حديث الفرد: في حقّ المثليين وحرّيّة التعبير

حادثتان حصلتا في تونس بعد الثورة. هما مظلمتان كان لهما سوء عاقبة على شباب غرّ، في مقتبل العمر. أحيانا، أتذكّر الحادثتين. كلّما تذكرتهما شدّني حزن وكدر.

لواط في القيروان
منذ أن صدر حكم محكمة القيروان على الطلبة وأنا بين سؤال ونكد. لا أفهم ما يجري في هذا البلد. أمره غريب هذا البلد. هم طلبة في مقتبل العمر. هم شباب في حرمان وكبت. كلّ الشباب في تونس هم في حرمان وكبت. هم شباب من القيروان والقيروان أرض طاهرة. وما هي بطاهرة. القيروان مدينة عقبة وقد انتهى منذ قرون زمن عقبة. في القيروان «الطاهرة»، هناك عيون مشرئبّة وحرّاس عيشهم حسد وتربّص. الكلّ هنا يعسّ، يتصيّد. لا عمل في القيروان ولا جهد. الكلّ في القيروان يتابع الخارجين عن الصفّ، المارقين عن الأخلاق والسنن.

ها هي الشرطة، هي الأخرى، تحاصر، تتجسّس، تلاحق الشباب ومن كان في جسمه نار ولهب. ها هي الشرطة، في فخر، تقبض على بعض طلبة، شدّهم قحط. لا شيء للشرطة تفعله. كان على الشرطة أن تنظر في البلاد وقد هزّ البلاد فيض وفوضى وهذه لصوصيّة وهذا إرهاب وهذه عربدة. كان على الشرطة توفير الأمن للوطن. لكنّ الشرطة لا تفعل. دور الشرطة هو أن تتصيّد المحبّين وتتّبع المفطرين وتقبض على من خالف شريعة الله والسلف...

أحيل الطلبة حالا على المحكمة. في المحكمة، يأمر القاضي الفاضل بالتتبّع. بفتح ملفّ. بسجن الطلبة. لحماية مكارم الأخلاق، يجب قطع دابر المفسدين في الأرض. يجب النظر في دبر الطلبة. بالنظر في دبر الطلبة، يعلو الحقّ وينتهي المنكر. ما أتاه الطلبة هو كفر. هو أشدّ من الكفر. يجب معاينة ما جرى. يجب النظر في مخارج الطلبة والتثبّت في ما كان فيها من علامة مميّزة. يا له من قاض غبيّ. ها هو يترك ملفّاته وملفّاته كثيرة، أكلها الزمن. ها هو يتابع طلبة في مقتبل العمر، تقول الشرطة إنهم تناكحوا، ذات مرّة. يلجأ القاضي للطبّ ليعلم ما جرى في مخارج الطلبة...

يأتي طبيب بائس. يدعو الموقوفين من الطلبة. ينسى مرضاه وقد أكل مرضاه المرض. هو اليوم في مهمّة. يجب أن يجري فحصا. يجب أن ينظر في مخارج الطلبة ليرى ويعلم القاضي بما قاله الطبّ. ها هو في مكتبه، متأهّب، يلبس الطبيب المبين ميدعة. ينظر في وجوه الطلبة وكلّه غيظ ونقمة. يحدّق في أعينهم وكلّه شرّ. يأمرهم بالتعرّي، بالجلوس القرفصاء، على الركبتين. يتنفّس بقوّة. يدسّ بعنف أصابعه العشرة. يجب أن ينظر بعمق، بتمعّن. يجب أن يتثبّت في ما كان من علامة. ها هو يعود ثانيّة وثالثة، يدخل أصابعه طولا وعرضا. في غيظ، يلعن اللواط وأهله وكلّ الطلبة. يعيد الطبيب النظر. عليه أن يكتب تقريرا علميّا، مفصّلا. الحمد لله أن تعلّم الطبّ وعلم ما تحمله المخارج من نبإ. بعد فحص وتمحيص، كتب الطبيب تقريرا مطوّلا. أكّد التقرير ما كان ظنّا. تناكح الطلبة.

يأمر القاضي الجليل بسجن الطلبة لسنين عدّة. ما أتته هذه الشرذمة هو أمر فظيع. انّه الجرم الذي ليس بعده جرم. هم تناكحوا خلسة، في ليلة مظلمة. ما أتاه الطلبة هو جرم. مع السجن، حكمت المحكمة بطرد الطلبة من الجامعة والعيش خارج القيروان، لسنين عدّة... فرح الناس في القيروان لما أتاه القاضي من ردع. يقول القاضي والطبيب والصحف وما بقي من دهماء وجهلة: «يجب الزجر لحماية الأخلاق الفاضلة والسمحة».

° ° °

أنا حزين على تونس وكيف هي تمشي كلّ يوم إلى الانغلاق، إلى التشدّد. أنا لا أفهم معنى هذه الأحكام القاسيّة. إن المثليّة ظاهرة كونيّة وسلوك هو اليوم متّبع، منتشر. أنا لا أرى في المثليّة ضررا ولا جرما. أنا لا أرى فيها سوءا وأدعو إلى تجاوز الإشكال وما هو بإشكال أبدا. حان الوقت كي نقرّ بالظاهرة، كي نمنح للمثليين وغيرهم من الأقلّيّات الأخرى حقّ التواجد... المثليّون هم بشر. لهم عقل ورشد. هم ليسوا مرضى ولا هم مفسدون في الأرض. هم لا يأتون إرهابا ولا يحرقون زرعا. هم بشر لهم خصوصيّات مميّزة. يجب أن نحترم الناس جميعا والمثليين وغيرهم. يجب أن نقبل بالآخر المختلف وفي الآخر المختلف ثراء ونعمة. نحن لسنا المرجع ولا المثال الأفضل. نحن لسنا خير أمّة.
تغيّر العالم. تغيّرت في الأرض القيم. انتهى زمن الخلفاء والسلف. في زمن الخلفاء والسلف، تواجد اللواط وكلّ أشكال الفجور والفسق. يجب أن نقبل بما يحصل في الأرض من تحوّل. يجب أن نمشي حيث يتّجه العالم ونرضى بما يأتيه من تنوّع، من تحرّر، من قيم مستحدثة. تونس ليست خارج الدنيا.

كاريكاتور من المهديّة

في سنة 2012، مباشرة بعد الثورة، فرّ جابر الماجري شابّ من المهديّة من البلاد وقد أقرت المحكمة بسجنه سبع سنوات. هرب الطالب بجلده وقد هدّدوه بالقتل، بالرجم. فرّ بجلده وها هو اليوم، في الغربة، بعيدا عن أمّه وصحبه وذويه. هاجر البلاد خوفا، لأنّه صوّر صورة، فيها مزح. في الكاريكاتور، صوّر الجابري رجلا بدينا قيل أنّه النبيّ، يغازل بنيّة قيل إنها عائشة. هل في الصور إساءة للنبيّ؟ هل في الكاريكاتور ضرر بالناس أو إخلال بالأخلاق الكريمة؟ أنا لا أرى هذا في الصورة. ثمّ، ما معنى الأخلاق الكريمة؟ ما هي الحدود الفاصلة بين الرذيلة والأخلاق الكريمة؟ أنا لا أرى إساءة في ما صوّر الرجل. هو كاريكاتور هزليّ. ربّما هو مضحك. أنا أضحكتني الصورة. لكنّ شعبنا الأبيّ لا يحبّ الهزل ولا الخروج عن الجدّ والترويح عن النفس. رأى بعضهم في الصورة مسّا من الإيمان، من المقدّس...

اشتدّ التنديد والعويل. تعالت أصوات المتطرّفة. هذا فعل مشين. هذا فعل إبليس. الكلّ يدعو إلى قطع يد المصوّر. يجب محاكمة المصوّر. هذا ما حصل. لبّى القاضي الجليل صراخ الجهلة. حكم بسجن المتّهم بسبع سنين. قضي على الشابّ البهيّ. انتهى عمره، أحلامه، ما كان في رأسه من خيال وتطلّع...
فرّ الجابري من تونس وسار إلى بلاد الغرب الكافر حيث لقي معونة وأمنا. هو اليوم، في ما أعلم، يحيا لاجئا، مختفيّا ولا يمكنه العودة إلى البلد. في البلد المتخلّف، يخاف الناس من الصور، من كلّ فكر جديد، من كلّ قول مختلف. في تونس المتخلّفة، يلقى الشباب الخارج عن الصفّ عذابا أزرق. يزجّ بهم في السجن فقط لأنّهم تخيّلوا، صوّروا، قالوا فكرا مختلفا...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا