منبــر: المطلوب من قيس سعيد إخراج إلياس الفخفاخ من الورطة التي وضعه فيها

رئيس الجمهورية قيس سعيد، وقد يكون أيضا من حوله في الرئاسة وخارجها، تصور أن الأمر عاد إليه بعد فشل المكلف الأول

الذي قدمته النهضة. لكن يبدو أنه نسي أو تناسى أن الحسم باق في يد البرلمان. والخطأ في الاستنتاج حمله على الإسراع بإقرار أن الأمر سانح لتمرير تمشي سياسي يعبر عن اختياراته الخاصة. وهذا ما يفسر الأزمة الحالية وليس التأويلات المتعددة للدستور. أي بصفة أعم هناك خلفية سياسية تتحرك على أساسها جملة من الأطراف المتدخلة، تتمثل في البحث عن «حكومة واضحة»، إما مرتكزة على القطيعة مع النهضة والإسلام السياسي، مثلما خيل أنه ظهر من خلال التصويت ضد حكومة الجملي ب134 نائب، أو على القطيعة مع كل ما يرمز من قريب أو من بعيد لما قبل 14 جانفي، جملة وبدون تفصيل، مثل ما يبرز من مقاصد حول مفهوم «الحكومة الثورية».

لكن ما فات الجميع أن «الانتخابات الأخيرة توقفت عند المحطة الماقبل أخيرة». أي أنها «لم تفض إلى أي خيار أغلبي واضح يمكن من حكومة واضحة»، بل زادت المشهد غموضا على غموض. وهو ما يؤدي إلى احتمالين. إما تخليص البلاد من أزمة الافتقاد إلى حكومة تشتغل حتى بالحد الأدنى، والقبول بتكوين حكومة لا يمكن أن تكون، بالرجوع إلى النتائج الانتخابية، إلا على حد ما من الضعف، لكنها على الأقل موجودة. وإما حل البرلمان ودعوة الناخبين إلى انتخابات جديدة. وفي خصوص هذا الحل الثاني، يعتبر بعض المحللين أنه حل قيس سعيد، بينما من الوارد بقوة أن تكون نتائج انتخابات جديدة كارثية على قيس سعيد وغير قيس سعيد وحتى على البلاد ككل وتجربتها الهامة ولكنها الهشة أيضا. وهو ما يعني أن ورقة حل البرلمان ليست سيفا مسلولا بيد الرئاسة كما يقع تصوره، إلا إذا كان العمى السياسي إلى هذا الحد، وهو غير مستبعد. حينئذ أكبر وهم يهدد السياسيين اليوم هو التصور من طرف أي كان بأن بيده أوراق اللعبة السياسية التونسية، بينما ما أفضت إليه الانتخابات الأخيرة من نتائج هو أن «أوراق اللعبة السياسية سحبت من الجميع»، بالرغم مما يتركه ذلك السحب من انطباع لدى الكثير بأن انطلاقا منه (أي السحب) فإن أوراق اللعبة السياسية آلت إليه. أي أن العقلانية والموضوعية ومراعاة المصلحة العامة وعدم إدارة الظهر للمستقبل تقتضي الإقرار بأن الانتخابات الأخيرة لم تكن إلا مجرد «منعرج توقف»، قابل لكل احتمالات الانطلاق من جديد نحو جملة من الاتجاهات، لم تبح بعد بأسرارها، أي الإقرار بأن الانتخابات الأخيرة تمثل نوعا من «الانحباس الفكري والسياسي» الذي يسبق إعادة هيكلية نوعية للمشهد، من الممكن أن يفضي إلى هذا الاتجاه النوعي أو نقيضه، لكن على كل حال بما يمكن البلاد من الوضوح للمشهد العام الذي يفتقده اليوم. يعني أن المطلوب اليوم من السياسيين يتمثل في تخليص البلاد من السياسة السياسوية وتأجيل الخيار السياسي الحقيقي والاستراتيجي والهيكلي إلى محطة قادمة. إن أرقام الانتخابات الأخيرة بإعطائها فوزا كبيرا لقيس سعيد ليس حبا فيه وإنما هروبا من صورة القروي التي لم تمكنه من السند المطلوب، بالإضافة لكون طروحات قيس سعيد الفكرية والسياسية لا تتقاطع مع أي كان من الأطياف الموجودة، مع توزيع النسب البرلمانية على السبعة أحزاب الأولى على النحو التالي:
24 % و18 % و10 % و10 % و8 % و7 % و6 %، كل ذلك يستوجب الإقرار بأن التشتت الفكري والسياسي هو سيد الموقف وأن ذلك لا يمكن من بناء أي خيار «نقي» وأن التعنت في ذلك تعسف على الواقع لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد التشتت، بينما الحل المطلوب يتمثل في التقدم بمبادئ وقيم وخيارات جوهرية وتوجهات هيكلية وإصلاحات وإجراءات وقرارات وبرامج تتسم بما يكفي من الوضوح التي تجعل من التصويت عليها أو ضدها هو الفيصل دون سواه. قيس سعيد أوعز لإلياس الفخفاخ بأن الحل يتمثل في «حكومة ثورية» ورغم صبيانية هذا التصور فإن الرئيس ترك «المكلف» يسبح وحده بحثا عن تكريس هذا التوجه، الذي وجد في شأنه كل صعوبات الدنيا، مما حمله عمليا إلى المراجعة والتراجع دون أن يصل إلى حد التخلي عن ذلك. وبالتالي فالحل يتمثل اليوم في من طرف الفخفاخ في الإقرار النهائي بصعوبة تطبيق «المبدأ الرئاسي في تكوين الحكومة»، والتقدم فقط ببرنامجه واختياراته التي يؤمن بها ويدعو الأحزاب والكتل إلى التصويت معها أو ضدها، وهو ما من شأنه أن ينسب إلى حد لا يستهان به مسألة اختيار الأسماء المرشحة للتوزير، بل هناك إمكانية لتحسين ذلك بصفة ملحوظة، بتركيز الاختيار عمن هو قادر، فعليا وليس بمجرد مقترح حزبي يزكيه، على تحمل المسؤولية بكفاءة ونجاح والصمود أمام التحديات الكبيرة والاستجابة للمنتظر الوطني الثقيل في جملة كبيرة من المسائل تجاوزت حدود الانتظار.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا