برج بابل: المرفق العمومي في تونس: عندي أمل فيك

كسول مرفقنا العمومي في تونس، غير ذي جدوى، يترنح في شبه غيبوبة طويلة المدى، مربض للعنف وسوء التعامل إلى أن أتته الجائحة على حين غفلة.

مرفقنا الصحي العمومي خرج من بين الرماد، عليه أن يستوعب أولا ما الذي يحدث حوله، هل هي أزمة عابرة؟ هل هي مُزحة ركيكة أتت لتفسد عليه متعة اللامبالاة؟ يستفيق مرفقنا الصحي العمومي على اختبار مؤلم. على أن هذا الاختبار ينطوي على حروب داخلية علاوة على حربه ضد الفيروس، حرب الأسرّة، حرب الكمامات، حرب أجهزة التنفس وحرب تنظيم العمل وحرب البيانات والأرقام. ولكن يبقى الاختبار الوجودي هو اختبار الزمن. كيف له وهو بطيء الحركة ملاحقة فيروس فائق السرعة في الانتشار وفي الفتك؟ ليس لنا من حلّ سوى استعادة حكاية الأرنب والسلحفاة، هي الحكاية التي تعطينا الأمل في أن يقاوم المرفق الصحي العمومي إلى آخر لحظة جائحة يمكن أن يعطلها غرورها.
الجوائح الكبرى تدفعنا إلى طرح الأسئلة الكبرى. أسئلة حول الوجود البشري، حول التقدم التقني إذا لم يكن مرفوقا بأخلاق وقيم إنسانية تعطيه المعنى الذي يليق به. أسئلة حول ما بعد الحداثة وحول الترابط الإنساني الفاقد للتضامن وحول نرجسية الانسان ومكابرته وحول تحديه لمستلزمات الطبيعة. ولكن هناك أيضا أسئلة حول الدولة، حول مدى حاجتنا خلال الأزمة وخصوصا بعدها إلى دولة الحدّ الأدنى. وهل مازال هناك معنى للدولة الراعية أو الحاضنة بنفس شروط ما قبل الأزمة؟

يجد المرفق الصحي العمومي في تونس نفسه في قلب هذه الأسئلة، سيطرحها الآن بشكل عفوي لأنه مشغول عنها بأشياء أخرى ولكن العلامات الأولى للسؤال بدأت في الظهور. هو السؤال حول السياسات العمومية في مجال الصحة وغير مجال الصحة والتعليم أهمها. ولكن من المفيد التأكيد على أن مقولة السياسات العمومية قد غادرت ومنذ عقود الخطاب السياسي ولم يعد لها صدى يُذكر إلا لدى العائلات السياسية والفكرية الوسطية الاجتماعية النقابية والتي هي بدورها غير قادرة على الدفاع بالشكل المطلوب عن هذه المقولة في زمن تزحف فيه مقولات جديدة على الساحة. مقولات التفويت ومقولات ترشيد القطاع العمومي والإنفاق العام والشراكة بين القطاعين ومقولات تحسين مناخ الأعمال وغيرها. هناك إذا توجه عام نحو وصم المرفق العمومي بالعبء الثقيل،

إشترك في النسخة الرقمية للمغرب

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د

هو المرفق الخاسر وهو المرفق المكلف للدولة ولدافعي الضرائب وهو المرفق الأكثر لجوء للإضرابات. هناك من عناصر الوصم ما هو صحيح ولكن ما يحدث في المرفق العمومي الصحي هو أنه لم يكن مستوعبا بما يكفي للتحولات السوسيولوجية واشتراطاتها. لا يزال يشتغل بمنظومة قديمة وبذهنية تجاوزتها متطلبات مجتمع الأفراد الذي دخلناه وهو المجتمع الذي يحمل فيه الأفراد راياتهم. تغيرت المقولات التي يعبر بها الأفراد عن أنفسهم، لم تعد مقولات القبيلة والعشيرة والطريقة، القديمة منها والحديثة، بل أضحت مقولات التقويم الذاتي والقدرات الذاتية والحماية الذاتية والتطوير الذاتي هي التي تحتكر الواجهة. الذات هي مركز الانشغال، مهمومة بنفسها باحثة عن التفرّد. وتنشط كل هذه المقولات في سياق مديح الفرد وتمجيد فضائله.

هناك أعمال سوسيولوجية تعيد النظر الآن في جدوى مؤسسات الخدمات العمومية وهي المؤسسات التي ترتكز على فكرة الآخرية والإيثار أي تلك التي تسند خدمات فيها الكثير من العناية والانصات والتي يعلق عليها الناس أمالا كبيرة. وقفت هذه الأعمال السوسيولوجية على فرضية تمّ التأكد منها لاحقا وهي حالة الطلاق البائن بين الفاعل والسيستام. ومنذ هذا الانفصال بدأت هذه المؤسسات في التهاوي معبرة عن أزمة عنوانها الرغبة القوية في الحصول على الاعتراف وعلى التقدير سواء للمؤسسة في ذاتها أو للعاملين داخلها. وهنا وقع الانتقال من ثقافة الاعتقاد في المؤسسة وفي القيم التي تنشرها وتدافع عنها إلى ثقافة أخرى هي ثقافة الجدوى وثقافة العبرة بالنتائج. هذا تحول كبير جعل المرفق العمومي بأزماته المتعددة لا يجد إجابة إلا في عرض ليبرالي متربص به. ولكن ليس من المنطقي تفسير أزمة المرفق العمومي فقط من خارجه أي من تجاذبات أصحاب المصالح المختلفة أو من الاتجاه نحو إقرار تدخل شرس من القطاع الخاص. هناك أزمة داخلية يعيشها المرفق العمومي وهي أزمة توجهات وأزمة حوكمة وأزمة تغافل عن التحولات السوسيولوجية الطارئة. المرفق العمومي أمام تحدي إعادة صياغة هويته.

الفرصة الآن متاحة أمام المرفق الصحي العمومي ليعيد صياغة هويته مستفيدا من أزمة الكورونا. لقد أعطت هذه الجائحة إمكانية إعادة التساؤل وإعادة النظر في معنى أن يكون المرفق الصحي مرفقا عموميا. عليه أن يتجاوز هذه المحنة بما لديه من قدرات وهو اختبار صعب وشاق لأن عليه أن يواجه في ذات الوقت خلله الوظيفي الداخلي ومتطلبات تقديم الخدمات لمن أصابهم الوباء.

الفاعل السياسي أمام مفترق طرق، يلوّح منذ ما قبل الجائحة بأنه مقبل على إصلاحات كبرى تهمّ الصحة والتعليم أساسا مع باقي القطاعات. الأمل الكبير في أن تكون هذه الجائحة منفذا للتفكير في أشياء عديدة ومنها على وجه الخصوص ردّ الاعتبار للمرفق العمومي. ولكن ردّ الاعتبار لا يكون إلا بإعادة صياغة هوية هذا المرفق بأكثر ديموقراطية وبأكثر إنسانية. وإلى الحين الذي سنتجاوز فيه الجائحة ليس لي إلا أن أقول للمرفق الصحي العمومي: عندي أمل فيك...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا