في الحدّ من تداعيات فيروس «كورونا» على بلادنا وعمّالنا

بقلم: أنور بن قدور الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل المكلف بالدراسات

في مختلف الأزمات والجوائح والأوبئة تُطرح على بلادنا تحدّيات مضاعفة أوّلها المحافظة على صحة المواطنين والثروة البشرية وحماية الاقتصاد وضمان الإنتاج وتوفير مختلف الحاجيات الأساسية والخدمات الحياتية علاوة على المحافظة عن الأمن والسلامة الجسدية لعموم المواطنين وفي مقدّمتهم العمّال الذين كانوا وسيظلون دوما جنود الصّف الأول رفقة الأمن والجيش الوطنيين، وعلاوة على المخاطر الصحية التي خلقها فيروس «كورونا» تبقى فئة العمال من أكثر الفئات المعرّضة للأزمات المالية كما نجدها وكما دأبت في الصّف الأوّل في تقديم التضحيات.
وحيث تتمثل الخطوة الطبيعية الأولى في الحد من تداعيات هذه الأزمة الوبائية المتعددة الأبعاد في تحديد المخاطر المحدقة وتعبئة الإمكانات المادية والبشرية اللازمة والكافية لحماية وطننا نقترح اتخاذ الإجراءات التالية: 

• تعبئة ميزانية خاصة لإدارة الأزمة الوبائية
تدلّ كل المؤشرات على أن هذه الأزمة وتداعياتها المتعددة الأبعاد ستمتد على مدى عدة أشهر على المستويين الوطني والدولي وفي أحسن الأحوال ستكون نهايتها في حدود ربيع 2021 ولذا لا بدّ من توفير الوسائل المالية الكافية لمجابهتها وذلك بــ:

- إعداد خطة إستراتيجية استباقية للتصرف النشيط مع المديونية (إعادة جدولة، تأجيل الدفع وغيرها من أدوات الهندسة المالية...).

- تقديم طلب رسمي لمجلس إدارتي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للاستفادة من خطوط التمويل الخاصة بمجابهة فيروس كورونا.

- تقديم طلب رسمي للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار للاستفادة من خط التمويل الخاص بفيروس « كورونا».

- تقديم طلب رسمي للبنك الأوروبي للاستثمار لإعانة النسيج الصناعي التونسي وخاصة القطاع المصدر لمجابهة الأزمة.

- إطلاق محادثات ثنائية مع سفراء الدول الصديقة والشقيقة للحصول على قروض ميسّرة وعاجلة لتمويل الميزانية وكذلك مساعدات عينية للقطاع الصحي وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي وألمانيا وفرنسا واليابان والصين والولايات المتحدة الأمريكية.

- إطلاق اكتتاب في قرض رقاعي بنسبة فائدة السوق المالية.

- مراجعة مستعجلة للقانون عدد 35 لسنة 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي، بإضافة فصل وحيد يمكن البنك المركزي من إقراض الدولة عبر خلق خط تمويل موجه مباشرة إلى الدولة يستعمل حصريا لمواجهة جائحة فيروس كورونا
ويجب توجيه كل الموارد المتحصّل عليها بالإضافة إلى التبرعات الداخلية إلى التخفيف من وطأة الأزمة وفي كنف الشفافية إلى قطاع الصحة العمومية. 
ومن المهم وضع إستراتيجية اقتصادية واجتماعية استباقية على مدى 12 شهر القادمين لضمان التوازنات الدنيا للمالية العمومية وتمويل الاقتصاد و تزويد الأسواق بالمواد الأساسية والطاقة. 

• الإجراءات المتعلقة بالحفاظ على الصحة العامة
يجب أن يحظى مشكل الاستنزاف وغياب الدّعم والإسناد الصحّي لأجراء الصف الأوّل في مقاومة الفيروس بأولى الاهتمامات وللأجراء ذي علاقة مباشرة مع الحرفاء، وفي هذا الإطار يجب توفير كلّ مستلزمات الوقاية والتعقيم ليتواصل عمل القطاعات الأساسية العاملة في الصفوف الأولى لمواجهة أيّ تعكّر للوضع الوبائي والحيلولة دون تكبيد البلاد خسائر جسيمة خصوصا في الأرواح ونذكر على سبيل الذكر ولا الحصر قطاعات: الصحة العمومية والبلديات والشركات العاملة في النفايات والنقل والمطارات والموانئ والمعابر والديوانة.

- تعليق العمل بالأداء على القيمة المضافة بالنسبة لكل المواد والخدمات المتعلقة بالنظافة (مواد التنظيف، ورق صحي ...إلخ)

- تكفّل صندوق التامين على المرض بكلّ مصاريف المداواة وخاصّة الكورونا.

- التنسيق مع القطاع الخاص لتسخير كافة الإمكانات المتاحة لمجابهة الوباء.

- دراسة وطرح إمكانية إعلان حالة الطوارئ الصحية ومنع التنقل بين المدن إلا في الحالات القصوى.

• الإجراءات الأمنية العاجلة

- طرح إمكانية مراقبة مسالك الإنتاج والتوزيع من طرف المؤسّسة الأمنية والعسكرية في حال إقرار الحضر الصحي الشامل.

- مقاومة صارمة للتهريب وتشديد العقوبات والتشهير بكل المخالفين واتّخاذ إجراءات زجرية ضدهم.

- دعوة وزارة التجارة لتشجيع التجار لتسويق طرود غذائية بأثمان معلومة ومحددة بهدف ضمان انسيابية عمليات البيع وتسهيل تقديم الاعانات العينية. 

- وضع خطّة لإيصال المواد الاستهلاكية وخاصّة منها الأساسية للعائلات التي لا يمكنها التنقّل حتّى في الحالات القصوى وخاصّة المعوزة منها.

- وضع خطّة للتكفّل وتزويد دور المسنّين والعجّز وفاقدي السّند وذوي الاحتياجات الخصوصية.

- تجهيز فضاءات مراقبة وعناية خاصة بمرض الفيروس ووضع المصحات الخاصة على ذمة وزارة الصحة.
اليوم هناك كلفة اقتصادية واجتماعية واضحة لكافّة الإجراءات التي اتخذت أو المزمع اتّخاذها ومن الضروري إعداد قراءة لواقع وآفاق القطاعات المشغّلة لهؤلاء الأجراء في ظل الأزمة وإمكانية استفحال البطالة الوقتية أو الدائمة في البعض منها ومن الواضح أن الأزمة الوبائية التي تعيشها بلادنا والتي أتت في ظرف دقيق وغير مناسب بالنّظر إلى تعمق الأزمة السياسية والاقتصادية التي تمرّ بها بلادنا ستكون لها حتما تداعيات مباشرة وسريعة على عديد القطاعات والفئات العمالية وفي مقدمتها نذكر بالخصوص: السياحة ووكالات الأسفار والصناعات التقليدية والشركات المصدرة والشركات المورّدة للمواد الأوّلية أو نصف مصنّعة والمقاهي والحانات والمطاعم والأسواق بأنواعها وتجارة التفصيل بكافة أنواعها ومحلات الحلاقة والحمامات وقاعات الرياضة وقاعات الأفراح والفضاءات الترفيهية (سينما، مسرح، ......) والنقل بجميع أنواعه ورياض الأطفال والمؤسسات التربوية الخاصة وقاعات الألعاب والانترنت، مراكز النداء المرتبطة بالدول الأوروبية.

• الإجراءات الهادفة للحد من فقدان مواطن الشغل والبطالة الفنية
اليوم بات لزاما علينا جميعا تحديد الإجراءات الناجعة للحفاظ على مواطن الشغل وفتح باب الحوار والتفاوض الجدي والمسؤول مع الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية حول البطالة الاقتصادية أو التقنية على المستوى الوطني والقطاعي في ظل ظروف قاهرة واستثنائية للحفاظ على مواطن الشغل وآليات مساعدة المؤسسات على صرف الأجور كاملة في القطاع الخاص و في القطاعات المتضرّرة خاصة، وفي هذا الصدد نقترح:
الاقتطاع من العطلة السنوية أو تعويض ساعات العمل بعد القضاء على الفيروس (مع الأخذ بخصوصيات المؤسّسة).
- التكفّل بكلّ وسائل الحماية للعمّال والعاملات التي محمول عليها مواصلة العمل في كلّ الحالات وتأمين تنقّلهم تحت إشراف طب الشغل.
- تأجيل مؤقّت لبعض الالتزامات المالية للعمّال في البطالة الفنية في علاقة بخلاص معاليم وفواتير (الكهرباء والغاز – الماء–).
- تأجيل لمدة 3 أشهر قابلة للتجديد استخلاص القروض من البنوك أو المؤسسات بما فيها مؤسسات القروض الصغرى.

• الإجراءات الموجهة للمؤسسات

- تأجيل سداد قروض الشركات التي تواجه أو ستواجه صعوبات اقتصادية وتأجيل سداد مساهمات بعنوان التغطية الاجتماعية.

- تكفّل الدولة بالمساهمات بعنوان التغطية الاجتماعية بالنسبة للشركات المتوسطة والصغرى والمتضررة.

- تأجيل دفع الأداءات والأداء على القيمة المضافة TVA من طرف الشركات التي تتعرض إلى صعوبات اقتصادية جراء الفيروس.

- ضمان الدولة للمؤسّسات للحفاظ على ديمومتها.

- اتّخاذ إجراءات لإسناد الشركات المتضررة كالشركات المصدّرة والشركات الموردة للمواد الأولية (المقاهي المطاعم وتجارة التفصيل وعمالهم).

- ضمان ديمومة المرفق العام على مستوى الكهرباء والغاز والتزوّد بالمياه مهما كان الظرف وتكفّل الدولة بالمؤسّسات العمومية حتّى تواصل نشاطها في ظروف طيّبة.

- أخذ الإجراءات حتّى تتمكّن الشركات العاملة في قطاع المواد الأساسية والتعقيم والتنظيف والأدوية من الترفيع في إنتاجها (خاصة مع تقليص المنتوجات الموردة).

- التعويض للمؤسّسات الأكثر تضررا وخاصّة التي وقع إتلاف إنتاجها.

- رفض التغطي تحت الأزمة لطرد العمال أو التقليص من أجورهم.

- الإجراءات الموجهة للمؤسسات وللعمال والعاملات
الاتّفاق بين المؤجّر والنقابة على أوقات العمل في صورة الضرورة على ألاّ تتعارض مع القرارات الصادرة عن رئاسة الحكومة.

- توفير الحماية من كلّ عمليات الانفلات التي يمكن أن تحدث وضمان سلامة العمال والمؤسسات.

- تأجيل العمل التشريعي غير المتعلق بإدارة الأزمة الوبائية.

- تمتيع كل من اضطرّ للعزل الذاتي أو الإجباري بأجره كاملا وبحقوقه كاملة.

- الترخيص للولي الذي له أطفال لا تزيد أعمارهم عن 16 سنة بعطلة عرضية خالصة الأجر.

- وضع كل العاملات والعمال المصابين بأمراض مزمنة في العزل الصحي الذاتي مع تمتيعهم بحقوقهم كاملة.

وفي الختام فإنّ هذه الأزمة الصحية أكّدت على الدور المحوري لقطاع الصحة العمومية والعاملين فيه في إنقاذ البلاد والعباد والعناية وحماية كل المواطنات والمواطنين بدون استثناء رغم قلة الموارد وفي ظل غياب التجهيزات والموارد البشرية وخاصة هجرة الأطباء، ورغم تعالي العديد من الأصوات لشيطنة المؤسسات الاستشفائية والسعي الحثيث لخوصصتها. كما نثمن الدور الذي لعبته شركة الخطوط الجوية التونسية لترحيل التونسيين العالقين بالخارج بالرغم من الصعوبات المالية التي تعيشها.

ويجب علينا استخلاص العديد من الدروس من هذه الأزمة التي أظهرت التأخير الكبير في نقل وتركيز التكنولوجيا الحديثة كرقمنة الإدارة وتركيز مجالات العمل عن بعد كالتعليم والمعاملات المالية والبحث العلمي.

وندعو وزارة التربية إلى بعث رسائل طمأنة للتلاميذ حول مآل السنة الدراسية وإطلاق إستراتيجية استباقية تضمن تنظيم الامتحانات الوطنية في أحسن الظروف. 
وأخيرا سنعمل على إحداث مرصد نقابي لمتابعة تداعيات فيروس كورونا على غرار المرصد النقابي لملاحظة الإنتخابات. وسيتكفل المرصد بمتابعة إحالة العمال على البطالة الفنية أو الدائمة أو التقليص من أجورهم وكل الاشكاليات التي قد تتعرض لها المؤسسات الإقتصادية وتفعيل التضامن النقابي مع كافة العمال المتضررين. 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا