قهوة الأحد: المسألة الاجتماعية والسياسات العمومية

إن المتأمل في المسألة الاجتماعية في بلادنا يقف على مفارقة هامة وكبيرة .فمن جهة أكدت الدولة الحديثة ومختلف الحكومات التي توالت

منذ الاستقلال على أن المسألة الاجتماعية هي في أولى اهتماماتها ومن جهة أخرى لم تكن النتائج في مستوى الالتزامات والتعهدات الكبرى الذي أخذتها الدولة على نفسها .والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن لنا أن نفسر هذه المفارقة وكيف لنا أن نفهم أسباب هذه التباعد بين الالتزامات الكبرى للدولة من جهة ونتائج سياساتها الاجتماعية على أرض الواقع.
هذا التباعد بين الالتزامات والنتائج كان الأزمة الاجتماعية الخانقة التي تعيشها بلادنا منذ سنوات والتي انطلقت مع أزمة العقد الاجتماعي لدولة الاستقلال وتآكل وانخرام أبرز مكوناته .ومن أبرز سمات هذا الابتعاد والأزمة الاجتماعية المتتالية هي نسب البطالة العالية،تزايد التهميش الاجتماعي ،تزايد الفوارق بين الجهات وارتفاع الفوارق الاجتماعية .
لقد كانت هذه الأزمات الاجتماعية وغياب الأمل وراء تنامي الحركات الاجتماعية وتصاعد وتيرة نضالاتها في السنوات الأخيرة .وقد عرفت هذه النضالات الاجتماعية أشكالا جديدة في السنوات الأخيرة .فإلى جانب النضالات التاريخية التي قادتها النقابات العمالية والشبابية من اجل تحسين ظروف معيشتها،ظهرت في السنوات الأخيرة الحركات الاجتماعية الجديدة والتي أخذت على عاتقها مطالب المهمشين والمحرومين من السياسات العامة للدولة.
لنعد الآن للمفارقة بين أهداف ومطامح السياسات الاجتماعية والتي أردنا التوقف عندها في هذا المقال لتقديم بعض الفرضيات عن أسباب غياب هذا التناغم والالتقاء .وفي رأيي فان المسالة لا تقتصر على الميدان الاجتماعي بل تهم السياسات العمومية في شموليتها وفي فلسفتها .وقد تميزت بصفتين أساسيتين وهما التحديث وهيمنة الدولة .

إشترك في النسخة الرقمية للمغرب

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د


أما التحديث فقد شكل الفلسفة العامة والأساس المركزي للسياسات العامة للدولة ومختلف حكومات ما بعد الاستقلال .وهذا التوجه هو وريث الحركة الإصلاحية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والحركة الوطنية في القرن العشرين .فقد التقت النخب الجديدة والإصلاحية في بلادنا بحركة الأنوار والثورات السياسية والاقتصادية في أوروبا والتي جعلت من الحداثة مرجعها الفلسفي والفكري السياسي .وقد كان لهذه الأفكار تأثير كبير على النخب التونسية وسيتواصل هذه التأثير على مدى القرن العشرين لتصبح أفكار الحداثة والتحديث المرجع الأساسي لهذه النخب ولاختياراتها الكبرى .
وعند اعتلاء هذه النخب الجديدة للسلطة مع دولة الاستقلال فان مرجعية التحديث ستشكل أساس السياسات الجديدة للدولة في مختلف المجالات .وإشكالية التحديث تعود إلى القناعة الراسخة عند النخب التونسية بأن التخلف والتهميش والاستبداد والتسلط تجد جذورها العميقة في المجتمعات التقليدية وهياكلها الاجتماعية البالية.وبالتالي فإن الخروج من أمراض التخلف العربي تمر عبر القيام بثورة على هذه الأنظمة البالية وضرورة بناء أنظمة حديثة وعقلانية في دينامكيتها وتحتكم للعلم والتكنولوجيا الحديثة.
وسيكون التحديث هاجس وأساس السياسات التي ستطبقها دولة الاستقلال في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .ففي المستوى السياسي ستعمل دولة الاستقلال على بناء مؤسسات الدولة المعاصرة والانخراط في مبادئ الحداثة السياسية .وعلى المستوى الاقتصادي سيكون هاجس الخروج من المنظومة الاقتصادية الاستعمارية وبناء الاقتصاد المعاصر والمستقل أحد أهم أولويات الدولة الحديثة .
كما ستكون إشكالية التحديث أساس السياسات العامة في المجال الاجتماعي حيث ستعمل على الخروج بمبادئ التضامن والتآزر الاجتماعي من الإطار التقليدي المرتبط بالعائلة والقبيلة لتدخل به إلى عالم المؤسسات الحديثة .فخلقت مؤسسات التضامن الاجتماعي الحديثة من صناديق اجتماعية وسياسات في مجالات الصحة والتعليم .
أما السمة الثانية للسياسات الاجتماعية فتخص هيمنة الدولة الحديثة ومؤسساتها في صياغتها وإدارتها وتنفيذها .وهذه الخاصية أو السمة الثانية للسياسات فهي مرتبطة بقناعة النخب بان الدولة ومؤسساتها هي الحاملة والحاضنة لمبادئ الحداثة والعصرنة والتقدم أمام هيمنة المبادئ والعلاقات الاجتماعية التقليدية في المجتمعات المتخلفة الموروثة عن الاستعمار وقرون من التخلف والتهميش .
إذن سترتكز السياسات العمومية لدولة الاستقلال على مبدأين أساسيين وهما التحديث للخروج من عصور التخلف والانحطاط وهيمنة الدولة ومؤسساتها في صياغة السياسات وتطبيقها .ولن تسمح هذه الفلسفة وهذا التمشي بأيّ مجال لحركة المجتمع ولتعبيراته المختلفة في المساهمة في بناء النظام الاجتماعي الجديد .
وستعرف هذه الفلسفة نجاحات هامة وستساهم في صياغة وتركيز العقد الاجتماعي لدولة الاستقلال .وستعرف بلادنا تركيز النواتات الحديثة للنظام السياسي الجمهوري والخروج من الهياكل السياسية البالية .كما ستلعب الدولة دورا كبيرا من خلال الاستثمارات العمومية والمؤسسات العمومية في بناء نظام تنموي جديد يسعى إلى تلبية حاجيات السوق الداخلية وفي مرحلة ثانية الأسواق الخارجية من خلال التصدير .كما أننا سنعرف كذلك بناء مؤسسات اجتماعية جديدة ستحمل على عاتقها مهام التضامن الاجتماعي بين الفئات الاجتماعية والأجيال .كما عرفت كذلك بلادنا تطورا كبيرا في الاستثمارات في الميادين الاجتماعية كالصحة والتعليم.
وقد ساهمت هذه النجاحات في تأكيد هيمنة الدولة ومؤسساتها على الفضاء العام ورفض كل الأصوات المعارضة وتهميشها .
إلا أن هذه الهيمنة لن تتواصل طويلا.فسيعرف هذا النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي بداية أزماته منذ السبعينات ليفتح المجال للتعدد والاختلاف في الفضاء العام ولتشهد هيمنة الدولة شيئا من التراجع .
وسيعيش المجال السياسي الكثير من التطورات الهامة منذ بداية السبعينات والتي ستطالب بنهاية هيمنة الدولة على الفضاء وهيمنة الحزب الحاكم على أجهزة ومفاصل الدولة .وستبدأ هذه المعارضة مع الثورات الشبابية في سنوات 1968 والرافضة لهيمنة الدولة على المجال العام والمطالبة بالحريات ونهاية الاستبداد .وستتواصل بدايات الثورة الديمقراطية في الحزب الحاكم في مؤتمر المنستير سنة 1971 وستؤدي إلى ظهور عديد الحركات المعارضة كأحزاب الوحدة الشعبية وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين وعودة الحزب الشيوعي للنشاط العلني .
كما ستعرف هذه المرحلة ظهور حركات المجتمع المدني ولاسيما رابطة حقوق الإنسان وبعض الجرائد المستقلة .
وستشكل هذه الحركية الديمقراطية قوة دفع وضغط هامة على الدولة ستدفعها لفتح المجال السياسي والاعتراف بالتعددية منذ بدية الثمانينات . إلا أن هذه التعددية ستبقى شكلية لتتواصل هيمنة الدولة على مجال السياسات العمومية في المجال السياسي .
وسيعرف المجال الاقتصادي كذلك نفس التطور وفتح بسيط لمجال المساهمة في صياغة الاختيارات الكبرى .وستكون أزمة تجربة التعاضد نقطة انطلاق فتح المجال الاقتصادي لعديد الفاعلين وبصفة خاصة للقطاع الخاص والذي سيصبح لاعبا أساسيا في الاستثمار وعملية التنمية بشكل عام .إلا أن هذا الانفتاح سيبقى نسبيا وستواصل أجهزة الدولة ومؤسساتها الهيمنة على صياغة السياسات العمومية والتوجهات الكبرى للاختيارات التنموية .
كما سيعيش المجال الاجتماعي على وقع التراجع النسبي لهيمنة الدولة مع ظهور واستعداد عديد الفاعلين الاجتماعيين وبصفة خاصة الاتحاد العام التونسي للشغل .فبعد سنوات من هيمنة الدولة والحزب الحاكم على المنظمة النقابية انطلقت معركة الاستقلالية منذ منتصف السبعينات ليصبح الاتحاد لاعبا أساسيا في المجال الاجتماعي .
يمكن لنا قراءة تاريخ المسألة الاجتماعية في بلادنا على ضوء الصراع بين دولة الاستقلال ومؤسساتها والحركة الاجتماعية في عملية بناء وصياغة السياسات العمومية في جميع المجالات ومن ضمنها المجال الاجتماعي.
وقد قامت رؤية دولة الاستقلال على معادلة التحديث والهيمنة على السياسات .ولئن كانت هذه المعادلة وراء عديد النجاحات فإن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أثبتت فشلها وعجزها عن اخذ طموحات ومطالب المواطنين بعين الاعتبار .
وبالرغم من فشل وعجز هذه المعادلة فقد بقيت مهيمنة ومسيطرة على السياسات العمومية .وفي رأيي فإن الأزمات تتطلب منا اليوم القطع مع هذه المعادلة وبناء تصور جديد لمشروعنا المجتمعي تكون الديمقراطية والمساهمة والانفتاح على مختلف التعبيرات الاجتماعية ركائزه الأساسية .
إن التحدي الأساسي الذي نعيشه اليوم يهم إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة ديمقراطية وتعددية.ويتركز هذا البناء في هذا المجال على جانبين مهمين .الأول يهم صياغة نمط تنموي جديد ينطلق في عملية تحديث جديدة تأخذ بعين الاعتبار جملة التحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى التي يعيشها العالم اليوم .أما الجانب الثاني فيهم ضرورة الإقرار بمبدإ التعدد والاختلاف وضرورة فتح مجال المساهمة في صياغة السياسات العمومية لكل الأطراف الاجتماعية والحركات .كما لابد في هذا المجال ان تشمل هذه المساهمة إعطاء إمكانية بناء تجارب وأنشطة اقتصادية واجتماعية تساهم في دعم مختلف الفئات الاجتماعية ومساهمتها المستقلة في تجارب التنمية .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا