الكورونا والتضامن الإنساني

«ان ما يثيرني ويجذبني للحياة ان يحيا المرء ويموت من أجل ما يحبه حقا»
البار كامو، رواية الطاعون

أهم درس يمكن ان نستخلصه من رواية «الطاعون»، التي كتبها الروائي الفرنسي الكبير البير كامو سنة 1947 حول الوباء الذي تخيله استشرى في مدينة وهران الجزائرية بسبب الفئران ، ان مواجهة الأوبئة والجوائح لا تكون الا جماعية ، لان الوباء لا يفرق بين شخص واخر وبين طبقة واخرى ، لذلك يشعر الناس بانهم معنيون بالفناء وانهم على اتم الادراك بالمصير الذي يمكن ان يواجههم ، لذلك ليس امامهم الا ان يتنازلوا عن بعض انانيتهم ،حتى تبرز، وسط جرائم المهربين الذين استغلوا استشراء العدوى لجمع مزيدا من الثروة ورجال الدين الذين ، مثل الاب بانلو» لا يملكون من تفسير سوى ارجاع الامر الى السماء كعقاب الاهي سببه سوء تصرف البشر وغرورهم، وسط هذا كله يبرز اطباء ومتطوعون تكاتفت جهودهم لمساعدة من حولهم فتستفيق المدينة على فئران حيّة تجوب الشوارع ، ويدرك السكان ان الوباء انحسر، وبذلك تفتح وهران ابوابها من جديد معلنة النصر على الطاعون ،
ميزة الابداع ليست في التعبير عما يشعر به الانسان في داخله ، بين نوازعه المتعددة ، بين الخير والشر والحب والكراهية والانانية وحب الغير فقط ، بل ميزته كذلك في ملامسة الواقع عبر خيال المبدع،، فالأوبئة، مثلها مثل كل الازمات ، تظل مخبرا للصراع بين القيم الانسانية النبيلة من ناحية وبين الانانية المتوحشة واستغلال اوجاع الناس والعنصرية والاستكبار من ناحية اخرى...

واليوم ، ليس بعيدا عن الخيال الروائي، جاءت جائحة كورونا التي ضربت كل اصقاع العالم تقريبا لتختبر مدى التضامن الانساني ، تضامن تزعمته الان منظمة الصحة العالمية التي اصبحت كيانا يتمتع بمصداقية تفوق كل الدول ، بما فيها تلك التي تعتبر نفسها قوى عظمى ، وذلك للدور المهم التي تقدمه حول انتشار المرض وكيفية التوقي منه ومساعدة الدول الاكثر هشاشة والاكثر عرضة لانتشار العدوى...

لكن يعتقد الخبراء ان تكون لهذه الجائحة ابعادا اخرى ، فهي اختبار لمدى صلابة العولمة ويعتقد الكثيرون انها ستؤسس لبداية علاقات عالمية جديدة بعد ان استنزفت العولمة النيوليبرالية مشروعها وبدأ العالم يتساءل عن مخلفاتها الاقتصادية والاجتماعية ، وبدأت تناقضاتها بين تداول السلع والاموال وربط الاقتصاد العالمي بشكل يجعل من تصنيع منتوج واحد مقسما على عديد الدول ، وبين انغلاقها امام تنقل الاشخاص تثير سخط اعدائها ، بل وكذلك منظريها حيث بدأت الاحزاب الشعبوية منذ مدة حملة تدعو الى العزلة وغلق الحدود.
تحول في السياسة العالمية:

يوم16 مارس الجاري ، نشر موقع «فورين افارز» (الشؤون الخارجية) الامريكي مقالا مشتركا لأساتذة مختصين في العلوم السياسية ، حول اثار انتشار فيروس كورونا على العولمة ، ذكروا فيه خاصة ان مثل هذه الجائحة ستكون اختبارا قويا للعولمة «لأنها ستعيد النظر في ترابط الاقتصاد العالمي اذ ان» اعتماد الشركات الكبرى والدول على بعضها في عملية الانتاج تجعلها «عرضة لمثل هذه الصدمات غير المتوقعة».

لكن المفارقة ان الكورونا اضعفت التعاون الدولي في وقت تحتاج فيه الانسانية للتعاون وتضافر الجهود ، فقد منعت روسيا وتركيا والمانيا تصدير الاقنعة الطبية واجهزة التنفس وحاولت فرنسا السيطرة على كل الاقنعة الطبية داخل الفضاء الاوروبي ، مما اثار تساؤلات عديدة حول التعاون والتضامن داخل فضاء الاتحاد.
أما السياسة الامريكية في مواجهة الفيروس فكانت الاكثر عرضة للانتقاد وليس ادل من سخط صحيفة «نيويورك تايمز «التي وصفت رد فعل ترامب بانه «جمع بين أسوأ ملامح الاستبداد والديمقراطية وخلط بين التعتيم والدعاية الكاذبة»، فقد سمى الفيروس ب»فيروس الصين» واغلق حدود بلاده مبكرا امام اوروبا وحاول شراء لقاح الماني يتم تطويره هذه الايام من شركة «كيور فاك» الالمانية مقابل مبلغ مالي يقدر بمليار دولار ، حتى يجعل الولايات المتحدة تمتلك حصريا التلقيح، مما اثار غضب المسؤولين الالمان وردّ وزير المالية الالماني بان بلاده «ليست للبيع».

أزمة اقتصادية وصحية:
يتوقع الخبراء ايضا ان تؤسس كورونا لعلاقات عالمية جديدة بعد ان تجاوزت اثارها الاقتصادية والاجتماعية ازمتي 1929 و2008 ، حيث فاقت توقعات الخسائر العالمية الى الان تريليون دولا وبعد ان انتشر الفيروس في اكثر من ستين دولة ، لكن انتشار الفيروس اثبت امرين مهمين : الاول ان اغلب الدول ، بما فيها المتقدمة ، تفتقر الى المستلزمات الصحية اللازمة وان غياب الدولة الراعية نهائيا هو الذي ساعد في استهداف فئة عمرية معينة هي في اشد الحاجة للرعاية ، فالدرس الذي نتعلمه من ايطاليا، هو ن وجود نسبة عالية من الوفيات لا تعود فقط للتراخي وعدم الاستعداد لمواجهة هكذا كارثة ، بل وكذلك لارتفاع معدل الاعمار ووجود اكبر نسبة من المسنين الذين لم يستوعبهم قطاع الصحة العمومية ، احدى الصحف الايطالية وضعت اصبعها على الداء حين اشارت الى ان «المشكل هو ان الاشخاص الذين تجاوزوا الثمانين سنة من العمر عددهم يفوق الاربعة ملايين ونصف وحين يصاب عدد منهم لا يمكن ان نطالبهم الا بملازمة بيوتهم ، لان المستشفيات العمومية لا يمكن ان تستوعبهم ، فخلال العشر سنوات الاخيرة ، انخفض تمويل المستشفيات بحوالي 37 مليار يورو مما استوجب غلق حوالي 400 منها».

الثابت الان ان دول العالم ، بما فيها الدول المتقدمة تظل غير قادرة على مواجهة جوائح مثل وباء الكورونا ، وانه رغم التقدم العلمي والطبي ، فخطر وباء مثل الذي حدث في فترات عديدة من تاريخ البشرية يبقى قائما ، المن الاسئلة التي تطرح الان : هل ستعيد الدول النظر في علاقاتها حتى تصبح اكثر انسانية واقل انانية؟وهل ستستعيد الدولة الراعية دورها ؟ وهل سيتصالح الانسان مع الطبيعة ؟ ذلك ما ستكشفه الايام بعد الانتصار على الفيروس، الذي نتمنى ان يكون قريبا.

بقلم: مسعود الرمضاني

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا