منبر: العلاقات المغربية-التونسية في ضوء تقرير الاندماج المغاربي

د. محسن خليل باحث جامعي
نظّم المعهد المغربي لتحليل السياسات (MIPA Institute)، -وهو مؤسسة مستقلة غير ربحية، مقرها الرباط، تقوم بإنجاز البحوث

حول مختلف الإشكالات المتعلقة بالسياسات العامة من خلال طرح أفكار جديدة لحل المشاكل التي تواجه المجتمع على صعيد الديموقراطية والتنمية-، يوم 24 فيفري الجاري، بالرباط، ندوة عرض خلالها «تقرير الاندماج المغاربي: أهم النتائج»، للمؤلفين د. محمد مصباح ود. رشيد أوراز.
وسعى المعهد من خلال هذا البحث إلى تحليل آراء وتصورات حوالي 1200 شخص، يمثلون مختلف فئات المجتمع المغربي، قامت باستطلاع آرائهم حول موضوع الاندماج بين الدول المغاربية، خلال الفترة ما بين 15 أكتوبر و30 ديسمبر 2019، وذلك من أجل تجاوز المقاربة الفوقية للاندماج التي تركز على الجوانب السياسية والاقتصادية والمؤسساتية، وتقديم مقاربة تعتمد رصد تمثلات المواطنين والباحثين والفاعلين غير الرسميين وفاعلي المجتمع المدني.
كما سعى المعهد المذكور من خلال هذا التقرير، الذي تضمن قاعدة من المعطيات والبيانات، إلى توفير أرضية للنقاش العام حول موضوع الاندماج المغاربي، وتقديم توصيات ومقترحات لصناع السياسات، ومنظمات المجتمع المدني، والأكاديميين والصحفيين، من أجل دعم تسريع هذا الاندماج بين الدول المغاربية، وبلورة رؤية جديدة لهذا الموضوع.
الدراسة خلصت إلى أربعة نتائج أساسية تهم تمثلات المواطنين المغاربة لمعضلة الاندماج المغاربي.
تهم النتيجة الأولى المزاج العام المتفائل بخصوص فرضية تحقيق خطوات كبرى في أفق الاندماج المغاربي داخل حدود الخمس عشر سنة المقبلة، حيث أبدى 58 % من المستجوبين تفاؤلهم تجاه مستقبل الاتحاد المغاربي.
النتيجة الثانية التي خلصت إليها الدراسة تهم حضور المكون الثقافي داخل تمثلات المستجوبين المغاربة بخصوص موقفهم من مشروع الاندماج المغاربي، حيث أكدت الدراسة ثقة المواطنين المغاربة بأغلبية ساحقة تجاوزت 90 % بأهمية المشترك الثقافي بين البلدان المغاربية.
النتيجة الثالثة تخص موقف أكثر من 95 % من الفئة العمرية الأكبر (50 سنة فما فوق)، الذين عبروا عن رغبتهم في رؤية الحدود مفتوحة بين كل البلدان المغاربية، وتأكيد أغلبية المستجوبين اتفاقهم مع تعزيز التبادل الاقتصادي كأحد المداخل الممكنة لتعزيز مسار الاندماج.
النتيجة الرابعة التي أفضت إليها الدراسة تهم توجه المواطنين، الذين شكلوا «مجتمع البحث»، نحو اعتبار أن ثمة حاجة لاستبدال التنافس السياسي بلغة المصالح الاقتصادية، حيث أن إعطاء دينامية جديدة للاتحاد المغاربي ستتحقق من خلال تغليب منطق المصالح الاقتصادية.
وترتبط هذه النتيجة بما عبر عنه المستجوبون من تفسير لحالة الفشل التي يعرفها مشروع «الاتحاد المغاربي»، إذ اعتبر ما يقارب نصفهم (48 %) أن الخلافات السياسية تأتي على قائمة أسباب الفشل، بما في ذلك محاولات بعض الدول في المنطقة الهيمنة (22 %).
على أن المثير للانتباه داخل الدراسة، يبقى هو «الطابع الخاص» للعلاقات المغربية التونسية، انطلاقا أساسا من ثلاثة مؤشرات معبرة.
يتعلق المؤشر الأول بقوة الروابط الاجتماعية التي تجمع بين الشعبين المغربي والتونسي، من خلال حجم المستجوبين الذين لديهم علاقة اجتماعية مع مواطنين من البلاد التونسية، بغض النظر عن نوعية وعمق هذه العلاقة.
هكذا، إذا كان نصف المواطنين المغاربة المعنيين بالدراسة قد عبروا عن وجود علاقة اجتماعية مع أحد مواطني المنطقة المغاربية (الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا)، فإن ما يتجاوز الثلث من هؤلاء (34 %) قد أكدوا وجود علاقات عائلية تجمعهم مع مواطنين وأسر وعائلات داخل تونس.
طبعا، لا تصل هذه النسبة، لأسباب جغرافية وتاريخية، إلى عدد المستجوبين الذين تربطهم علاقات عائلية مع مواطنين جزائريين (45 %)، فإنها تتجاوز نسبة المستجوبين الذين تربطهم علاقات عائلية مع مواطنين موريتانيين، بالرغم من كل التقاطعات الحدودية والجغرافية والتاريخية التي تجمع المغرب بموريتانيا.
كل هذا يحتاج إلى أكثر من قراءة لتفسير تنامي ظاهرة «القرب العائلي» بين المجتمعين المغربي والتونسي.
المؤشر الثاني يهم «تجربة السفر إلى الدول المغاربية»، إذ عبّر 16 % فقط من المواطنين المستجوبين عن أنه قد سبق لهم السفر داخل الفضاء المغاربي (19 % من الذكور، و12 % من الإناث). لكن الملاحظ أن ما يفوق نصف المستجوبين الذين تمكنوا من السفر إلى بلدان مغاربية، قاموا بزيارة تونس التي تتربع على قائمة البلدان المغاربية التي تمت زيارتها من طرف المغاربة موضوع الدراسة.
في تفسير لذلك، يذهب التقرير نحو اعتبار تونس وجهة دولية ومغاربية مقارنة بغيرها من البلدان الأخرى، وكذا انفتاحها خلال السنوات الأخيرة، رغم الصعوبات التي عرفها قطاعها السياحي نتيجة الأحداث الإرهابية.
أسباب السفر تتوزع بالنسبة للمستجوبين حول المشاركة العلمية والأكاديمية (31 %)، أو السياحة (20 %)، أو ممارسة الأعمال (18 %)، أو زيارة الأقارب (12 %)، أو لقاء الأصدقاء (10 %)، أو غيرها من الأسباب...
المؤشر الثالث يتجسد في قوة وإيجابية التمثلات التي يحملها المغاربة حول تونس، ذلك أنهم يُبدون أفضلية واضحة للعيش في تونس، بنسبة تصل إلى 53 % من مجموع المستجوبين، وذلك في حالة أُتيحت لهم فرصة العيش في بلد آخر غير المغرب.
مؤشرات ثلاثة تؤكد خصوصية العلاقات المغربية-التونسية، وطابعها «العائلي» المتنامي، وعمقها الاجتماعي والثقافي المتزايد، وإذا كانت هذه الخصوصية الإيجابية من شأنها أن تشكل قاعدة دفع لمشروع الاندماج المغاربي، فإنها بالتأكيد تُعبّر عن أساس صلب لعلاقات ثنائية مغربية-تونسية أقوى وأمتن.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا