في حضرة الحركات الاجتماعية: الأزمة،الحيرة،الأسئلة وسبل الإنقاذ

كان لقائي بمناضلي الحركات الاجتماعية كامل مساء السبت 29 فيفري 2020 في الندوة الوطنية التي نظمها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ،

فرصة للوقوف من جديد على عمق الأزمة الاجتماعية وللخوض مع ممثلي هذه الحركات حول عديد القضايا الاجتماعية التي تقض مضاجع - لا فقط - الحركات الاجتماعية بل كذلك المسؤولين في الدولة لعدم قدرة السياسات العمومية على التعاطي مع هذه الأزمات وإيجاد الحلول الضرورية لها .
وقبل الحديث عن أهم القضايا التي تطرق إليها نقاشي مع الحركات الاجتماعية في هذه العشية لابد من التنويه بالدور الذي يقوم به المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الاهتمام بالنضالات الاجتماعية ومحاولة تأطيرها ودفعها لاختيار طريق النضال السلمي و الديمقراطي والابتعاد عن العنف .وهذا المنتدى هو جمعية مستقلة تعود إلى فترة التضامن مع نضالات الحوض المنجمي سنة 2008 حيث التقت مجموعة من المناضلين الديمقراطيين وقررت الدعم والوقوف إلى جانب النضالات الاجتماعية .وقد لعب هؤلاء المناضلون دورا كبيرا في التعريف بالأزمات الاجتماعية في بلادنا والتطور الكبير الذي عرفته الحركات الاجتماعية والنضالات الاجتماعية في مختلف القطاعات .

وساهمت هذه الحركة الديمقراطية في دعم النضالات الاجتماعية والتعريف بها في بلادنا وعلى المستوى العالمي والتحسيس بها وحشد المساندة الضرورية والدعم المادي أمام آلة القمع والاستبداد .
ولم يقف دور هؤلاء المناضلين عند الدعم ومساندة الحركات الاجتماعية بل تجاوزه إلى التحليل والبحث والخوض في جذور الأزمات الاجتماعية التي تعيشها بلادنا .وقد أكدت هذه الدراسات على أن هذه الأزمات في نتيجة لفشل وتآكل نمط التنمية الذي وضعته بلادنا منذ سبعينات القرن الماضي وعجزت مختلف الحكومات عن تعويضه بنمط جديد.كما أشارت هذه الدراسات في نفس الوقت إلى أن هذه الأزمات - هي أيضا - نتيجة لتطور العولمة ولأزماتها المتعددة وانعكاساتها السلبية على البلدان النامية .وهذه القراءات والتحاليل قادت هده الحركات إلى ربط النضالات الاجتماعية في بلادنا بالحركات والنضالات المناهضة للعولمة على المستوى العالمي .

فتحت هذه الحركات الاجتماعية وهذه المنظمات مجالا جديدا للحركات السياسية والنضال الاجتماعي والذي كان مقتصرا في السابق على المنظمات الاجتماعية الكبرى وبصفة خاصة الاتحاد العام التونسي للشغل وبعض الأحزاب اليسارية ومنظمات المجتمع المدني التي تنشط في ميدان حقوق الإنسان والحريات .وقد كان الاهتمام الرئيسي لهذه المنظمات بالحركات الاجتماعية المنظمة كالعمال والموظفين والطبقات المتوسطة.إلا أن ظهور هذه النضالات وبصفة خاصة تحركات المهمشين والفئات الشعبية البعيدة والمنفصلة عن الأطر السياسية والحزبية التقليدية كانت وراء ظهور التعبيرات السياسية الجديدة والحركات الاجتماعية والتي ستصبح لاعبا مؤثرا في الحركة الاجتماعية بفضل تواتر وتصاعد نضالاتها .

وسيعمل عديد المناضلين الديمقراطيين على الالتحام بهذه الحركات الاجتماعية كما كان الشأن في نضالات الحوض المنجمي وعديد النضالات الأخرى.ولئن لم يسمح النظام السابق الاستبدادي الذي عرفته الساحة السياسية لهذه الحركات بالتنظيم، فإن الثورة ستفتح مجالات كبيرة لهذه الحركات الاجتماعية للظهور بصفة عادية علنية ولتصبح حركات فاعلة في الساحة الاجتماعية . وقد حاول المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية منذ ظهوره أن يشكل الإطار الجامع لهذه الحركات الاجتماعية .

وقد ركز المنتدى عمله على مسائل هامة وأساسية ومن ضمنها حق الشغل والحقوق الاجتماعية الأخرى،كحقوق المرأة ومسألة المساواة وحقوق المهاجرين غير الشرعيين والحقوق المناخية .

وقد نجح المنتدى وبالرغم من إمكانياته المحدودة في القيام بعمل هام لصالح الحركات الاجتماعية على عديد المستويات .فمن الناحية الإعلامية ساهم المنتدى في التعريف بالحركات الاجتماعية وبنضالاتها .كما لعب المنتدى دورا مهما في تأطير هذه النضالات ومحاولة وضعها على الطريق الديمقراطي والسلمي .ثم ساهم المنتدى في دفع مطالب الحركات الاجتماعية ووضعها ضمن أولويات حكومات ما بعد الثورة واهتمامات المنظمات الاجتماعية.وقد ساهمت هذه النجاحات في تكوين مصداقية المنتدى على المستوى الوطني ليصبح في فترة جديدة وجيزة المخاطب الأساسي للحركات الاجتماعية وعلى المستوى العالمي حيث أصبح المنتدى شريك الحركات المناهضة للعولمة وقد تولى لسنتين متتاليتين تنظيم القمة الاجتماعية العالمية .

وسأحاول في هذه المقال صياغة بعض الأفكار والملاحظات التي خرجت بها من هذا اللقاء وقد جمع هذا اللقاء مجموعة هامة من الحركات الاجتماعية ومن ضمنها نشطاء الحوض المنجمي وحركة عاملات النسيج ونشطاء في الحركات البيئية،ونشطاء من عمال الحضائر والعديد من مناضلي المنتدى في الكثير من الجهات .

الملاحظة الأولى تهم الجو العام الذي دار فيه هذا اللقاء والندوة الوطنية للحركات الاجتماعية .وقد تميز هذا الجو والمداخلات بالكثير من المرارة والإحباط واليأس أمام تدهور الوضع الاجتماعي وانسداد الأفق والمستقبل .وقد عبرت الكلمات عن هذا الإحباط واليأس.

وقد جاءت كلمات جمال الزموري مفعمة بهذا الحزن والمعاناة عندما قال :
« ولو كان موتنا لأجل شيء عظيم
كنا ذهبنا الى موتنا ضاحكين
ولو كان موتنا لأجل وقفة عز
وتحرير ارض
وتحرير شعب
لكننا سبقنا الجميع الى جنة المؤمنين
ولكنهم قرروا ان نموت ليبقى النظام
وأفوال النظام»

ويضيف في تدخله وبكثير من الألم والحزن « ربما لا ألقاكم بعد عامي هذا فاذكروني بخير واعلمو أني كلما نظرت في المرآة لم تقابلني سوى وجوه مزدحمة من الأرامل والأيتام والمظلومين الذين وأنا منهم لم يروا فرحة تنسيهم وجع السنين».

ربما كانت كلمات جمال الزموري الأكثر حساسية في التعبير عن الحزن والألم ولكن كل التدخلات الأخرى عبرت عن هذا الشعور .فأشار بعض مناضلي الحوض المنجمي الى «أن «الفسفاط أصبح نقمة –» وأشار آخر الى أن «الفسفاط خلف أمراضا مزمنة على مدى سنين طويلة وبالرغم من ذلك لم تحصل الجهة على التنمية والشغل «.كما أكدت عديد المداخلات على الحق في الحياة والحق في الهواء .

كانت هذه الكلمات بمثابة صرخة فزع أكدت على عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها وحالة اليأس .إلا هذه الكلمات الحزينة والمبالغة في الكآبة لم تمنع الحاضرين في النقاش من طرح مسائل أساسية وقضايا مهمة .وأود الإشارة في هذه الملاحظة الثانية الى جملة هذه القضايا والمسائل التي وقع تناولها بالنقاش .ومن هذه القضايا اذكر قضايا التنمية والتهميش في الحوض المنجمي .

كذلك أثار الحاضرون قضايا البطالة وبصفة خاصة بطالة أصحاب الشهائد والتي شهدت مستويات عالية جدا في المناطق الداخلية .كما أثارت عاملات النسيج قضايا التشغيل الهش ومحاولات تهرب الشركات التي تشتغل تحت قانون 1972 من مسؤوليتها الاجتماعية خاصة أمام العمال وعجز مؤسسات الدولة على إجبارهم على احترامها .

كما توقف عديد المشاركين على تعاطي السلطة ومختلف الحكومات مع الحركات ومحاولة تجريمها عوض فتح أبواب النقاش والحوار معها لمحاولة الخروج من هذه الأزمات الاجتماعية.

وأثيرت عديد المسائل الأخرى المهمة في النقاش كحقوق المرأة والمساواة وحقوق المهاجرين غير الشرعيين والحقوق المناخية وغيرها .

أما الملاحظة الثانية التي أود الوقوف عندها فتخص الإشكاليات الكبرى التي طرحتها النقاشات مع الأصدقاء في المنتدى وفي الحركات الاجتماعية .الإشكالية الأولى تهم دور الدولة في التنمية وعلى خلاف التصورات النيوليبرالية والتي تنادي بضرورة تقليص دور الدولة في التنمية والاكتفاء بالدور التعديلي دون التدخل في الديناميكية الاقتصادية فإن عمق الأزمة الاجتماعية تؤكد على أهمية هذا الدور والمكانة الإستراتيجية للدولة لا فقط في تحديد التصورات الكبرى للتمنية بل كذلك في الحفاظ على التوازن الاجتماعي.

الإشكالية الثانية التي خرجت بها من هذا النقاش تهم مسألة تنمية الجهات المحرومة وضرورة المشاركة الشعبية في ضبط أولويات التنمية في جهاتها .وقد أكد اغلب الحاضرين على هيمنة الدولة في ضبط الخيارات وتهميش الحركات الاجتماعية والمجتمع المدني في هذه العملية .وقد كان الحديث هاما والنقاش مميزا بين إشكالية المشاركة المرتبطة بالرؤيا الكلاسيكية للامركزية والتي تدافع على فتح مؤسسات الدولة للأخذ بعين الاعتبار المطالب الاجتماعية والرؤيا المجالسية التي تضرب عرض الحائط بالهياكل الرسمية وتجعل من المجالس الشعبية الإطار الحقيقي والبديل لهذه المشاركة .وبدون الدخول في متاهات هذه النقاشات فانه يبدو لي أن أزمة التنمية والأزمة الاجتماعية العميقة التي نعيشها هي نتيجة لهذا التمشي الفوقي والأحادي للدولة.ويتطلب الخروج من هذه الأزمة تعميق الديمقراطية وفتح مجالات المشاركة الشعبية في ضبط الخيارات الكبرى للتنمية على المستوى المحلي كما على المستوى الوطني .

الإشكالية الثالثة التي وقع الحديث حولها هي الدستور وجملة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي أتى بها واعتبرها أساسية وتشكل ركيزة التوجهات الجديدة والعقد الاجتماعي الجديد الذي نسعى إلى بنائه وتدعيمه .إلا انه على أهمية هذه الالتزامات والقوة الرمزية والقانونية آلت يعطيها لها الدستور فإنها بقيت إلى حدّ اليوم شعارات كبيرة لم تنجح في ترجمتها إلى سياسات على ارض الواقع .وقد أثارت انتباهي الكلمات والتوصيف الذي قدمه احد المشاركين لتقديم هذا الوضع بالتأكيد على أن الدستور يمنح والسلطة تجود» ويجب أن يتحول هذا الشعار الى «الدستور يمنح والسياسات تنفذ» .

الإشكالية الرابعة التي أثارتها هذه النقاشات واللقاء مع الحركات الاجتماعية هي غياب الرؤيا و التصور للخروج من هذه الأزمة .فالعجز والفشل لا يعود فقط للأشخاص ولانعدام الكفاءة عند المسؤولين بل كذلك وخاصة الى غياب الرؤى الإستراتيجية والمستقبلية للخروج من الأزمات التي نعيشها .فالأزمة هي قبل كل شيء وقبل أن تكون عجزا وفشلا في السياسات تكمن في غياب التصورات الكبرى والرؤى التي ستحمل العقد الاجتماعي الجديد.

الإشكالية الخامسة والأخيرة التي خرجت بها من هذا اللقاء تهم فشل وعجز السياسات المتبعة والتي تفسر إلى حد كبير الأزمات التي نعيشها ونحمل خيباتها.فلقد واصلنا في تطبيق نفس السياسات التقليدية ولم نسع إلى التجديد واستنباط حلول جديدة قادرة على التعاطي مع الأوضاع الجديدة وعمت حدة الأزمات التي نعيشها .فبالرغم من جسامة التحديات فقد طغى الجانب المحافظ على السياسات العمومية .

وبالعودة إلى التاريخ يتبين أن فترات الأزمات العميقة كانت دائما فترات مخاض وتجديد لا فقط في الأفكار والآراء بل كذلك في السياسات .ولابد لنا هنا أن نقطع مع السياسات التقليدية ونتسلح بالجرأة الكافية لاستنباط السياسات الجديدة والقطع مع القديم .

كانت هذه بعض الأفكار التي خامرتني في حضرة الحركات الاجتماعية وفي لقائي معها في الندوة الوطنية للحركات الاجتماعية التي نظمها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية .إلا انه وبالرغم من حالة الإحباط ونوع من اليأس فقد وجدت في هذا اللقاء بعضا من دوافع للأمل والثقة في قدرتنا على إنجاح مشروع التحول الديمقراطي والاجتماعي .ويمكن لي الإشارة إلى ثلاثة أسباب أساسية للثقة في المستقبل .

السبب الأول يكمن في استعداد الحركات الاجتماعية لمواصلة نضالاتها للخروج من الأزمة الاجتماعية ومن حالة الإحباط واليأس .والمسالة الهامة في هذا المجال وهي تأكيد اغلب الحركات الاجتماعية على أن النهج الذي ستتبعه هو طريق النضال المدني،الديمقراطي والسلمي للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية .

السبب الثاني للأمل يعود إلى محاولة الحركات الاجتماعية ربط نضالاتها ومقاومتها بالعمل على استنباط الحلول والسياسات الجديدة للخروج من الأزمات.وبالتالي فإن الحركات الاجتماعية ليست فقط قوة نقد ورفض بل هي قوى للبناء والاقتراح .ويساهم في هذا المجال باحثو المنتدى إلى جانب تنسيقية الباحثين المعطلين في هذا العمل البحثي المهم .

أما السبب الثالث فيعود إلى التفكير الذي قامت به هذه الحركات في طرق التنظيم وأشكال مواصلة التعبئة والتضامن .وقد اعتبر عديد المتدخلين في هذا اللقاء أن التنظيمات التقليدية والأحزاب الكلاسيكية قد فقدت قدرتها على التعبئة والتغيير لتبرز الحركات الاجتماعية كبديل لهذه الأحزاب .وهذه المسالة دعوة جدية للتفكير في أشكال التنظيم خاصة أمام أزمة التنظيمات التقليدية وعدم قدرتها على الوقوف أمام المد الشعبوي .

لقد كان اللقاء مع الحركات الاجتماعية فرصة متجددة لي للانغماس والخوض في المسألة الاجتماعية .

وتشكل هذه اللقاءات والنقاشات فرصة للحديث وتبادل الآراء من أجل ضبط الرؤى والسياسات لبناء البديل الاجتماعي و لصياغة العقد الاجتماعي الجديد .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا