ومصدرا مهما لعدم الاستقرار في العالم.
ستساهم هذه الأزمات الاقتصادية في تراجع الثقة في قدرة النظام الديمقراطي على تجاوز عدم الاستقرار وعودة النمو والتنمية في العالم على أسس صلبة.

أما الجانب الثالث في أزمة النظام الديمقراطي فتهم الجانب الاجتماعي، لقد عرفت أزمة البلدان المتقدمة تراجع دولة الرفاه وتآكل المؤسسات التي لعبت دورا أساسيا في علاقات التضامن الاجتماعي والتآزر في الأنظمة المتقدمة، كما أن الأزمات الاقتصادية المتتالية كانت وراء تصاعد البطالة إلى مستويات عالية والتهميش الاجتماعي، وستكون العولمة العامل الذي سيساهم في تراجع مشروعية النظام الديمقراطي مع صعود الفوارق الاجتماعية وتناميها لتصبح الهاجس الذي يقضّ مضاجع الدول والمؤسسات الدولية.

إذن دخل المشروع الديمقراطي مرحلة ترهل وتراجع كبرى في السنوات الأخيرة أمام أزمة النظام السياسي والأزمات الاقتصادية المتتالية وتزايد الفوارق الاجتماعية وانخرام العقد الاجتماعي والروابط الصلبة. وقد كانت هذه الأزمات وراء تطور وتنامي الحركات الشعبوية في أغلب الديمقراطيات، وقد أرجعت الحركات الشعبوية هذه الأزمات إلى خيانة النخب وانكفائها على نفسها وانقطاعها عن النخب الشعبية. وستكون هذه القراءات والتحاليل وراء صعود الحركات الشعبوية والأزمة العميقة والتراجع الكبير للحركات السياسية التقليدية التي وجدت كل الصعوبات من أجل تجديد خطابها ومشروعها السياسي وفتح مرحلة جديدة في التجربة السياسية في المجتمعات الديمقراطية.

وستحل أزمة الكورونا في هذا الوضع الخانق والأزمة العامة للنظام الديمقراطي وللمشروع الجمعي الموروث من الحداثة. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بكل حدة اليوم يهم قدرة المجتمعات الديمقراطية والنظام السياسي الديمقراطي على الوقوف أمام هذه الأزمة ومن خلال تصديه لهذا الفيروس إعادة إنتاج تجربة جمعية جديدة تفتح صفة أخرى في تجربتنا السياسية.
وللاجابة على هذا التساؤل لا بدّ لنا أن نوحد أهم ملامح التجربة السياسية بصدد التشكل في المجتمعات الديمقراطية في هذه المواجهة مع فيروس كورونا، ولعل السمة الأولى هي عودة الثقة في الدولة وفي المؤسسات العمومية خاصة في الميدان الصحي من أجل ايقاف هذا الفيروس. ففي ظلّ هذه الأزمة وانعكاساتها الخطيرة على الإنسان وقفت الدولة بمؤسساتها وبالرغم من ترهلها من أجل ايقاف هذه الجائحة وحماية الإنسان الذي أصبح مهددا في وجوده بفعل هذا العدو الخفي. في مواجهة هذه الأزمة استعادت الدولة قدرتها على أن تكون التعبيرة الجماعية على إرادة الحياة وعلى بناء حماية المشترك الجماعي.

كما أن السمة الثانية لهذا القيام تحت جائحة الكورونا هي عودة علاقات التعاون والتضامن، فقد برزت في كل المجتمعات والبلدان المنظمات المدنية وحتى التجارب الفردية من أجل دعم الآخرين والوقوف إلى جانبهم، وكانت هذه الأزمة فرصة لتراجع الفردانية المطلقة والتي هيمنت على المجتمعات الديمقراطية في السنوات الأخيرة وفتحت الباب لعودة علاقات التصامن والاهتمام بالآخر ودعمه والوقوف إلى جانبه.

كما يمكن أن نشير كذلك إلى عودة فكرة المشترك الجماعي والترابط الاجتماعي الجمعي في هذه الأزمة، فقد تميزت أزمة النظام الديمقراطي بتآكل الرابط الاجتماعي وتراجع المشترك الجمعي والذي ساهم في بناء الانتماء الجمعي في المجتمعات الديمقراطية، إلا أن ظهور هذا الخطر سرّع بعودة التجربة الجمعية لمواجهته وحماية الإنسان والمجتمعات.
كذلك كانت هذه الأزمة وراء بروز وتدعيم فكرة المواطنة في مواجهة الفيروس، ولكن لعبت السياسات العمومية دورا مهما في هذه المعرفة فقد كان للتصرف الفردي دورا مهما في منع تفشي الفيروس وحماية للمجتمعات، وقد ساهم الحسّ المواطني بصورة كبيرة في هذه المواجهة.

يمكن كذلك أن نشير إلى مسألة أخرى هامة برزت جلية للعيان في هذه الأزمة وتخصّ عودة الأمل والثقة في قدرة الإنسان على مواجهة هذا الفيروس. فبالرغم من الحزن وهيمنة طيف الموت وشبح الفناء فقد كان الردّ من الإنسان مفعما بالحياة والأمل في غد مشرق.

كانت هذه الأزمة وراء عودة الكثير من التصرفات والظواهر التي فقدناه في ظلّ أزمة الأنظمة الديمقراطية، فالثقة في الدولة والمؤسسات الإجتماعية، وعودة أواصر التضامن والتآزر وظهور فكرة المشترك والرابط الإجتماعي والمواطنة والأمل تشكل الأساس لعودة السياسي في عالم ما بعد الكورونا، ويبقى التحدي الأساسي أمام القوى السياسية الديمقراطية هو قدرتها على تحويل هذه الأفكار والظواهر إلى مشروع سياسي يجمع ويفتح صفحة جديدة في تجربتنا الديمقراطية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا