«ما ليس بالوسع تحاشيه يتوجب على العاقل مؤالفته وتوقّيه»

بقلم: لطفي عيسى 

أستاذ التاريخ الثقافي بجامعة تونس

شكلّت معضلة حماية المحيط وجه من وجوه العولمة القبيح، ولم تفلح المؤتمرات المنعقدة منذ بداية التسعينات (ريو دي جنيرو 1992)

حول الحد من انبعاث الغازات الملوثة والسامة، من وضع حد للتسابق بين العالم الحرّ والقوى الآسيوية الناهضة وفي مقدمتها الصين بؤرة انتشار وباء السارس كوفيد 2 المستجد. غير أن ما قد ينبغي التشديد عليه هو ضرورة القطع مع القراءة الجمالية الحالمة أو الرومنطيقية الجديدة بخصوص ثقافة حماية المحيط، لأن المطلوب في الواقع هو إعادة الاعتبار لمدلول الصمود résilience ومجابهة الكارثة الحقيقية التي حلت بالآدميين من موقع التواضع واحترام التوازنات الحيوية والحفاظ على التنوّع البيئي والانخراط فيه دفاعا عن بقاء الحياة على كوكب الأرض، والاعتراف بتحمّل تبعات التسابق في إجهاد الطبيعة بل وإفناءها بالرمة من وراء حجاب. فلئن كان العالم القديم في حالة احتضار وشيكة، فإن بديله أو مـُحدثه يُبطئ في الضهور. فمن نافدة شعاع الضو العتم ينبجس سوء تقدير البشرية وهول وحشيتها.

والبيّن بعد هذا، أن العالم هو بصدد التوجه نحو توزيع جديد للخارطة الكونية مع ظهور فاعلين جيو إستراتيجيين جدد، وذلك بمجرد انقشاع غيوم هذا الوباء القاتل. فعندما نلاحظ مدى اتساع رقعة انتشار الوباء بالولايات المتحدة وسرعته ونقرأ في تصريحات رئيسها الرعناء، ندرك أن شيئا ما هو بصدد الحصول، وأن إمبراطورية العالم الحرّ تعيش أسوء لحظاتها. فهل يمثّل أمر كهذا بداية نهايتها، أم أن المسألة لا تتجاوز الكبوة الوقتية التي لا يشكّل ضمنها التعثر أو السقوط سوى فرصة متجددة للوقوف ومواصلة السير؟ لا يبدو الوضع مطمئنا في ظل تراجع النمو وانقطاع محركات الاقتصاد الليبيرالي بالكامل. كما أن انهيار سردية الاتحاد الأوروبي بعد تعدّد القرائن الدّالة على تصرفات مختلف مركباته وفاعليه السياسيين المتطرّفة والـمُخجلة في آن لا يمكن موضوعيا إلا أن يدفع إلى الاعتقاد في النهاية الوشيكة لذلك الصرح على غرار ما عاشه المعسكر الشرقي خلال القرن الماضي.

وفي جانب مقابل تبرهن السياسة الهجومية المنتهجة من قبل الصين الشعبية أو امبراطورية الوسط القديمة وكذلك ما يسمى بمنطقة «البريكس»، والمنافسة التي تضعها وجها لوجه إزاء الولايات المتحدة، على قدرة أوسع في حسن التدبير وتشبيك العلاقات الاقتصادية والاستثمارية آسيويا، وشرق أوسطيا، وأوروبيا، وإفريقيا. فقد تمكّنت الصين من بناء شراكات مع لا يقل عن 120 دولة أو كيان سياسي، وبالتالي فقد بات بوسعها رفع تحدي تجاوز الأزمة بأضرار أخف، قياسا لتلك التي ستواجه في المدى القريب جميع اقتصاديات العالم الحرّ.

ولئن اعتبر «أدغار موران» في الحوار الأخير الذي أجرته معه مجلة «لو نوفل أبسرفاتور» الفرنسية، أنه على الرغم من قدرة العولمة على التشبيك وصياغة الترابط، فإنها قد كشفت عن فقدانها التام للتضامن. فالعولمة لم تبد نجابة حقيقية في بناء التفاهم بين الأمم أو الشعوب، بل إن شططها قد أدى إلى الوقوع في أزمات مالية واندلاع حروب طاقية ومشاكل بيئية وانخرام للاقتصاديات المنظمة لفائدة القطاعات الاقتصادية الموازية وشبكات التهريب الغامضة والخطيرة وتيارات اليمين المتطرّف الداعية إلى الانطواء والأنانية المغذية لأبشع المخاوف. لذلك فمن الضروري منطقيا وبعد مرور هدا الطوفان المرعب أن تندفع الإنسانية نحو بناء سياقات مفارقة للتضامن توسع في مجال الاعتبار بـ»قيم الاستعمال» على حساب «منطق التملّك»، محافظة على الخدمات المشتركة وبناء الرفاه وجعل اقتسامه ممكنا لا الاستئثار به أو احتكار منافعه، مع بناء الاكتفاء الذاتي وإعادة توطين الأنشطة الحيوية والشروع في تعاون دولي عفوي لمجابهة هذا الصنف غير المسبوق من الكوارث الصحية والبيئية المهيأة موضوعيا للتجدّد بأشكال أشد رعب على المدى القريب والمتوسط. فما يحصل في

العالم اليوم يحث على تدبير الهلع ومقاربة الحجر الطوعي باعتباره فرصة لمحاسبة النفس وتأمل الوجود وتقدير مجالات الممكن قياسا لطلب المستحيل، مع الكفّ عن توسيع مجالات الافراط المؤذي في الاستهلاك، وبناء علاقة جديدة بالزمن الجواني المحفّز للنضال من أجل نشر مشاعر التآزر والصداقة وجمالية الحضور الجذلى أو شاعريتها.

أما تونسيا فيتعين في اعتقادي مجابهة حقيقة «ورطة» ما بعد سنة 2011 والوعي عميقا بالنقلة التي استعصى عليها القطع مع القديم واستحثاث ولادة الجديد أو المحدث. غير أن ما نعيشه اليوم وبعد مرور قرابة العشر سنوات على حصول تلك التحولات الفارقة في تاريخ تونس وفي بناء مواطنتها الغضة، يدعونا إلى استعادة تضامننا الوطني من بوابة نبذ الانغلاق والأنانيّة والاعتبار بمصيرنا المشترك مع الإنسانية قاطبة في تدبّر معضلات تدهور المحيط، والافراط في عدم الاكتراث والإرجاء، والتهاون مع أشكال الاقتصاد غير المنظّم الذي يوشك أن يلغي تكافئ الفرص وبناء شروط العدالة الاجتماعية، مع العمل في جميع ذلك على تفادي كل نوازع السقوط في التصوّرات الوطنيّة الراديكالية اليعقوبية منها أو الدّينيّة.

فإذا لم تنقلب الإنسانية على مخاوفها القاتلة بالتعويل على تصرفات مخزية تحيل على انهيار النظام الدولي على غرار ما نعاينه من خلال عمليات القرصنة المفضوحة على شحنات المعدات الصحية والأدوية وتجريم حرية تنقل الأفراد والأفكار والسلع وتُصغي حقيقة لناقوس الخطر، فإنّ الأزمة لا يمكن لها إلا أن تتفاقم بشكل مُهلك للجنس البشري بأكمله.
ومهما يكن من أمر فإن جميع ما سبق وأن عرفناه تاريخيا لا يخرج عن الأنماط المعروفة في انتشار الأوبئة وتزامنها أو تعاقبها مع الجوائح والمجاعات والحروب، وفقا للشروط التي كشفت عنها الديمغرافيا التاريخية باعتبارها معرفة قائمة بذاتها نسلت عن المعالجة العمودية للمعطيات الرقمية أو سلاسل الأرشيفات الكنائسية غربا، والضريبية ضمن المجالات

الخارجة عن ذلك النطاق الجغرافي أو الحضاري. كما أن العلاقة بالوقاية من الأمراض الوبائية مثل الطاعون، والجذام، والزُهري، والصفراء أو الكوليرا، بالتعويل على الحجر الصحي ومختلف أشكال ما وسم حاضرا بالتباعد الاجتماعي، قد سبق له أن حرك سِجَالَات حامية بين العقل الديني والعقل العلمي. وهي سجالات حضرت بكثافة ضمن أمهات المصادر والمخطوطات الفقهية أو ما كان يعرف بكتب النوازل تونسيا، تماما مثل الجدل الذي قام منذ بداية القرن السابع عشر حول ظواهر مستجدة أخرى اتصلت بـ»شرب الدخان» والقهوة، وارتياد المبغى أو الحانة، وانتشار الممارسات الجنسية المثلية وغيرها من التصرفات التي أدانها العقل الديني أخلاقيا، بل وولغ أحيانا في الانتقام من المقبلين عليها اجتماعيا.

وحاصل الحديث أنه ينبغي علينا ألاّ نعوّل في مثل هذا المقام إلا على أنفسنا. فـ»الحاجة سيدة الاختراعات» كما يقال. ولعل فيما نعيشه فرصة حقيقية - بعد ورطة 2011- لمراجعة حسابتنا المغلوطة وبناء مجتمع الدبير العقلاني في مقابل مجتمع الحسيّة الـمُفرطة والارتجال المضحك والاعتداد بالتواكل والكسل الذهني بوصف جميعها «رياضات وطنية» أو «طبائع موازية». فالبيّن أن سلوكا جديدا هو بصدد التشكل كونيّا يقوم مدلوله بالأساس على الانضباط واحترام القوانين والتصرّف وفق تدبير مُحكم وواقعي، مع الالتزام أخلاقيا بقيم التضامن والكدّ والفضول المعرفي واحترام الطبيعة والحفاظ على المحيط. فحتى وإن كنّا نعيش مفترقا جديد لما سمي بـ«زمن الألفية»، ذاك الذي تتجدّد في غضونه مزاعم قرب طي بساط الكون والاعلاء من قيم الاستقامة في انتظار قيام الساعة، فإن ذات المخاوف هي غذت سلوك أغلبنا إبان الانتخابات الأخيرة لما استحضارنا «مهديّ الأزمنة الكارثية» ووكلنا له رئاسة الدولة، وجددنا «البيعة» للتشكيلات المتمسّكة في شعبويتها البدائية بالعقل الديني. لذلك يتعين علينا التفكير جديّا في الكيفية المثلى التي تسعف في تدبير خروج المخاوف عن

حدودها المعقولة وتغذيته «زمن جنون الكورونا» لـ»معارك الطحين» وحروب التسجيل ضمن قواعد معلومات الـمِنَحِ وطوابير استخلاصها بمختلف جهات البلاد. فالخوف من النهاية المحتومة مسألة وجودية بامتياز تندرج في صلب المعركة من أجل تواصل الحياة. لذلك فإنه من غير المجدي في شيء انكار هذه الحقيقة أو القفز عليها.

فعلاقة البشرية بالمقدس تمثل وفقا ما أثبتته دراسات علم الأديان المقارن في مؤلفات «موس»، و»إلياد»، و»ديبرون» و»باستيد» و»جيرار» و»فياتمو» وغيرهم، ركيزة من ركائز الحياة لا مرحلة من مراحلها. إنما مقصد الحياة أو الوجود هو تعبئة الطاقات إيجابا وتوجيه الإرادات نحو صياغة مدلول واقعي للتكافل المتضامن، تطويعا للوجود في مقاومة حتمية الموت والعدم. ولعل أهم درس تلقته الإنسانية عبر تحملها للتّبعات المزرية بحرياتها ضمن واقع الوباء الذي نعيش، يتمثل في الالتفات إلى القيمة السامقة لـ «سعادة الشأن اليومي»، وفق ما فصّل بشأنه «ميشال دي صرتو» ضمن مؤلفه الـمُلهِم حقا «اختراع اليومي». ففك عزلة الأفراد وبناء الثقة والتقارب والإحساس بالتواد وصناعة الفرح المبطل للنكد والتعاسة والسقوط في العدمية والإحباط، هي مربط الفرس في توجيه الثورة المعلوماتية حاضرا، والحؤول دون قدرتها الرهيبة على استغراق الافراد افتراضيا فسقوطهم في حبال الهشاشة النفسية والانطواء ومجابهة غول الانعزال والتعصب الديني والعنصرية العرقية.

ولعل أبلغ تعبير يختزل ما نحن بصدده كونيا هو ذاك الذي نعثر عليه حال معاودة قراءة «كتاب الضحك والنسيان» لكونديرا أو اقتباس الأديب والناقد والمخرج السنمائي الإيطالي «بازوليني» الفريد لـ»ديكامرون» بوكاتشو»، حيث اختلطت خفة الروح بعميق التفكير وإنتاج المعنى. إذ كلما نزل خطب جليل بالإنسانية يدفع بها إلى الاستياء وارتفاع منسوب الرعب، فأن أولئك الذين تثبت قدرتهم على تخطي تلك الأوضاع الكدرة هم بالأساس من لم ينتابهم الجزع المميت ولم يتخلّوا مطلقا ومع شدة تحوطهم عن قدرتهم على المزاح، «فما ليس بالوسع تحاشيه يتوجب على العاقل مؤالفته وتوقيه. فلا الشقاء بالقدر المسلّط على البشرية ولا السعادة أيضا، وما قدرتنا على تجاوز الشدائد إلا في صمودنا ومغالبتنا، تماما مثل من تعوّد الملاحة ضد التيار طلبا لحياة تفرض نفسها رغما عن حقيقتها القاسية المجافية لكل منطق طفولي منحاز لانتصار الخير والعدالة. ففتح الأبواب قصد الهروب من داهم الأخطار يستوجب في أحيان كثيرة منتهى الشجاعة، غير أن تجاوز عتبة تلك الأبواب ومواصلة الطريق بهمّة وجلد يحتاج إلى بطولة في البلاء والصمود على الحقيقة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا