قهوة الأحد: فيروس «كورونا» ونهايات العولمة النيوليبرالية

لقد فتحت هذه الازمة الصحية باب المراجعات والقراءة النقدية لتجربتنا السابقة لفهم أسباب الوهن والضعف، لعل من أهم المراجعات

التي بدأ فيها العديد من المفكرين والسياسيين والعديد من مناضلي الحركات الاجتماعية هي مشروع العولمة النيوليبرالية التي سادت وهيمنت على المنظومة الفكرية والسياسية طيلة الأربعة عقود المنصرمة في التجربة التاريخية.

وقد ظهر مشروع العولمة النيوليبرالية كبديل لأزمة الدولة الوطنية الموروثة من النظام الوستفالي (modèle westphalien) والذي هيمن علي المشروع السياسي وعلي العلاقات الدولية منذ نهاية القرن السابع عشر، وفتحت لنا هذه العولمة إمكانية الخروج من عالم الحداثة والانخراط في مشروع أقل برودا وأكثر بهجة ووضوحا وهو عالم ما بعد الحداثة. كما ستساهم العولمة كذلك في الخروج من عالم دولة الرفاه وأزماته المتتالية وعجزه عن تجاوز التحديات الجديدة للاقتصاد الرأسمالي والنظام العالمي الموروث من الحرب العالمية الثانية.

وقد بدأت هذه الأزمة الصحية في نبش أسس العولمة الرأسمالية التي تهيمن على تجربتنا السياسية والاقتصادية منذ بداية ثمانينات القرن الماضي. ويجب أن نشير الى أن هذه الازمة ليست الأولى التي تمس العولمة ولكن بحجمها وانعكاساتها تبدو أنها ستكون الأكثر تأثيرا في مستقبل هذا المشروع. ويمكن أن نشير إلى الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 والتي اشارت الى المخاطر الكبرى للعولمة المالية وانعكاسات النهج المغامري للمضاربين على استقرار الاقتصاد العالمي. وإثر هذه الأزمة الأولى لعبت مسألة تنامي الفوارق الاجتماعية والتهميش دورا كبيرا في النقد اللاذع الذي بدأت تعرفه العولمة النيوليبرالية.

وستكون هذه الازمة الصحية وراء تنامي النقد الموجه للعولمة والكآبة التي تصاحبها منذ سنوات والتي عوضت العشق والهيام للسنوات الاولى. فالسياسات التي أخذتها الدول وأغلب الحكومات وعديد الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين تساهم في نحت عالم جديد فتح الأبواب الواسعة للخروج من العولمة الرأسمالية السائدة، ويمكن لنا أن نشير إلى ستة مجالات كبرى والتي تؤكد بدايات الخروج من العولمة النيوليبرالية.

المجال الأول يخص في رأيي مسألة السيادة الوطنية والحدود. فقد انبنت العولمة على مبدأ التراجع في مبدأ السيادة السياسية والاقتصادية لصالج المؤسسات والمنظمات الدولية وحركة الشركات الكبرى والاستثمار العالمي. إلا أن هذا المبدأ يعرف اليوم الكثير من النقد وبدأت عديد الحكومات في التراجع عن هذا التمشي والعودة للسيادة الوطنية خاصة في ميدان الصناعات الاستراتيجية مثل صناعة الدواء من أجل مواجهة الأزمات الصحية.

فقد اكتشف العالم اليوم وخاصة البلدان المتقدمة تبعيتهم للبلدان الصاعدة وخاصة الصين والهند في مجال المواد الأولية لصناعة الأدوية وقد دعمت المخاوف الناتجة عن هذه التبعية الفائقة الأصوات المنادية بضرورة القطع مع فكرة نهاية السيادة وضرورة إعادة بناء القطاعات والكفاءات الاستراتيجية التي تم تناسيها وتهميشها في العقود الأخيرة.
المسألة الثانية في نقد العولمة النيوليبرالية تخص عودة الدولة والدور الاستراتيجي الذي تلعبه في هذه الأزمة والذي ستواصل القيام به إثرها. هذه العودة القوية للدولة ساهمت في نقد وتراجع الأصوات المنادية طيلة عقود بضرورة الخروج من هيمنة الدولة على الاقتصاد واعطاء السوق كل المجالات وأسست هذه الأفكار لهيمنة النيوليبرالية في فترة الانتصارات الكبرى، ونشهد اليوم تراجعا كبيرا لهذه الأفكار وعودة قوية للدولة لن تتوقف إثر الأزمة.

المسألة الثالثة والتي تعرف فيها أفكار العولمة النيوليبرالية تراجعا مهما تخص عودة المجتمع والمسألة الاجتماعية، وقد ساهم تصاعد الفوارق الاجتماعية في المجتمعات الديمقراطية في حملة النقد التي تعرضت لها العولمة في السنوات الأخيرة، الا أن الأزمة الصحية الأخيرة ساهمت في عودة المسائل الاجتماعية والتضامن والاستثمارات الكبرى في القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم من أجل خلق رابط اجتماعي وعلاقات اجتماعية جديدة تتميز بالتآزر والتضامن.

المسألة الرابعة والتي تشير الى الخروج من العولمة تهم مسألة التوزيع العالمي للصناعات والعمل والتي ساهمت في تطوير وتدعيم العولمة خلال العقود الفائتة.
لقد لعبت الحروب التجارية في السنوات الأخيرة دورا كبيرا في تراجع هذه النظرة والسياسات، الا أن الأزمة الحالية ستساهم بطريقة كبيرة في ايقاف سلاسل الانتاج العالمي والعودةلتنظيم الاقتصاد على مستوى الدولة الوطنية والجهات.

النقطة الخامسة والتي بدأنا نعرف فيها تراجعا للعولمة تخص العولمة المالية والتي صاحبت عولمة الانتاج في أغلب البلدان المتقدمة. لقد ساهمت أزمة 2008 في تراجع هذا التوجه وساهمت قواعد المخاطرة الجديدة لقانون بال3 في كبح جماح المغامرة عند المضاربين في المجال المالي. وستلعب الأزمة الحالية دورا كبيرافي تراجع العولمة المالية.
أما النقطة السادسة والتي تشير الى تراجع العولمة النيوليبرالية فتخص مسألة الحوكمة وتراجع دور المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة والمنظمات الاقليمية لصالح الشركات الكبرى والمصالح الخاصة. الا أن هذه الأزمة كانت وراء عودة المؤسسات الدولية للمساهمة في دعم دور الدولة الوطنية في محاربة الوباء.

إن هذه الأزمة الصحية وككل الأزمات الكبرى التي سبقتها ستفتح صفحة جديدة في تجربتنا الانسانية فالى جانب الجهد الكبير التي تقوم به كل الحكومات من أجل ايقاف تنامي الفيروس، فإن هذه التجربة المفجعة ستدفعنا إلى نحت تجربة انسانية جديدة يكون التضامن والديمقراطية والانفتاح على الآخر قوامها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا