بطون التونسيين وصحّتهم أولى ...

قيل للفاروق عمر رضي الله عنه
يا أمير المؤمنين ألا تكسو الكعبة بالحرير ؟
فقال سيّدنا عمر رضي الله عنه : بطون المسلمين أولى..

كشفت لنا مصيبة وباء الكورونا حاجتنا الملحّة في بلادنا لمحاربة هذا الطاعون وضرورة دعم كلّ الجهود وإعداد العدّة بكلّ الوسائل المتاحة للتوقّي منه ...
 نحن نعلم جميعا أن الصحّة أوكد الاحتياجات والحقوق في حين أنّنا نرثي حال مستشفياتنا حتى الكبرى منها من حيث انعدام التجهيزات وعدم توفّر الأدوية وغياب أبسط الضرورات الطبيّة وكم من مريضً لم يجد سريراً وهو بأمسّ الحاجة إليه؟

وكم من مريضً احتاج إلى غسيل للكلى وعانى الأمرّين ليجد موعداً؟

وكم من المرضى الذين يرهقهم البحث عن علاج أو عن دواء ولم يجدوه ؟

نحن أمام ترتيب الأولويات وضبط أسبقية الاحتياجات .. تزويد المستشفيات بالأجهزة والأدوية وإيجاد ظروف ملائمة لضمان الصحّة للجميع ..من أوكد الأولويات وأولى الحقوق والطلبات....
وجهود الدولة مطلوبة وهي ملزمة بذلك..

مع الاستزادة من فتح أبواب البرّ والعمل التطوّعي و كلّ عمل تطوعي لا بدّ أن يتوفّر على شرطين أولهما: أن يكون المجتمع محتاجاً إليه، والثاني: أن يُحبّ المتبرّع ما تبرّع به، والله تعالى يقول: «لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبّون».
 والإنفاق ممّا نحبّ دليل زكاء النفس وقوّتها وكرمها..وعليه أصبحت الحاجة الطبيّة ملحّة حتّى لا نسمع آهات المرضى وهم يبحثون عن سرير يأويهم،أو دواء يخفّف آلامهم ..

فإننا لو أعملنا مقاصد الشريعة ونظرنا فيها حقيقة لاكتشفنا أنّ بناء المستشفى وتجهيزه والتبرّع لصندوق 1818  أولى دينياً ودنيوياً ومقاصديا من أيّ شيء آخر و وإنقاذ العائلات الفقيرة من فقرهم ومن جوعهم أهمّ و أوكد..

إن ّ توفّر البذرة الصالحة للبذل والعطاء لدى التونسيين أمر معلوم ومحمود لكن يمكن توجيهها الوجهة السليمة وفق الاحتياج الضروري والمصالح العامة .فقد قال النبي -صلّى الله عليه وسلم- «من كان عنده فضل زاد؛ فليعد به على من لا زاد له « وقال سيّدنا زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- «إِنَّ الصَّدَقَةَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ».
وبالعودة الى أعلى المقال تستقبلنا قولة مقاصدية للفاروق سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه  حين قيل له ..يا أمير المؤمنين ألا تكسو الكعبة بالحرير ؟ انظروا بماذا أجاب: 
فقال سيّدنا عمر رضي الله عنه : بطون المسلمين أولى..
يعني أنّ الكعبة –مع قيمتها وقداستها -  لا تحتاج إلى الكسوة بقدر احتياج المسلمين للعمل والإنتاج والأكل والصحة والدورة الإقتصادية ..لكن الإحتياج الأساسي اليوم صحّتهم وحمايتها من الوباء وبطونهم وحمايتها من الجوع ..

ويستقبلنا في خاتمة المقال موقف عبد الله بن المبارك عندما ذهب إلى الحج، وفي الطريق رأى إمرأة تأكل ميتة، فأعطاها ما معه من مال، وقال: هذا أفضل من حجّنا..وعاد ولم يحجّ لأنّ حق المرأة في الأكل واحتياجها للحياة وللمال أكبر من حج ابن مبارك وما أدراك.

ولا يمكن أن نتحدّث عن مقاصد الدين وترتيب الأولويات دون الإتيان على ما قاله العلامة ابن عاشور الإمام الأكبر للفكر المقاصدي في كتابه «مقاصد الشريعة « « إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدّالة على مقاصدها من التشريع . استبان لنا من كليّات دلائلها ، ومن جزئياتها المستقرّة أنّ المقصد العام من التشريع فيما هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه ، وهو نوع الإنسان ويشمل صلاحه صلاح عقله ، وصلاح عمله ، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه «

فعلينا جميعا الوقوف مع حاجات المنكوبين، والعيش مع معاناة الآخرين. فكم نحن بحاجة أن نستشعر هذه المبادئ ونعززها في زمنٍ تعالت فيه صرخات اليتامى، وسمعت فيه تأوهات الثكالى، وأنَّات الجوعى ..
كم هو جميل أن نتحدّث عن إغاثة الملهوف، وتفريج المكروب!!

وكم هو رائع أن نتكلّم عن نجدة المظلوم، ومواساة المكلوم!!
ولكن أجمل من ذلك وأروع أن نرى هذه القيم مثالاً، وهذه المُثَل فِعالاً.

ونحن نقول صحّة التونسيين أولى ...ودحر الجوع أسبق ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا