منبــر: مشـاهدات وتأمّلات

بقلم: علي السعـداوي
فنّ الخواطر من ألوان الكتابة ذات الفتنة يأسرني ويمتعني يتراءى لي في نماذج راقية من أدب العربية والفرنسية.

ولا شكّ أنّ لها نظائر في لغات العالم. وعلى هذا الدّرب أودّ ان أسير. وهذا الفنّ الأصيل المتجدّد ينبع من الحواسّ وفعلها لاسيما البصر.
بالأمس قادتني قدماي إلى ربوع في ريفنا وقرانا وكثيرا ما أنقاد إلى غواية المشي، هذه الغواية التي خفتت في أيّامنا. ويا للخسارة ! كان والدي يقول لي : إنّه من العاديّ أن يقطع أميالا ومراحل تمتدّ ساعات سيرا لا راكبا. واليوم يستكثر بعضهم أن ينتقل على غير سيارة أو دراجة ويستنكف.
ماذا شاهدت وأنا أمدّ الخطو وماذا دار بخاطري وخلدي ؟ رأيتُ مساحات بورا وأشجارا لحقها اليُبس ومنظرا تشمئزّ منه النّفس : أكياس من البلاستيك متناثرة معلقة ببعض الأغصان الجرداء، ونفايات وفواضل شتّى من قوارير الماء وعلب الجعة وأوان كريهة. تساءلتُ : ما الذي جرى لريفنا البهيّ وقريتنا الأخّاذة ؟! هل هلك الأجداد والآباء ليعيث الأبناء والأحفاد فسادا في الأرض؟! أهذا جزاء الجيل السّابق من الجيل اللاحق؟ غرسوا وزرعوا وتعهّدوا وجعلوا الأراضي بساتين غنّاء وغابات وارفة تملأ الصّدور بهجة وشذى وتبشّر بالخير، بالرّزق، بالسّعادة. أيكون مآل العرق والعناء والاجتهاد والحرص والتّفنّن في «الصناعة» الجحود ؟! ما بال الجديد يهدم القديم ؟! ما الذي دهاك يا أيّها الجيل ؟ جيل القرن الحادي والعشرين ؟! أتستخفّ بكدح آبائك الأوّلين ؟!

إشترك في النسخة الرقمية للمغرب

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د


غمرتني حرقة وانضافت غصّة : لم يعد يهمّ الورثة إلاّ التّراب. ولا يهمّ أن يكون هذا التّراب ملوّثا تنفر منه العين. ترى الأوتاد منصوبة تومئ إلى تقسيم الملكيّة. والمداخل محفورة تدعم المقاسم.
أصاب فلاحتنا داء الترهّل وأشاح عنها الشّباب وغطّى الإهمال كلّ شيء ولم تعد تجد من يخدم الأرض ويتعهّد الغرس ويجني الثّمار حتى من أحفاد الفلاحين أنفسهم. وإن وُجد فبالأجر الاعتباطي المرتفع والأداء السّقيم. يا ويحنا ! ويا ويلنا ! أبهذه الطريقة نعامل إرثنا وتراثنا ؟ نترك شبابنا يتلهّى في المقاهي والأعمال الشّائنة القائمة على الحيلة والحرام والشرّ. حتى نزقهم وطيشهم لا أثر فيه للذوق والتحفّظ والتستّر وإلا ما ضرّ لم جمعوا قواريرهم وعلبهم وسائر ما جلبوا لجلساتهم الخمرية في أكياس ونظفوا مربطهم، وراعوا حقّ النّشء الجديد في المناظر الجميلة فضلا عن القدوة الحسنة.
ثم وأنا أسير بين جوانب ما كان من جنائن وغابات لا أرى إلا ركاما من «الفواضل» مرمية على قارعة الطرقات، وبنايات مشيّدة وسياجات مرفوعة مسكونة وغير مسكونة وفيها ما يُريب ولا يدلّ على حظّ من رفعة الذّوق. هذا عدا الكلاب السّائبة التي تجوب الثنايا وتعكّر الصّفو وتمنع الفسحة... قد لا تلفت هذه الأمور أصحاب الشّأن وأهل الحلّ والعقد ويستصغرها بعضهم ولكنّها عندي علامات دالة ونذر لا ينبغي للعاقل أن يستهين بها.
ففلاحتنا أجدر أن نغار على مصيرها ونجنّبها أهوال الإهمال والتعدّي، وبيئتنا أحقّ بالعناية. فهل من متفكّر غيور ؟!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا