قهوة الأحد: فيروس «كورونا»: هلآ نبدأ في المرراجعات

يعيش العالم اليوم في مواجهة جائحة كورونا أكبر تحد في تاريخه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولئن كانت الخلافات السياسية والصراعات

الجيوسياسية وراء الأزمات الكبيرة التي عرفتها الانسانية، فإن الجائحة الحالية تختلف عن سابقاتها باعتبارها نتيجة لأزمة صحية وتفشي فيروس لم نكن قادرين لا فقط على ايقافه بل كذلك على التنبؤ بمستقبل تطوره.
وتشكل هذه الأزمة تحديا كبيرا للحداثة التي ظهرت في نهاية القرن الثامن عشر مع فلسفة الأنوار والثورات الصناعية في أوروبا لتصبح الاطار العام للتفكير الانساني ونشاطه وعمله وكذلك أساس السياسات العمومية في كل بلدان العالم، فقد انبنت فلسفة الحداثة على ايمان راسخ وقوي بالعقل وبقدرة العلم على فهم الظواهر الطبيعية والصحية واعطاء الحلول لمسك زمجرة الطبيعة وهيجانها.

وكانت هذه القناعة وراء المشروعية الكبيرة التي حظِيَ بها مشروع الحداثة وخروج الناس من هيمنة الآلهة وعالم الماورائيات ودخولهم إلى عالم الحداثة والعلم الذي حماهم طيلة قرون من غضب وزمجرة الطبيعة.

تٌشكل هذه الجائحة تحديا كبيرا لهذا الاطار العام للتجربة الانسانية خلال أكثر من قرنين، والى جانب العمل الكبير الذي تقوم به كل مجتمعاتنا من أجل انقاذ الذات الانسانية من الانقراض والصمود، فقد فتحت هذه الجائحة مجال القراءة الفكرية النقدية لتجربتنا الانسانية في العقود الأخيرة ولنفتح باب المراجعات واسعا على مصراعيه.
ولعلّ أكبر دعوة لهذه القراءات باءت في خطابات الرئيس الفرنسي ماكرون والذي أكد في عديد المناسبات أن هذه الجائحة ستدفعه عند الخروج منها الى اعادة النظر بطريقة جذرية في نمط عيشنا في العقود الاخيرة والفلسفة والأسس التي تهيمن علي تجربتنا الانسانية والتي لعبت دورا كبير في تفشي هذه الازمة وخروجها عن السيطرة في اغلب البلدان الرأسمالية في اوروبا مثل ايطاليا وفرنسا واسبانيا واليوم في الولايات المتحدة الامريكية.

ولم تقتصر هذه المراجعات علي المسؤولين السياسيين بل شملت كذلك المفكرين والفلاسفة وصناع الرأي العام- الكل يتساءل لماذا عجزنا اليوم عن حماية الإنسان؟ ماهي الاسباب العميقة وراء هذا العجز الكبير للقدرة الانسانية على الفعل؟.
ماهي الدروس الكبرى التي يجب ان نأخذها لتأسيس تجربة انسانية جديدة ولبناء مشترك اجتماعي جديد يكون التضامن والتآخي والتآزر واحترام النوع الانساني مجاله وافقه التاريخي-

عشنا لعقود على اوهام السرعة والعولمة وقوة الرد في مواجهة الطبيعة – ساهمت نظرية ما بعد الحداثة في ترويج هذه الافكار والتعبئة لها – لعبت هذه النظريات في رفض ونقد الاطار الفكر والفلسفي الذي اتت بها نظريات الحداثة تشكل اساس للتجربة الانسانية والممارسة والفعل المجتمعي-
وجهت هذه النظريات نقدا لاذعا لأسس المشترك في المجتمعات الديمقراطية لتعتبرها اراء تقليدية تجاوزها الزمن ولتجعل ممن يدافعون عنها متشبثين بعالم انتهى وغاب.

اتت هذه الافكار وتعبيراتها النيوليبرالية على الدولة لتطالب بتراجعها وانتهاء دورها التاريخي والمجتمعي – فكانت السياسات الليبرالية التي قوضت اسس الدولة لتعوضها بسردية جديدة حول السوق وقدرته الخارقة والخفية على ادارة المجتمعات والأزمات.
كذلك اتت هذه النظريات على المشترك المجتمعي والتجربة الجمعية لتعمل فيها بمخالب نقدها العنيف ولتعتبرها تعبيرات تجاوزها الزمن – ومن خلال هذا النقد وضعت الفرد وحركيته اللاّمتناهية كبديل للمشترك الجمعي.
عشنا على هذه الاوهام لسنوات لتاتي هذه الجائحة لتعيد الينا شيئا من رشدنا المقود وضرورة النظر بطريقة نقدية لتجربتنا السابقة من اجل استنباط الاسس الضرورية لتجربة جديدة- فهلا تبدأ المراجعات.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا