برج بابل: المرأة ونظام البداهة

تتقدم البشرية خطوات كبيرة نحو تحسين وضع المرأة. هناك دوما سعي نحو إرساء المزيد من التشريعات ومن المواثيق

التي تدعم مكانة جيدة للمرأة وتواجه البشرية من هذه الناحية إرثا من الهيمنة الذكورية يُحسب بعشرات القرون. وهذ الإرث ماكث في الذهنيات يوجهها نحو تصورات وأفعال تعتبر أن المرأة كائن من درجة ثانية. ولهذا يُقال عندنا أن المرأة هي نصف المجتمع ومن النادر القول إن الرجل هو نصف المجتمع. تبدو مقولة المرأة نصف المجتمع مقولة تذكيرية ومقولة تريد أن تستدرك وضعا غير متساو. وبما أننا نستعمل هذه المقولة في السياق الذي يقع اختياره فهذا دليل على أن خللا ما يحدث. فالمجتمعات التي يكون فيها وضع المرأة أفضل ليست في حاجة إلى مقولة المرأة نصف المجتمع.
وإذ تحتفل شعوب العالم وبدرجات مختلفة باليوم العالمي للمرأة كل 8 مارس من كل سنة، فذلك دليل على أن مسألة حقوق النساء ومساواتهن في الحقوق والواجبات مازالت تُشكل المطلب الأساسي لأي حركة حقوقية من أجل وضع أفضل للمرأة. وضع المرأة الذي نستطيع فهمه من خلال ما يسميه « بيار بورديو» بالهيمنة الذكورية التي هي أسلوب تفكير وأسلوب فعل يضع المرأة في وضع تخضع فيه إلى تصورات دونية أو تصورات تجعلها موضوعا للهيمنة. وتعتمد هذه الهيمنة الذكورية على فكرة محورية هي أن الوضع الذي تكون فيه المرأة مُهيمنا عليها وضع بديهي ويجب التعامل معه على أنه كذلك. على أن هذه البداهة ليست مجرد سلوك أو تصور، إنها أكبر من ذلك، هي نظام كامل من التوجهات ومن التمثلات والأفعال. وهي نظام من الرموز ناعم يكرّس هذه الهيمنة ويجعلها ذهنية ورؤية للعالم.


ولكن من يضع نظام البداهة؟ وكيف يشتغل؟ وهل يمكن مساءلته؟ نظام البداهة نظام قديم، ترسباته في الماضي جعلت من المرأة عنوانا للدونية وقد ساهمت في وضعه ثقافات ومعتقدات وبلورته علاقات قوة ومصالح ومنافع مادية ورمزية. ولكن نظام البداهة الذي هو حجر الزاوية للهيمنة الذكورية تصنعه النساء أيضا. فالنساء يدفعن من خلال التنشئة الاجتماعية إلى القبول بوضع غير مقبول لوضعهن. والأكثر من هذا إذ تدافع النساء على نظام البداهة هذا بمنطق ذكوري غير قابل للمساءلة أو التشكيك، أي أنه منطق يكاد يكون دغمائيا ومجرد مساءلته إخلال بالتوازنات المختلفة.
ويعتمد نظام البداهة على عملية إعادة إنتاج مقولات الهيمنة ويمرّرها عبر أساليب عديدة، منها ما هو مادي ومنها ما هو رمزي. وكل إعادة نظر في وضعية المرأة هي إعادة نظر في البنى الاجتماعية التي تؤمن إعادة الإنتاج هذه. ويعني ذلك مساءلة مؤسسات التنشئة الاجتماعية. مساءلة المدرسة والأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني والخطاب الديني والخطاب الإعلامي وغيرها من المؤسسات الأخرى والتشريعات ووضعها تحت المحكّ النقدي في ما يخص وضع النساء.
وأكثر ما هو مخاتل في نظام البداهة هو الطمأنينة التي نعيشها والتي لا نريد المساس بها. الكلّ -تقريبا- في تونس مطمئنون من ناحية الخطاب القديم المتجدّد الذي يُعلي من شأن تجربة تونس في الدفاع عن حقوق المرأة. الأمر يتسع عندما يتعلق بالمحافل الدولية وتقديم التجربة التونسية كتجربة نموذجية في هذا الشأن. لكن الواقع يقول عكس ذلك، الأرقام التي تقدمها الجهات المختصة في متابعة مؤشرات وضع النساء في تونس تكشف عن ضعف وجودها في مراكز القرار مثلا. وتفيد نفس المؤشرات أن النساء المتعلمات أكثر عرضة للبطالة من الرجال. هذا علاوة على العنف المادي الذي يقع على النساء ويجد له نظام البداهة التبريرات الكافية لشرعنة وجوده.
من المهمّ متابعة المؤشرات الخاصة بوضع النساء ولكن الأهم هو الذهاب بعيدا في مساءلة الثقافة و الرموز التي بها نرى العالم ونرى بها المرأة أيضا والتي -في عمقها- لا ترتاح إلى وضع تكون المرأة فيه سيّدة ذاتها....

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا